
يراقب أحمد العبد الرحيم أطفاله خلال أيام العيد، في أثناء لعبهم بجوار المنزل، خوفًا من عثورهم على أجسام غريبة وتضررهم بها، لا سيما أنهم عائدون حديثًا من تركيا إلى منطقة سهل الغاب غربي حماة.
ويقول أحمد، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، ثاني أيام عيد الفطر: “خلال الأيام الماضية انفجرت مخلفات حرب على أطفال كانوا يلعبون في قرية العنكاوي في سهل الغاب، وأخشى أن يتكرر السيناريو ذاته مع أطفالي، خاصة أنهم منذ فترة ليست ببعيدة عثروا على قنابل عنقودية بالقرب من المنزل، وكان لطف الله حاضرًا بأن تلك القنابل لم تنفجر عليهم، وأنا أعيش في حيرة من أمري خلال أيام العيد، بين حبس الأطفال عن اللعب وبين الخوف عليهم”.
حصدت الألغام والذخائر غير المنفجرة أرواح 1400 شخص منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 حتى نهاية العام 2025، بحسب منظمة هانديكاب إنترناشونال، إذ يواجه أكثر من 15 مليون سوري خطر مخلفات الحرب.
أطفال سوريون يلعبون وسط الموت
في مساء 4 من آذار الحالي، هزّ صوت انفجار قرية العنكاوي مع حلول ساعات المساء، الذي لم ينتهِ إلا بإصابة 8 أطفال بجروح متوسطة وشديدة الخطورة، بحسب الناشط حسان حنان.
ووقع الانفجار في الحارة الشرقية الجنوبية من القرية، في أثناء تجمع أطفال عائدين من مخيمات النزوح إلى القرية، وفرحهم ولعبهم في أحيائها.
يقول حنان: لموقع تلفزيون سوريا، “كنت أول الواصلين إلى موقع الانفجار، لم يكن مشهدًا عاديًا؛ 8 أطفال ممددون على الأرض والدماء تنزف منهم، أيقنت حينها أن لغمًا أو ذخيرة عنقودية انفجرت بهم، لأن قريتنا ملوثة بالكامل بمخلفات الحرب”.
يروي أحمد العبد الرحيم تفاصيل حادثة كادت أن تسجل نهاية حياة أطفاله، الذين رُزق بهم في أثناء هجرته القسرية إلى تركيا، فبينما كان الأطفال يلعبون بالقرب من المنزل، جاؤوا بقنبلة عنقودية وهم فرحون، ويصيحون لوالدهم: “وجدنا جرة!”.
يصف العبد الرحيم حالته حينها بأن الشلل أصاب رجليه، ولم يعد قادرًا على الحركة لبرهة حين رأى القنبلة، لينتزعها من أطفاله ويذهب بها بعيدًا ويدفنها، والدموع تنهمر من عينيه، وهو يتخيل ماذا لو انفجرت القنبلة بالأطفال.
وبعد هذه الحادثة، لم يعد يطمئن لحركة أطفاله خارج المنزل، ودائمًا ما يرافقهم عن قرب في أثناء لعبهم.
يمر العيد الثاني بعد عودة قسم من السكان إلى سهل الغاب، ولا تزال مقومات الحياة الأساسية غير حاضرة، وفي مقدمتها مياه الشرب والكهرباء، ولا حتى المدارس بالشكل الصحيح، بحسب هدى الشهال، وهي أم لـ5 أطفال.
وتقول، في حديثها لتلفزيون سوريا: “في أثناء هجرتنا القسرية إلى تركيا، كان يوجد بالقرب من مخيمنا في أضنة حديقة ملاهٍ، يذهب الأطفال وحتى الكبار لقضاء وقت ممتع خلال أيام العيد، وأنا كنت أصطحب أطفالي يومًا كاملًا إلى مدينة الملاهي، حيث نقضي أوقاتًا تضفي السرور والرضا إلى نفوس الأطفال وتشعرهم بالعيد”.
وتضيف “أما هنا في سهل الغاب، وبعد عودتنا من تركيا، فلا توجد حتى مطاعم أو مقاهٍ أو كافيتريات يمكن أن نصطحب الأطفال إليها، أما مدن الملاهي فهذا طلب بعيد المنال هنا”.
ونتيجة ذلك، يقضي الأطفال أيام العيد باللعب في ألعاب بسيطة، يسيطر عليها الركض وراء بعضهم في الحقول الزراعية وقرب المنازل في المساحات المفتوحة، والصعود على ركام المنازل المهدمة، وأخطر أماكن اللعب على السواتر التي أُنشئت لأغراض حربية، ولا نعلم ماذا تخفي تحتها. ولا نستطيع منع الأطفال من اللعب، ولو بمستوى بسيط مقارنة بغيرهم من الأطفال في العالم.
“أكثر ما يمكن أن نشتريه من المحلات لألعاب العيد هي مسدسات الفتيش، ولا يوجد ألعاب غيرها”، بحسب ما يقول الطفل سعيد المحمد، حيث “نلعب أنا وأبناء حارتنا ألعاب الشرطة والحرامية، أو الثوار وعساكر بشار الأسد، ونركض خلف بعضنا البعض. وأحيانًا نلعب كمجموعة كبيرة من الأطفال بلعبة الغميضة أو “فتحي يا وردة”، إذ نمسك بأيدي بعضنا البعض ونغني ضمن دائرة تضم أكثر من 10 أطفال، كما نلعب لعبة التحدي: من يستطيع أن يقفز من على جدار منزل مهدوم”.
فرق إزالة الذخائر تعمل يوميا
أصبحت مشاهدة سيارات فرق إزالة الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري أمرًا شائعًا في ناحية الزيارة في سهل الغاب غربي حماة، بحسب ما جاء على لسان الناشط بشار الفارس، الذي يؤكد أنه بشكل شبه يومي يشاهد فرق إزالة الذخائر التي تعمل على الاستجابة لاتصالات السكان، من جراء وجود أجسام غريبة قرب منازلهم.
وبسبب كثرة البلاغات من ناحية الزيارة، عملت فرق الدفاع المدني على حملة للتعريف بالذخائر غير المنفجرة وخطرها، إذ استهدفت الحملة الأطفال في المدارس وفي المنازل.
يقول الناشط بشار الفارس لموقع تلفزيون سوريا، إن المشكلة الكبرى تكمن في أن الأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة بمخلفات الحرب، لأن هؤلاء الأطفال تربوا وعاشوا بعيدًا عن المنطقة التي كانت تتعرض للقصف، ولم يشاهدوا في حياتهم قنبلة أو مقذوفًا حربيًا أو شظايا، مما يدفعهم للمس تلك الأجسام أو ضربها، وهذا بحد ذاته تحدٍ خطير في المنطقة التي يغلب عليها العمل الزراعي، وعمل الأطفال بمساعدة أهلهم في الزراعة أو رعي الأبقار والأغنام.
يرى الفارس أن الحل الأمثل في المنطقة هو تخصيص فرق مسح وكشف عن الألغام والذخائر غير المنفجرة، لا سيما في السواتر الترابية وقنوات التصريف، لأن هذين المكانين من أكثر أماكن التلوث، إذ كانت قوات النظام تزرع في هذه الأماكن الألغام.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت قرى وبلدات ناحية الزيارة تتعرض للقصف بصواريخ سميرتش، وهي صواريخ حاملة للقنابل العنقودية، وعند اصطدامها بالأرض تنتشر تلك القنابل في كل مكان، منها ما ينفجر ومنها ما يبقى كامنًا، ولم يهدأ القصف على البلدة منذ العام 2015 حتى سقوط نظام الأسد.
الأطفال أكثر عرضة لمخلفات الحرب
تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن غياب الخرائط الشاملة للتلوث يزيد من تعقيد التخطيط الفعّال، ويدفع المجتمعات إلى التعامل مع حقول ألغام ومخلفات غير مُعلّمة بوصفها جزءًا من واقعها اليومي، بما يفاقم المخاطر ويحد من القدرة على الاستفادة من الأراضي والطرق.
ويتحمل الأطفال عبئًا غير متناسب من هذه الأزمة؛ وتشير المعطيات إلى ارتفاع نسبة الضحايا من الأطفال، وهو نمط يتسق مع الاتجاهات العالمية في ضحايا مخلفات الحرب المتفجرة. ويعود ذلك إلى جملة عوامل، أبرزها الفضول الطبيعي لدى الأطفال، واعتماد اللعب في الهواء الطلق، إلى جانب المظهر الخادع لكثير من الذخائر الصغيرة التي قد تبدو كأشياء غير ضارة أو تشبه الألعاب.
وإلى جانب الأطفال، يواجه النازحون العائدون إلى مناطقهم، والعمال الزراعيون، والرعاة، وسكان المناطق الريفية وشبه الريفية مخاطر متزايدة، لأن سبل عيشهم تتطلب الاحتكاك المباشر بالأراضي الملوثة، واستخدام طرق غير معبّدة أو مسارات جانبية تقل فيها مؤشرات التحذير أو تغيب كليًا.
ولا تقتصر آثار الإصابات على الأذى الجسدي المباشر، إذ كثيرًا ما تخلّف هذه الحوادث إعاقات دائمة، وتداعيات نفسية عميقة، وأشكالًا من التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
وبذلك تتجاوز الأزمة نطاق السلامة العامة لتأخذ شكل طوارئ صحية عامة ممتدة، ذات آثار طويلة الأمد على مؤشرات الإعاقة والفقر والقدرة المجتمعية على التعافي والصمود.
وتشير الدلائل المتاحة إلى أن زرع الألغام في سوريا اتبع، في حالات عديدة، أنماطًا تتجاوز الضرورات التكتيكية المؤقتة لتقترب من ممارسات منهجية ذات أثر مدني متوقع.
وتشمل هذه الأنماط إنشاء أحزمة ألغام دفاعية على امتداد خطوط المواجهة، والتلويث المتعمد للأراضي الزراعية والممرات الحيوية بما يقوّض سبل عيش المدنيين ويعرقل عودتهم، إضافة إلى التفجير المنهجي للمباني السكنية والبنية التحتية ذات الطابع المدني.
ويلفت أحمد العبد الرحيم أنه لم يشاهد فرق إزالة ذخائر سوى الدفاع المدني السوري، ولم تأتِ إلى المنطقة التي يعيش فيها في ناحية الزيارة فرق متخصصة للمسح، ولا الائتلاف، سوى مرة واحدة.
وعملت وزارة الدفاع على تنظيف حقل بالقرب من بلدة المشاريع أم القرى، بينما البلدات الأخرى التي يوجد بها ذخائر غير منفجرة وقنابل عنقودية وألغام متفرقة لم يتم التعامل معها حتى الآن، وكثير من السكان متخوفون على مصير أبنائهم، حتى في ذهابهم إلى المدارس ومشيهم في الطرقات وبين المنازل المدمرة.
المصدر: تلفزيون سوريا



