
لا يعني التقلب الظاهر في السياسة الأميركية بالضرورة الفوضى أو ضعف التقدير؛ ففي بعض الأحيان، يكون ما يبدو ارتباكاً أو تناقضاً مجرد أداة محسوبة، صُممت لتشويش الخصوم، واختبار الحلفاء، وإدارة صراعات إقليمية ودولية بما يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى.
تكشف أزمة إيران الأخيرة هذا المنطق بوضوح. فتصريحات دونالد ترامب المتناقضة حول طبيعة الهجوم، بين “عملية محدودة” و”حرب شاملة”، واستقالة المستشار الأمني جو كينت، وحيرة الحلفاء مثل تركيا إزاء مواقف أميركية متضاربة، جميعها أعادت رسم صورة السياسة الأميركية بوصفها شبكة معقدة من الإرباك المحسوب، لا مجرد سلسلة من الأخطاء. ولا يقتصر المشهد الأميركي على تصريحات أو مواقف فردية، بل يمتد إلى اختبارات فعلية للأطراف الفاعلة: كيف ستتصرف تركيا في ظل معلومات غير مكتملة؟ وكيف سيقرأ الخصوم نوايا واشنطن الحقيقية؟ وأين تتقاطع المصالح الأميركية مع ضغوط الحلفاء والإقليميين؟ وهل ما جرى ضد إيران يعكس خطأً في التقديرات، أم أنه جزء مما يمكن تسميته “التقلب الاستراتيجي الذكي”، الذي يستخدمه ترامب وواشنطن لإدارة الحلفاء والخصوم في آن واحد؟
لم يقتصر التباين في المواقف الأميركية على مستوى الخطاب، بل انعكس مباشرة على علاقة واشنطن بحلفائها، وفي مقدمتهم تركيا.
لم تتسبب مواقف واشنطن وتصريحات ترامب المتأرجحة بين “عملية خاطفة” و”حرب محتملة” في إرباك التقديرات فحسب، بل أتاحت للولايات المتحدة اختبار ردود فعل الحلفاء، مثل تركيا، التي كانت تحاول تحليل المعلومات المقدمة لها. وقد أشارت بعض الآراء، كتحليلات الإعلامية التركية أصلي أيدين تاشباش، إلى وجود تقديرات غير مكتملة، وربما متعمدة، بهدف تضليل الخصوم وإبقائهم في حالة تقييم مستمرة. ومن هنا، فإن التقلب الظاهر لا يقتصر على التضليل الإعلامي، بل يشكل أداة متقنة في الحروب النفسية أيضاً.
تحتفظ واشنطن، من خلال المواقف المتناقضة والتقديرات المتذبذبة، بالسيطرة على مسار الأزمة؛ فهي تشوش الخصوم، وتختبر مرونة الحلفاء، وتعيد ترتيب موازين القوى دون الحاجة إلى إعلان مباشر. ما يبدو فوضى سطحية هو في الواقع جزء من شبكة تحركات استراتيجية دقيقة تهدف إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى على أكثر من جبهة.
التقلب الاستراتيجي الذكي هو سلوك سياسي أو عسكري يبدو للعيان على شكل قرارات متناقضة، أو تقديرات متذبذبة، أو مواقف غير متسقة، لكنه في الحقيقة جزء من سياسة مدروسة تهدف إلى تشويش الخصوم، واختبار نوايا الحلفاء، وإدارة الأزمات بما يخدم مصالح الطرف الأقوى ويحقق أهدافاً استراتيجية دون الإعلان عنها صراحة. ويميز هذا المفهوم بين الأخطاء العفوية أو التقلب غير المقصود من جهة، والسياسة المتعمدة المخطط لها من جهة أخرى، ما يضع المتابع في قلب اللعبة الاستراتيجية وعمق خفاياها. فكل ما يبدو، للوهلة الأولى، فوضى أو تناقضاً، هو في جوهره أداة دقيقة لإدارة الصراعات، واختبار ردود الفعل، وإبقاء الخصوم في حالة شك دائم إزاء نوايا واشنطن الحقيقية.
باختصار، يكمن جوهر التقلب الاستراتيجي الذكي في الغموض المقصود لتشويش الخصوم، واختبار ولاء الحلفاء، وإعادة ترتيب موازين القوى دون الكشف عن النوايا الحقيقية. وقد ظهر أحد أبرز مؤشرات هذا النهج في التناقض الواضح في توصيف ما يجري ضد إيران. ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يتحدث عن “عملية” عسكرية محدودة، كانت تصريحات أخرى من داخل إدارته تلمّح إلى احتمال توسع المواجهة نحو “حرب” مفتوحة. ولم يكن هذا التباين مجرد تفصيل لغوي أو ارتباك إعلامي، بل أتاح لواشنطن مساحة مناورة استراتيجية واسعة. فعندما يُقدَّم التصعيد على أنه “عملية”، تحتوي مخاوف الحلفاء وتُطمئن الأسواق، وعندما يُعاد توصيفه بوصفه “حرباً”، تُرفع مستويات الردع وتُوجَّه رسائل ضغط إلى الخصوم.
لم يقتصر التباين في المواقف الأميركية على مستوى الخطاب، بل انعكس مباشرة على علاقة واشنطن بحلفائها، وفي مقدمتهم تركيا. فقد وجدت أنقرة نفسها أمام سيل من المعلومات المتناقضة: تأكيدات بأن ما يجري “عملية محدودة”، يقابلها حديث متزايد عن احتمال توسعها. هذا الغموض وضع صانع القرار التركي في حالة تقييم مستمر لطبيعة المشهد واتجاهاته. وأشارت تحليلات أصلي أيدين تاشباش إلى أن المعلومات التي وصلت إلى تركيا كانت “جزئية، وأحياناً مضللة”، ما زاد من تعقيد الموقف، ودفع أنقرة إلى محاولة التوازن بين حماية مصالحها الإقليمية والحفاظ على علاقتها مع واشنطن. وهنا تحول “الارتباك” الذي عاشته أنقرة إلى دافع لطرح سيناريوهات سياسية وأمنية بديلة تحسباً للمفاجآت الأميركية.
شكّلت استقالة المستشار الأمني جو كينت، على خلفية اعتراضه على الحرب ضد إيران، لحظة لافتة في مسار الأزمة. فتصريحاته، التي شككت في وجود تهديد مباشر من إيران واعتبرت أن التصعيد جاء تحت ضغط خارجي، عكست انقساماً داخل دوائر القرار. ولم تكن هذه الخطوة مجرد اعتراض فردي، بل يمكن قراءتها أيضاً بوصفها جزءاً من إدارة الأزمة، إذ تمنح واشنطن هامشاً سياسياً أمام الرأي العام، وتخلق انطباعاً بعدم وجود قرار محسوم، ما يؤخر ردود الفعل المضادة. وبهذا المعنى، يتحول التضارب الداخلي إلى أداة استراتيجية لإنتاج غموض أعمق.
الدرس الاستراتيجي الأهم أن ما يبدو فوضى أو تناقضاً في المواقف الأميركية هو في الواقع شبكة مدروسة من التحركات تهدف إلى إبقاء القرار تحت السيطرة وتحويل الغموض إلى قوة.
في المقابل، برزت إسرائيل كفاعل أساسي، سواء عبر الضغط السياسي أو حضورها الأمني والعسكري. لكن تفسير هذا الدور بوصفه توجيهاً مباشراً للقرار الأميركي لا يعكس الصورة الكاملة. إذ إن إظهار القرار الأميركي وكأنه نتيجة ضغوط خارجية أو تناقضات داخلية يمنح واشنطن مساحة إضافية للمناورة، ويخفف من كلفة التصعيد سياسياً. أما الدور الإسرائيلي، فيندرج ضمن مشهد أوسع تتداخل فيه الضغوط والتصريحات والتناقضات لإنتاج صورة تبدو فوضوية، لكنها تخدم هدفاً محدداً.
وفي سياق موازٍ، جاءت مواقف ترامب تجاه حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) حادة ومتقلبة، ما أضاف طبقة جديدة من الغموض داخل التحالف الغربي. وقد دفع هذا التوتر الشركاء إلى إعادة حساباتهم: هل يزيدون اعتمادهم على واشنطن أم يبحثون عن بدائل؟ ومن هنا، لا يُعدّ التوتر داخل الناتو عرضاً جانبياً، بل امتداداً لمنطق “التقلب الاستراتيجي الذكي”، الذي يستخدم الغموض لإدارة الحلفاء والخصوم معاً.
هذا الأسلوب ليس جديداً من منظور تاريخي؛ ففي حرب الخليج عام 1991 استخدمت واشنطن قدراً من الغموض حول خطط التحالف لاختبار استجابة العراق، وفي غزو العراق عام 2003 ظهرت تصريحات متناقضة حول أهداف العملية لتقييم مدى انقسام الحلفاء العرب والدوليين. لكن ما نشهده اليوم في إيران هو تحديث لهذا الأسلوب ضمن إطار “التقلب الاستراتيجي الذكي”.
وأخيراً، في الوقت الذي ركزت فيه إسرائيل على أسلوب الاغتيالات وتصفية قيادات الصف الأول الديني والسياسي والعسكري في إيران، ركزت واشنطن على تبني استراتيجية التعتيم والتغطية على خطتها، لإبقاء تحركاتها الدقيقة ضمن نطاق الغموض المقصود، دون دفع الخصوم أو الحلفاء إلى ردود فعل مباشرة قد تضر بمصالحها.
يتضح، من خلال متابعة الأحداث والتصريحات المتناقضة في الأزمة الإيرانية، أن واشنطن لم ترتكب أخطاء عشوائية في تقديراتها، بل اعتمدت سياسة محسوبة ومتعمدة: “التقلب الاستراتيجي الذكي”. فالغموض والتناقض والارتباك الظاهر لم يكن هدفه الفوضى، بل كانت أدوات لإدارة الأزمات، واختبار الحلفاء، وإبقاء الخصوم في حالة تقييم مستمرة.
لقد بدا ترامب، بتصريحاته المتذبذبة بين “عملية محدودة” و”حرب شاملة”، وتعليقه على استقالة مسؤولين مثل جو كينت، وكأنه يعكس ضغوطاً داخلية وخارجية، بينما كانت تركيا والعواصم العربية والحلفاء الأوروبيون يحاولون فهم ما يحدث وتعديل مواقفهم تبعاً لذلك. وما بدا، للوهلة الأولى، تقلباً أو تقديرات خاطئة، كان في حقيقته أداة محسوبة ضمن هذا النهج. ومع ذلك، قد يكون هذا الغموض قد منح واشنطن قدرة على اختبار مرونة الحلفاء وإبقاء الخصوم في حالة شك، لكنه لم يوفّر بالضرورة الدعم الغربي والإسلامي الذي كانت تسعى إليه إدارة ترامب.
الدرس الاستراتيجي الأهم أن ما يبدو فوضى أو تناقضاً في المواقف الأميركية هو في الواقع شبكة مدروسة من التحركات تهدف إلى إبقاء القرار تحت السيطرة وتحويل الغموض إلى قوة. فالتقلب الظاهر ليس فوضى، بل أداة لإدارة الأزمات، واختبار ردود الفعل، وتشويش الخصوم، وإعادة تشكيل موازين القوى على أكثر من جبهة. إن فهم هذه الآلية، حيث يتحرك القرار السياسي والعسكري بتناغم دقيق خلف ستار من الرسائل المزدوجة، هو مفتاح تحليل أي أزمة مستقبلية. فالغموض والتناقض ليسا استثناءً في السياسة، بل هما جزء من جوهرها.
المصدر: تلفزيون سوريا






