بين مشروعين: الإيراني والصهيوني    مأزق بعض النخب العربية

عبد الرحيم خليفة

مرة أخرى تدفعنا الأحداث المتسارعة في منطقتنا، وعلى مستوى الإقليم عموماً، إلى المكاشفة والمصارحة بشأن مواقف بعض القوى السياسية والتيارات الفكرية التي ما يزال لها حضور وتأثير، أو تمتلك جذوراً اجتماعية وقاعدة شعبية في مجتمعاتنا العربية.

وليس ما نشهده اليوم جديداً تماماً، فمنذ السنوات الأولى لانعطافات ثورات الربيع العربي وما انتهت إليه من مآلات مؤلمة، بدأ يتكشف بوضوح التباين بين الخطاب النظري لبعض هذه القوى وبين مواقفها السياسية الفعلية، فقد رفعت شعارات الحرية والتحرر والعدالة، لكنها في الواقع تبنت مواقف بعيدة كل البعد عن تلك الأيديولوجيات التي تدّعي الانتماء إليها.

مع احتدام المواجهة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز تيار عربي واسع يقف إلى جانب طهران ويدافع عنها، متجاهلاً سجلها الطويل في التدخل في شؤون دول المنطقة، وهو الدور الذي لم يقتصر على دولة بعينها، بل امتد من العراق ولبنان إلى اليمن وسورية، فضلاً عن محاولات التدخل في دول عربية أخرى، مع دور ملتبس في دعم بعض الفصائل الفلسطينية (حماس_ الجهاد).

منذ وصول نظام ولاية الفقيه إلى السلطة في إيران أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان واضحاً أنه يحمل مشروعاً يتجاوز حدود الدولة الوطنية، وقد عُرف هذا المشروع آنذاك بشعار “تصدير الثورة”، الذي قبلت به وروجت له كثيراً من النخب العربية، وخاصة في أوساط اليسار والقوميين، واستقبلت تلك الثورة بقدر كبير من الحماسة، ورأت فيها حدثاً تاريخياً يمكن أن يشكل أداة لمواجهة الهيمنة الغربية، والاستلاب الحضاري، والأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

لكن السنوات اللاحقة كشفت أن هذا الرهان كان، في كثير من جوانبه، رهاناً خاطئاً، فقد تحول المشروع الإيراني تدريجياً إلى سياسة نفوذ إقليمي تقوم على بناء شبكات من القوى والميليشيات المرتبطة بطهران، وبرز ما عُرف لاحقاً بمصطلح “الهلال الشيعي” الذي عزز البعد المذهبي في الصراعات الإقليمية، وأعاد تشكيل التحالفات على أسس طائفية.

وقد تُوِّج هذا المسار بظهور ما سُمّي بـ “محور المقاومة والممانعة”، الذي رُوِّج له بوصفه محوراً لمواجهة إسرائيل، لكنه انخرط في الواقع في صراعات داخلية في عدد من الدول العربية، وكان له دور بارز في تقويض استقرارها وتغذية الانقسامات داخل مجتمعاتها.

ولا يخفى على المتابع حجم التداخل في المصالح والسياسات بين القوى الدولية والإقليمية في المنطقة، بما في ذلك حالات من التنسيق أو التخادم غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران في ملفات عديدة، من أفغانستان إلى العراق، مروراً بلبنان وسورية، وهو ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي وتشابك المشاريع المتنافسة على النفوذ.

إن قراءة المشهد الحالي بسطحية أو بعين واحدة تدفع بعض القوى العربية إلى الوقوع مجدداً في فخ الخطاب الإيراني، والاصطفاف إلى جانبه والدفاع عنه، وتبرير سياساته تحت شعارات أيديولوجية أو مقاومية.

مالا تعيه هذه القوى ووقعت في تيهه هو أن رفض المشروع الإيراني لا يعني، بحال من الأحوال، القبول بالمشروع الصهيوني أو الاصطفاف إلى جانبه، كما يحاول البعض تصوير الأمر، فالواقع أن منطقتنا تواجه أكثر من مشروع يتصارع على ملء الفراغ الاستراتيجي الذي نشأ منذ سبعينيات القرن الماضي، فهناك مشروع إسرائيلي واضح في طبيعته وأهدافه، وهناك أيضاً مشاريع إقليمية أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها بأشكال مختلفة، بعضها عبر القوة الصلبة وبعضها عبر أدوات أكثر نعومة.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة أمام النخب العربية إلى إعادة التفكير في أولوياتها، والتعامل مع هذه المشاريع بقدر أكبر من الاستقلالية والوعي، بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية العمياء.

إن القول بأن إضعاف إيران سيؤدي حتماً إلى إطلاق يد إسرائيل في المنطقة، ربما يكون صحيحاً، ولكنه يتجاهل حقيقة تاريخية أساسية، وهي أن العرب خاضوا صراعاتهم مع المشروع الصهيوني قبل وجود نظام الملالي الحالي، وقدموا تضحيات جسيمة في سبيل ذلك، كما أن من غير المنطقي مطالبة الشعوب التي عانت من التدخلات الايرانية والصراعات الإقليمية بأن تتجاهل آلامها أو أن تتعامل مع من ساهموا في تلك المآسي باعتبارهم حلفاء طبيعيين.

إن الموقف الأكثر اتساقاً مع المصلحة العربية يقتضي رفض جميع المشاريع التي تسعى إلى الهيمنة على المنطقة والتحكم في مقدراتها تحت أي مسمى كانت.

العرب اليوم ليسوا بحاجة إلى وصاية من أي طرف، بقدر حاجتهم إلى مشروعهم الخاص الذي ينطلق من مصالحهم الوطنية والقومية، ويعيد ترتيب أولوياتهم السياسية والاستراتيجية.

وربما تكون اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من اضطرابات وتحديات، فرصة تاريخية لإعادة التفكير في هذا المشروع العربي، وصياغته بأدوات جديدة ورؤية أكثر واقعية، قادرة على حماية المجتمعات العربية واستعادة دورها في محيطها الإقليمي.

وما لا يمكن قبوله، بحال من الأحوال، القول إن فرح السوريين وابتهاجهم بمقتل علي خامنئي، مرشد هؤلاء الأعلى، خيانة موصوفة، وكأن المطلوب منا نحن الضحايا أن نطلب لقاتلنا الغفران، وأن نبتهل بين يدي الرحمن الرحيم طالبين الصفح والتجاوز عما فعلوه في عموم منطقتنا وما أثاروه من نزاعات وصراعات لا طائل منها.

أخيراً يا سادة، يا دعاة العروبة، تمهلوا قليلاً وفكروا ملياً: لن نقف مع إيران ومشروعها، كما أننا لن نقف مع المشروع الصهيوني، وسنبقى على مسافة واحدة من كلا المشروعين، بل وسنقاومهما، ومن جميع المشاريع المتصارعة على أرضنا والطامعة في السيطرة على مقدراتنا وإخراجنا من دورة الزمن والتاريخ، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً…

لقد أخطأتم مرتين: مرة عندما لم تقفوا مع ثورة الشعب السوري وناصرتم الجلاد، والمجرم الكوني وحلفاءه، الذين قالوا إن طريق القدس تمر من الزبداني والقلمون والقصير وغيرها من المناطق السورية الطاهرة التي ارتوت بدماء الأطفال والشيوخ والنساء، ومرة أخرى عندما تقفون مع إيران وترون الحقائق بعين واحدة، أو بعيون حَوْلاء، بعد أن أصابكم الله بخصاء فكري غير قادر على التطور وتحليل الواقع وفهمه وفق أدوات التحليل ومنهجيته العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى