اقتصاد ما بعد الحرب في سوريا.. متى يبدأ الإعمار؟

مالك الحافظ

مع دخول سوريا عامها الثاني بعد سقوط نظام بشار الأسد، يعود ملف إعادة الإعمار إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي داخل البلاد وخارجها. فالحاجة إلى إطلاق عملية إعادة بناء واسعة للبنية التحتية والاقتصاد باتت واضحة في ظل حجم الدمار المتراكم والانهيار الاقتصادي الممتد لسنوات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتمثل في توقيت الخطوة التالية، فهل تنضج الظروف لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا خلال العام الحالي، أم أن هذا الاستحقاق ما يزال يحتاج إلى وقت إضافي قبل أن يتحول إلى واقع؟
اقتصاد سوريا يحتاج إلى إعادة بناء شاملة
تشير أحدث التقديرات الدولية إلى أن حجم الدمار في سوريا يتطلب تمويلاً هائلاً لإعادة البناء. فقد قدّر البنك الدولي في تقرير صدر نهاية العام الفائت كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار على الأقل، مع تضرر واسع للبنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد. كما أوضح التقرير أن نحو 52 مليار دولار من الخسائر طالت البنية التحتية وحدها، في حين بلغت خسائر المباني السكنية نحو 33 مليار دولار.
هذه الأرقام تضع سوريا أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في الشرق الأوسط منذ عقود. فالدولة الخارجة من حرب طويلة لا تواجه فقط تحدي إعادة بناء المباني، إنما أيضاً إعادة تشغيل الاقتصاد، واستعادة الثقة الاستثمارية، وإعادة دمج ملايين السوريين في دورة الإنتاج والعمل.
لكن القدرة الذاتية للدولة السورية على تمويل هذه العملية تبقى محدودة للغاية، فالموارد المالية المحلية ضعيفة، والاقتصاد ما يزال يعاني من آثار الانكماش الطويل وتراجع الإنتاج، ما يجعل التمويل الخارجي عنصراً حاسماً في أي خطة جدية لإعادة الإعمار.
ومن المفاهيم التي برزت بقوة في دراسات ما بعد النزاعات مفهوم السلام الاقتصادي، الذي يشير إلى العلاقة الوثيقة بين التعافي الاقتصادي والاستقرار السياسي والاجتماعي. وقد طوّر هذا المفهوم عدد من الباحثين في الاقتصاد السياسي، من بينهم الاقتصادي البريطاني بول كوليير الذي تناول في دراساته العلاقة بين الفقر والنزاعات المسلحة.
كما تشير هذه الدراسات إلى أن الاقتصادات الخارجة من الحروب غالباً ما تواجه ما يُعرف بـ حلقة عدم الاستقرار الاقتصادي. فضعف النشاط الاقتصادي يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستويات الدخل، ما يخلق بيئة اجتماعية هشة قد تكون عرضة للتوترات وعدم الاستقرار.
التمويل الدولي بين دعم تعاف سوريا وتأجيل الإعمار
وكانت بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوروبي) شهدت في آذار من العام الماضي مؤتمراً دولياً لدعم سوريا، تعهّد خلاله المانحون بتقديم نحو 5.8 مليار يورو (نحو 6.3 مليار دولار) لدعم التعافي والمساعدات الإنسانية. إلا أن هذه التعهدات بقيت أقل من السنوات السابقة، ما يعكس تراجع حجم التمويل الدولي المخصص لسوريا مقارنة بحجم الاحتياجات الاقتصادية الضخمة. ورغم أهمية هذا المؤتمر، فإنه ظل موجهاً بالدرجة الأولى للمساعدات الإنسانية وبرامج الاستقرار، وليس لإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة.
وفي سياق متصل، أعلنت برامج الأمم المتحدة الإنمائية، في وقت سابق، عن خطة لدعم سوريا بقيمة 1.3 مليار دولار خلال ثلاث سنوات لتمويل مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية وبرامج الحماية الاجتماعية والتحول الرقمي، كما نوقشت هذه الخطط ضمن اجتماعات المؤسسات المالية الدولية في واشنطن. ورغم أن هذه المبادرات تعكس توجهاً دولياً نحو دعم التعافي التدريجي، لكنه ما يزال بعيداً عن إطلاق برنامج إعمار شامل.
في حين يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن الحرب أدت إلى تراجع عقود من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، حيث تعرضت البنية الاقتصادية للبلاد لانكماش حاد نتيجة تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي وتضرر شبكات النقل والطاقة وانخفاض مستويات الاستثمار.
ويحذر التقرير من أن الاقتصاد السوري قد يحتاج إلى عقود طويلة لاستعادة عافيته. فوفقاً لنماذج المحاكاة الاقتصادية التي تم إعدادها فإن الناتج المحلي الإجمالي لن يعود إلى مستواه قبل الحرب قبل عام 2080 إذا استمر الاقتصاد بالنمو بالمعدلات الحالية.
لماذا لم يُعقد مؤتمر إعادة الإعمار حتى الآن؟
رغم مرور أكثر من عام على التحول السياسي الذي شهدته سوريا، فإن فكرة عقد مؤتمر دولي شامل لإعادة الإعمار لم تتحول بعد إلى مبادرة عملية واضحة، حيث يرتبط هذا التأخر بمجموعة من العوامل المتداخلة.
العامل الأول يتعلق بالمرحلة الانتقالية نفسها، فالدول المانحة عادة ما تبحث عن قدر من الاستقرار المؤسسي والوضوح القانوني قبل الالتزام بتمويل طويل الأمد. وهذا يشمل وجود بيئة قانونية واضحة للاستثمار، وآليات رقابة مالية شفافة، ومؤسسات قادرة على إدارة مشاريع ضخمة دون الوقوع في أزمات إدارية أو مالية.
العامل الثاني يرتبط بالحسابات الدولية، فالدول الكبرى التي يمكن أن تشكل العمود الفقري لأي مؤتمر مانحين تمر بدورها بظروف اقتصادية معقدة، من تضخم مرتفع في بعض الاقتصادات الغربية إلى ضغوط مالية ناتجة عن أزمات عالمية متلاحقة، ما يجعل الالتزام ببرامج تمويل طويلة الأمد أكثر حساسية سياسياً داخل تلك الدول.
أما العامل الثالث فيتعلق بطبيعة عملية الإعمار نفسها. فبعض الدول والمؤسسات المالية الدولية تميل إلى البدء ببرامج دعم قطاعية محدودة أو مشاريع تنموية تدريجية قبل الانتقال إلى مؤتمر مانحين واسع، وذلك لاختبار البيئة الاقتصادية والمؤسسية في الدولة المعنية.
وقد نشر مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في شهر تشرين الأول الماضي، تحليلاً موسعاً حول مستقبل الإعمار في سوريا خلص إلى أن النقاشات الدولية حول الاقتصاد السوري ما تزال تدور في إطار عام، بينما لا توجد حتى الآن خطة اقتصادية شاملة ومتكاملة لإعادة إعمار البلاد.
ويرى التحليل أن أحد أبرز التحديات التي تواجه أي مبادرة دولية للإعمار يتمثل في غياب إطار مؤسسي واضح لإدارة عملية إعادة البناء، سواء على مستوى التخطيط الاقتصادي أو على مستوى إدارة المشاريع التمويلية الضخمة التي قد تتطلبها عملية الإعمار.
ويخلص التحليل إلى أن نجاح أي عملية إعادة إعمار واسعة يتطلب رؤية اقتصادية طويلة الأمد، تضع أولويات واضحة لإعادة بناء القطاعات الحيوية وتحدد آليات التمويل والإدارة والرقابة، بدلاً من الاعتماد على مشاريع متفرقة قد لا تحقق التأثير الاقتصادي المطلوب.
إعادة الإعمار كتحول اقتصادي شامل
في حين اعتبر الخبير الاقتصادي دان قزي، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن النقاش حول عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا يجب أن يُفهم في سياق أوسع من مجرد توفير التمويل اللازم لإعادة بناء البنية التحتية، موضحاً أن تجارب إعادة الإعمار في العالم تُظهر أن المسألة تتعلق قبل كل شيء بقدرة الاقتصاد على استيعاب تدفقات مالية ضخمة وتحويلها إلى دورة إنتاجية مستدامة.

وأضاف أن التحدي الأكبر في الحالة السورية يكمن في طبيعة الاقتصاد الذي سيستقبل هذه الاستثمارات، فالدول المانحة بحسب رأيه، لا تنظر إلى مؤتمرات الإعمار باعتبارها مجرد التزامات مالية، وإنما كجزءٍ من عملية اقتصادية أوسع تتعلق بإعادة بناء الثقة في المؤسسات والأسواق.
كما لفت إلى أن التجارب الدولية تشير إلى أن مشاريع البنية التحتية والطاقة غالباً ما تشكل نقطة الانطلاق في عمليات إعادة البناء، لأنها تخلق طلباً واسعاً في قطاعات اقتصادية متعددة.
وأشار إلى أن إعادة إعمار سوريا يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية كبيرة للمنطقة إذا ما تم تنظيمها ضمن إطار اقتصادي واضح. فاقتصاد الإعمار كما يوضح، لا يقتصر على إعادة بناء المدن، بقدر ما يمتد ليشمل قطاعات كاملة مثل البناء والخدمات اللوجستية والطاقة والقطاع المالي.
هذا وتتناول الأدبيات الاقتصادية المعاصرة قضية إعادة الإعمار ضمن إطار أوسع يُعرف بـ اقتصاد ما بعد الصراع، وهو حقل بحثي تطور منذ تسعينيات القرن الماضي مع تزايد الدراسات حول اقتصادات الدول الخارجة من الحروب. وقد تبنّت مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذا المفهوم في تحليلاتها المتعلقة بعمليات إعادة البناء في دول عديدة شهدت نزاعات مسلحة، من بينها البوسنة وأفغانستان والعراق.
حيث يقوم هذا الإطار النظري على فكرة أساسية مفادها أن إعادة الإعمار لا تقتصر على إعادة بناء البنية التحتية المادية التي دمرتها الحرب، بل تتعلق قبل كل شيء بإعادة تشكيل المنظومة الاقتصادية والمؤسساتية للدولة. ففي الاقتصادات التي تمر بمرحلة ما بعد الصراع، تكون الهياكل الاقتصادية قد تعرضت لتشوهات عميقة نتيجة انهيار الأسواق، تراجع الإنتاج، فقدان رأس المال البشري، وتفكك المؤسسات الاقتصادية.
مؤشرات تدفع نحو طرح مؤتمر دولي للإعمار
رغم التعقيدات آنفة الذكر، فإن عدداً من المؤشرات قد يدفع باتجاه طرح فكرة المؤتمر الدولي مجدداً خلال العام الجاري.
أول هذه المؤشرات هو تزايد الضغوط الاقتصادية داخل سوريا نفسها. فاستمرار التراجع الاقتصادي من دون إطلاق مسار إعادة إعمار واضح قد يضع البلاد أمام تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، وهو ما قد يدفع الأطراف الدولية إلى النظر إلى الإعمار باعتباره جزءاً من استقرار اقتصادي طويل الأمد.
أما المؤشر الثاني يتعلق بتنامي الاهتمام الإقليمي بإعادة الاستثمار في سوريا، سواء عبر مشاريع اقتصادية مباشرة أو من خلال دعم مبادرات تنموية. فالدول الإقليمية غالباً ما تلعب دوراً مهماً في توفير الزخم السياسي والمالي لأي مؤتمر دولي من هذا النوع.
حتى في حال طرح فكرة المؤتمر الدولي خلال العام الجاري، فإن شكله النهائي ما يزال مفتوحاً على عدة احتمالات. فقد يكون مؤتمراً واسع النطاق يشبه مؤتمرات إعادة الإعمار التي شهدتها دول أخرى بعد النزاعات، حيث تقدم الدول المانحة تعهدات مالية كبيرة ضمن إطار دولي منظم.
لكن احتمالاً آخر يتمثل في مقاربة أكثر تدريجية، تقوم على إطلاق مشاريع قطاعية في مجالات محددة مثل الطاقة والبنية التحتية والخدمات الأساسية، قبل الانتقال لاحقاً إلى مؤتمر دولي شامل عندما تتضح نتائج المرحلة الأولى.
هذا السيناريو الثاني قد يبدو أكثر واقعية في نظر بعض الدوائر الدولية، لأنه يسمح بتقييم الأداء المؤسسي والاقتصادي على الأرض قبل الالتزام بتعهدات مالية ضخمة. وبين الضغوط الاقتصادية الداخلية والحسابات الدولية المعقدة، يبقى مؤتمر إعادة إعمار سوريا أحد الأسئلة المفتوحة التي قد تحدد مسار الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى