
لا يمكن تجاهل حجم التفاعل الذي أبداه الشارع التونسي والنُّخب السياسية منذ اندلاع الحرب على إيران، ويمكن القول إجمالاً إن الموقف العام تسوده حالةٌ من التعاطف مع الجمهورية الإسلامية والانتقاد الحادّ للحلف الأميركي الصهيوني. ولا يوجد ما يثير الاستغراب في أن يتعاطف التونسيون مع الطرف المُعتدى عليه، خصوصاً إذا كانت المعادلة تضم في أحد أطرافها الكيان الصهيوني الذي يمثل نموذج الشر المحض في الوعي الجمعي للشعب التونسي. ولا تخرج مواقف الأحزاب السياسية عن السياق العام للتعاطف الذي يبديه الشارع التونسي إزاء الجانب الإيراني. ولهذا جاءت البيانات متماثلةً في إدانة الحرب واعتبارها استمراراً للعدوان الذي استهدف غزّة، وجانباً من المخطّط الإمبريالي لإخضاع المنطقة.
وفي خضم هذه المواقف المتشابهة، يمكن الانتباه إلى موقفَيْن كان لهما خصوصيةٌ، وأعني بهما موقف السلطات الرسمية أولاً، وثانياً موقف الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي. فالبيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية جاء مقتضباً معبِّراً عن انشغال الدولة التونسية ومتابعتها بقلق شديد “التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة وما قد ينجرّ عنه من مخاطر اتّساع رقعة الصراع والانزلاق إلى الفوضى فضلاً عمّا يُشكّله ذلك من تهديد جدّي للأمن والسلم” إقليمياً ودولياً، وتجنّب البيان الإشارة إلى طرفي الحرب، فلم يرد ذكر الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني ولا إيران في البيان، وإنما اكتفى بصيغة غامضة بشأن تمسّك تونس باحترام مبدأ سيادة الدول، وهكذا غاب أي تعاطف مع الطرف الإيراني خلافاً لبيان الخارجية التونسية إثر الهجوم الصهيوني على إيران فجر 13 يونيو/ حزيران الماضي، إذ تضمّن إدانةً صريحةً وواضحةً لما وصفه بالعدوان بأشد العبارات، بل ربط البيان هذا الهجوم بما وصفه بـ”السياسة العدوانية للكيان”.
وجه الغرابة يكمن في التحوّل الواضح من التنديد الشديد في بيان 13 يونيو وحالة التغاضي عن توصيف الحدث بالعدوان في بيان الخارجية في 1 مارس/ آذار الجاري، ولكنه حرص على إبداء رفض تونس المطلق “لأي استهداف لأراضي دول عربية شقيقة وتعرب عن تضامنها الكامل مع كلّ من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة العراق”. ويمكن تفسير الموقف بنوع من الرغبة الرسمية التونسية في الاصطفاف ضمن السياق الرسمي العربي والدولي، وتجنّب ما يمكن فهمه على أنه اصطفاف إلى جانب إيران. فالدولة التونسية، على الرغم من حالة الانفتاح الدبلوماسي والسياسي التي شهدتها علاقاتها مع الجمهورية الإيرانية ظلّت حريصةً على نوع من الثوابت المرتبطة بعلاقاتها الخارجية سواء على المستوى العربي أو الدولي.
إدانة الهجوم الأميركي على إيران لا يعني عدم إدانة الاستبداد الذي مارسه النظام هناك
الموقف الثاني الذي جاء مخالفاً للسياق العام لمواقف القوى السياسية التونسية فهو ما أعلنه المنصف المرزوقي أن إدانة الهجوم الأميركي على إيران لا يعني عدم إدانة الاستبداد الذي مارسه النظام هناك، ويبرِّر هذا الموقف من خلال التأكيد أن “الاستبداد، دينياً كان أم علمانياً، والصهيونية والإمبريالية، هي الأضلع الثلاث المتساوية للمثلث نفسه الحامل لخراب الأفراد والشعوب والقيم الإنسانية”، ولهذا كان من الطبيعي، بحسب وجهة النظر هذه، أن يكون الموقف السليم قائماً على دعم الشعب الإيراني في ثوراته ضد نظام الاستبداد الديني من جهة، وإدانة الحرب التي يشنّها التحالف الأميركي الصهيوني.
من الواضح أن المرزوقي كان حريصاً على عدم الانزلاق إلى أحد جانبي معادلة الحرب القائمة انطلاقاً من الرؤية الحقوقية التي تعطي الأولوية للشعوب، حيث لا يمكن تبرير هذه الحرب العدوانية مهما كانت شعاراتها. وفي الوقت ذاته، لا تعني هذه الإدانة للحرب تأييداً للنظام الإيراني الذي يصفه المرزوقي بأنه نظام استبداد ديني. وبين حسابات السلطة السياسية التي تحرص على علاقاتها الخارجية وتجنّب ما يمكن أن يثير أي تحفظات على مواقفها ضمن محيطها العربي والدولي، والموقف الحقوقي الذي عبّر عنه المنصف المرزوقي. وكلا الموقفين قد لا يجدان إعجاباً من الشارع في عمومه، باعتبار أن التصوّر الشعبي يميل إلى المواقف الحاسمة، ولا يستسيغ الرؤى الرمادية، ولكن متى كانت السياسة إرضاءً للجمهور؟
المصدر: العربي الجديد






