حرب إيران الأخيرة!

شادي لويس

تخوض إيران حربها هذه بوصفها حربها الأخيرة. انقضى زمن الحسابات البراغماتية، هذه معركة طهران المصيرية. لا خطوط حمراء إذاً، الخطة التي ينفذها على الأرجح قادة من المستوى الثالث أو الرابع، وبشكل منعزل وبتعلميات معدة سلفاً لا تتيح أي درجة من المرونة. تذهب إيران في طريق له اتجاه واحد وبسرعة التداعي الحر. يراهن التكتيك الإيراني على إلحاق القدر الأكبر من الأذى بحلفاء واشنطن في دول الخليج، على أمل أن يضغطوا في اتجاه وقف القتال. تعطيل الملاحة الدولية في مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج العربي رفعت أسعار الطاقة بالفعل وستواصل الارتفاع، وسرعان ما سينعكس ذلك على معدلات التضخم حول العالم. ملف الاقتصاد الذي يتباهى به ترامب دائماً في خطابه المحلي قد يتضرر بشدة. يدرك حكام طهران أن عين الإدارة الأميركية مثبته على مؤشرات البورصة، وأن طوق النجاة قد يأتيهم من مديري المحافظ المالية والمضاربين ومحافظي البنوك المركزية.

الأهداف الأميركية في حملتها الإمبريالية الأخيرة متناقضة أو تتميز بالسيولة على أفضل تقدير. تبدأ بتغيير النظام وتنتهي بعناوين أكثر قابلية للتحقيق، مثل تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية. نفي البنتاغون لفرضية التدخل البري مع انطلاق الحرب تبددت بعد أقل من 48 ساعة، تتطاير التصريحات الصادرة عن واشنطن وتل أبيب بخصوص إمكانية إنزال قوات على الأرض. يتميز الجدول الزمني للقتال بالدرجة نفسها من السيولة، من بضعة أيام إلى عدة أسابيع ثم عدد من الشهور، لكن بكل الأحوال يطمئن وزير الحرب الأميركي مواطنيه بأنها لن تكون حرباً بلا نهاية، في إشارة ضمنية إلى الحروب الأميركية السابقة في العراق وافغانستان. الأميركيون جاهزون للخسائر في الأرواح، من اليوم الأول يعلنها ترامب أن جنوداً أميركيين سيسقطون في القتال. صحيح قد يشعر الجمهوريون بالقلق من تأثير تبعات الحرب ومعدلات تضخم مرتفعة على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لكن الحرب لا تعني بالضرورة نزيفاً اقتصادياً في كل القطاعات. خلال الحرب الإسرائيلية متعددة الجبهات في العامين الماضيين ارتفعت أسهم شركات السلاح والأمن الرقمي بمعدلات استثنائية. المفارقة تكمن أيضاً في أن أرتفاع أسعار الطاقة يعد مكسباً للدول المصدرة للوقود الأحفوري، بمعنى آخر قد تخرج العواصم الخليجية ببعض المكاسب الاقتصادية من هذه الحرب، أو قد تكون أكبر الرابحين من ارتفاع نسبة التضخم عالمياً. لاحقاً عليها تعويض ترساناتها من الصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع، ما يعني تسريع لوتيرة تدوير الأرباح على مستوى كوكبي. تحتاج الرأسمالية للحرب بشكل دوري.

في لعبة عض الأصابع، تستطيع الولايات المتحدة أن تحتمل أطول وبفارق كبير، وأن تواصل القتال لبضع أسابيع أخرى أو ربما عدة شهور. أما طهران فأمامها أيام وفي أفضل الأحوال أسابيع قليلة قبل نفاد مخزونها من الصواريخ الباليستية. ومع توالي الضربات على البحرية الإيرانية، تتراجع قدرة طهران على اعتراض خطوط الملاحة الدولية. تعمل واشنطن أيضاً على عدة مستويات لإدارة الأضرار الجانبية للحرب. فبالإضافة لإعلان ترامب عن إمكانية مرافقة قطع البحرية الأميركية للسفن المارة بمضيق هرمز من أجل تأمينها، أطلق الرئيس الأميركي عدداً من الإجراءات لتقديم دعم ائتماني إلى خطوط النقل البحري، وذلك لتخفيف تبعات ارتفاع تأمينات الشحن على التضخم في أسعار السلع.
التجرؤ الإيراني قطع طريق العودة على الأميركيين، الصلف الإمبراطوري لن يسمح بالتراجع الآن، تغيير النظام ليس هدفاً سهلاً، وعلى الأغلب لا أحد يأخذه على محمل الجد، لكن تدمير إيران كبلد إجمالأً أمر قابل للتحقق، ومن السماء فقط من دون حاجة للنزول على الأرض.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى