إيران واحتمالات الحرب والسلام

معقل زهور عدي

لعل من المبكر القول إن الحرب بين ايران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من الجهة الأخرى قد حسمت بمقتل المرشد العام علي خامنئي وأهم القادة العسكريين والأمنيين للنظام الايراني , فالاحتمالات مازالت مفتوحة , والنظام الايراني يمتلك مؤسسات راسخة متعددة قادرة على احتواء الضربة التي وجهت إليه بقتل المرشد والقيادات العسكرية والأمنية فمجلس الخبراء قادر على اختيار مرشد بديل بل ربما كان علي خامنئي قد جهز خليفته مسبقا , والحرس الثوري الايراني يمتلك نفوذا أمنيا – اقتصاديا عميقا , إضافة لمجلس صيانة الدستور والسلطة القضائية , والحرب على ايران يمكن أن تحدث رد فعل يمكن مقاربته بما يسمى ظاهرة “الالتفاف حول العلم” في أوقات الحرب , أي انبعاث الروح الوطنية التي تمنع تفكك الدولة التي تتعرض للحرب . وايران بلد كبير وعريق ويمتلك قوى عسكرية ليس من السهل تدميرها بالكامل , و لنتذكر كيف أن بلدا أصغر بمساحته من مدينة متوسطة في ايران مثل غزة استطاع مقاومة عامين من القصف الجوي , واستمر يطلق الصواريخ على اسرائيل لأكثر من عام ونصف .
صحيح أن مقتل خامنئي ورفاقه سوف يضعف النظام الايراني وكذلك الغارات الجوية الكثيفة لكن قد لايكون ذلك كافيا لاسقاط النظام طالما بقيت النخب القيادية داخل الحرس الثوري ومؤسسات النظام متماسكة أما الشعب الايراني فلانعرف كيف سيكون رد فعله وهل سيخرج للشوارع كما طلب منه الرئيس ترامب ؟ وحتى لو خرج قسم منه فمن المعروف وجود انقسام ضمن الشعب الايراني بين مؤيد للنظام مازال متأثرا بالعاطفة الدينية ومركز المرشد العام الديني – السياسي كنائب لصاحب الزمان المهدي خاصة في الأرياف ومعارض يتضمن البورجوازية ذات الهوى الغربي التي تتمركز في المدن الرئيسية وأجيالها الجديدة في الجامعات وفئة كبيرة من تجار البازار .
فإذا استطاع النظام الايراني احتواء الضربات التي وجهت ومازالت توجه إليه فربما تبدأ الضغوط على محور الولايات المتحدة – اسرائيل لانهاء الحرب والاكتفاء بما تم إنجازه وهكذا تنتهي الحرب دون أن يتم اسقاط النظام .
من الصعب توقع أن تستسلم القيادة الايرانية الجديدة وترفع العلم الأبيض كما يريد الرئيس ترامب , وغاية مايمكنها فعله هو الموافقة على الدخول بمفاوضات جديدة بوساطة طرف ثالث وربما لاتكون تلك المفاوضات أسهل من سابقاتها , ويعني ذلك الدخول في مرحلة من التهدئة والتصعيد لمدى زمني غير محدود .
هذا السيناريو ليس السيناريو الوحيد لمسار الحرب على ايران , لكنه ربما يكون الأكثر واقعية , أما السيناريوهات الأخرى مثل حدوث انشقاق داخل النخب القيادية في الحرس الثوري يرافق نهوضا شعبيا كبيرا يسفر عن اسقاط النظام فلست أستبعده تماما لكن لايبدو لي أنه السيناريو الأقرب للواقع , وربما يحتاج الأمر لبعض الوقت بعد انتهاء الحرب إذا كنا سنراه في قادم الأيام .
لكن لنتأمل قليلا في انعكاسات الحرب المحتملة على مشرقنا العربي وسورية خاصة .
بلاشك وكيفما انتهت الحرب فإن أذرع ايران التي اكتوى الشعب السوري بنارها من حزب الله إلى الحشد الشعبي في العراق إلى الميليشيات العراقية الأخرى سوف تزداد ضعفا إلى حد كبير وتلك نتيجة حسنة بالنسبة لسورية التي مازال حزب الله خاصة يشكل بؤرة لدعم فلول النظام في لبنان في التآمرضد استقرارها ووحدتها .
لكن نتيجة أخرى سيئة محتملة ففي حال سقوط النظام الايراني لحساب نظام غربي الهوى فسوف يسارع ذلك النظام غالبا لتحسين علاقته مع اسرائيل وربما ايجاد نوع من التحالف معها كما كان الحال عليه أيام الشاه , بالتالي فسوف ينتقل اهتمام اليمين الاسرائيلي من مواجهة ايران وأذرعها إلى مواجهة أخرى قد تكون نحو تركيا وسورية حتى لو لم تظهر سورية أية نوايا غير سلمية , وهذا ربما يقود إلى تغير هام قد يؤثر على الموقف الأمريكي إلى هذا الحد أو ذاك بما لايصب في مصلحة نهوض الدولة السورية واستقرارها .
أما ايران ذاتها فسوف تخرج من الحرب أضعف من أي وقت , وسوف تحتاج لسنوات عديدة لتعيد بناء اقتصادها وجيشها , وهذا يعني أنها ستكون مستعدة لتأجيل طموحها النووي , وتأجيل امتلاك ترسانة من الصواريخ البالستية مقابل تطبيع تدريجي مع الولايات المتحدة لكن ذلك مرهون بوضع النظام الايراني وتوجهات النخب الجديدة التي ستحكم ايران بعد الحرب . وعلينا أن لا ننسى أنها ستكون أيضا بحاجة لإصلاح علاقاتها مع دول الخليج العربي بعد أن أساءت إساءة بالغة لتلك العلاقات بتوجيه صواريخها نحو تلك الدول في حين أنها وقفت متضامنة معها داعية لوقف الحرب ضدها، ولن يكون ذلك سهلا، لقد كان ذلك فعل حماقة لا يمكن ايجاد مبرر له على الاطلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى