واقع وتحديات اللاجئين السوريين في أوروبا

عبد الله تركماني

 

تتباين مواقف الدول الأوروبية من اللاجئين السوريين؛ فالبعض ينظر إليهم من زاوية مقاربة أمنية، ويرى فيهم تهديدًا ديموغرافيًا وإخلالًا بالتركيبة السكانية، بينما يراهم آخرون من زاوية المصالح الاقتصادية ومعالجة الهرم الديمغرافي المهدَّد بالشيخوخة.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، استقبلت دول الاتحاد الأوروبي، منذ اندلاع الحراك الشعبي حتى نهاية عام 2013، نحو 50 ألف لاجئ سوري. وما لبث هذا العدد أن تضاعف نتيجة عوامل مختلفة، في صدارتها ارتفاع مستويات العنف وانتشار القتال في معظم الأراضي السورية، وصولًا إلى نحو مليون لاجئ عشية التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
القوى الأوروبية المتطرفة
أدّى تدفق اللاجئين السوريين إلى القارة الأوروبية إلى صعود غير مسبوق لأحزاب اليمين المتطرف، التي أشهرت فزّاعة المهاجرين للدفع بأجنداتها العنصرية وتعزيز رصيدها السياسي، مما وضع الاتحاد الأوروبي في مواجهة تحديات بالغة الخطورة، وأثار فيضانًا من الانقسامات المجتمعية والمشاعر المتأججة والمتوجسة من تنامي الإرهاب وخطط مزعومة لـ«أسلمة أوروبا».
وفي المقابل، سعت مبادرات من المجتمع المدني إلى إرساء قاعدة عملية لخلق خطوط وصل مع اللاجئين، من بينها مبادرة «حلقة السلام من أجل سورية»، التي عملت من خلال ورش عمل متنقلة في مدن ألمانية على توعية اللاجئين وسكان محليين من الألمان، وحثّهم على ضرورة تعزيز «العيش المشترك» وإلغاء منطق «الأحكام المسبقة».
يشكّل اللجوء إلى أوروبا، بالنسبة إلى أغلبية المهاجرين، حلًا لمعاناتهم المستمرة منذ سنوات؛ إذ يؤمّن لهم الاستقرار المادي والنفسي، والتعليم، وفرص العمل، وغير ذلك من المنافع على الصعيد الفردي.
التكيّف مع قوانين المجتمع الألماني
واجه اللاجئون ظروفًا جديدة، مختلفة كليًا في بعض الأحيان؛ مثل فهم القوانين والانصياع لها، ومعرفة حدود الحرية، وتطوير شخصية المواطن، وتقبّل الآخر، وبناء علاقة ثقة مع أجهزة الدولة، ومعرفة المجتمعات الأوروبية المضيفة معرفةً عميقة، والاندماج فيها. وذلك بالرغم مما يمكن أن يشكّله هذا الانفتاح المفاجئ من صدمة ثقافية في البداية، قد تؤدي إلى انفجار المكبوت دفعة واحدة باتجاه ما، وبشكل طائش، بما يعود على صاحبه بالضرر.
إنّ الأمر يتطلب نشوء ثقافة جديدة، طبقًا لـ«سوسيولوجيا الهجرة»، بمعنى «المواطنة الثقافية»، بما تعنيه من حق الجماعات الفرعية والأقليات في الاحتفاظ بهويتها الثقافية الخاصة، حتى لا يتم احتواؤها ودمجها قسرًا في الثقافة العامة الرسمية السائدة في المجتمع، بشرط ألا يترتب على ذلك عدم المشاركة بشكل إيجابي وفعّال في مختلف أنشطة الحياة، والالتزام التام بالقوانين والقواعد الأساسية المنظمة للحياة العامة في الدولة.
التداعيات على مستقبل سوريا
يشكّل اللجوء إلى أوروبا، بالنسبة إلى أغلبية المهاجرين، حلًا لمعاناتهم المستمرة منذ سنوات؛ إذ يؤمّن لهم الاستقرار المادي والنفسي، والتعليم، وفرص العمل، وغير ذلك من المنافع على الصعيد الفردي. وفي المقابل، تبرز آثار سلبية عديدة على المستوى الوطني؛ إذ فقدت سوريا مئات الآلاف من مواطنيها، مما أحدث خللًا في التركيبة الديمغرافية، واضمحلالًا في الطبقة الوسطى؛ ذلك أنّ 37% من اللاجئين السوريين حاصلون على شهادات جامعية.
فعلى سبيل المثال، تحوّلت ألمانيا إلى الوجهة الأبرز للأطباء السوريين، الذين باتوا يشكّلون المجموعة الأكبر من الأطباء الأجانب؛ ففي عام 2024 سُجِّل رسميًا وجود 7042 طبيبًا وطبيبة سوريي الجنسية، وفق بيانات نقابة الأطباء الاتحادية. مع العلم أنّ الإحصاءات تشمل فقط من يحملون جواز سفر سوريًا، في حين تستثني آلاف الأطباء الذين حصلوا على الجنسية الألمانية خلال السنوات الماضية.
كما يُعدّ فقدان عنصر الشباب أحد أبرز الآثار السلبية، لأنه عنصر ضروري ومهم في عملية إعادة الإعمار. ومن المرجّح أن تخسر سوريا أيضًا أعدادًا كبيرة من الجيل الجديد الذي سوف ينشأ على ثقافة وقيم مختلفة، بالرغم من إيجابياتها الكثيرة، بما يسلخه تدريجيًا عن وطنه الأصلي، ويغيّر اهتماماته وأولوياته.
يحتاج اللاجئون السوريون إلى إيجاد أشكال من الروابط والاتحادات الطوعية، كمؤسسات مجتمع مدني تعبّر عنهم وتدافع عن مصالحهم، وهو ما افتقدته سوريا طوال عقود من الاستبداد المزمن
الاستحقاقات أمام السوريين
مؤدّى ما تقدم يدفع إلى القول إنّ جالية سورية لا يُستهان بحجمها، بل ربما «مجتمعًا سوريًا» في طور التشكل في بلدان اللجوء، وهو ما يضع السوريين في المنافي أمام استحقاقات جمّة تتطلب التفكير فيها والتعامل معها بجدية، إذ تتجاوز مسألة «الاندماج» إلى البحث في سبل تنظيم السوريين لتحسين شروط حياتهم الجديدة والتعامل مع تحدياتها، بوصفهم مجموعة باتت، بحكم الأمر الواقع، جزءًا من سكان هذه البلاد، ما يعني وجود مصالح مشتركة يجب تحقيقها والدفاع عنها.
وفي هذا السياق، يحتاج اللاجئون السوريون إلى إيجاد أشكال من الروابط والاتحادات الطوعية، كمؤسسات مجتمع مدني تعبّر عنهم وتدافع عن مصالحهم، وهو ما افتقدته سوريا طوال عقود من الاستبداد المزمن، حُرم فيها السوريون من كافة أشكال التجمع والتنظيم والتعبير عن تطلعاتهم بحرية. في حين تلوح أمامهم فرصة ذهبية لخوض هذه التجارب واختبارها، مستفيدين من مناخ الحرية والديمقراطية في أوروبا.
وهكذا، فإنّ الإجراءات التي تنتهجها الدول الأوروبية، سواء في تعاملها الجماعي عبر المفوضية أو عبر سياساتها المنفردة في التعامل مع اللاجئين السوريين، لن تؤتي ثمارها المرجوة، نظرًا إلى ثلاثة عوامل: أولها تباين وجهات النظر الأوروبية في كيفية التعاطي مع الحالة. وثانيها تركيز أغلب الجهود الأوروبية على الحلول الأمنية والعسكرية، كإنشاء معسكرات احتجاز واعتقال، وتشديد الرقابة على الحدود، ورفع قدرات الحراسة، وتعقّب اللاجئين وترحيلهم بالقوة. وثالثها التعامل مع مظاهر الحالة ونتائجها دون التطرق إلى الأسباب والعوامل الحقيقية وراء تفاقمها.
إنّ الأمر يتطلب نشوء ثقافة جديدة تقبل الأجنبي المستقر، لتحل محل ثقافة البلد ذي اللسان الواحد، والدين الواحد، واللون الواحد؛ أي «المواطنة الثقافية».
وأخيرًا، نتساءل عن المعوّقات أمام عودة الكفاءات إلى سوريا الجديدة، وهذا موضوع مقالنا القادم.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى