هذه الحرب على إيران

غازي العريضي

دلّت المؤشّرات كلّها، بعد الجلسة التفاوضية أخيراً في الأسبوع الماضي في جنيف بين الوفدَين الإيراني والأميركي عبر الوسيط العُماني، على قرب وقوع الحرب، على الرغم من ترويج إيجابيات تحقّقت، وردّ عليها الوفد الأميركي: “كنّا مصدومين”. الإشارة بالغة الدلالة كانت سفر وزير خارجية عُمان في اليوم التالي إلى واشنطن أيضاً، ولقاءه نائب الرئيس جي دي فانس ومسؤولين آخرين، وتصريحه إنه أطلعهم على تفاصيل المفاوضات مع طهران والتقدّم المُحرَز. وقال إنه يتطلع إلى إجراء مزيد من التقدّم الحاسم خلال الأيام المقبلة. وأضاف “السلام بات في متناول أيدينا. إيران قدّمت صورة أكثر إيجابية. وافقت على عدم الاحتفاظ مطلقاً بمخزونها من اليورانيوم المُخصَّب. إذا كان الهدف هو ضمان ألا تمتلك سلاحاً نووياً فأعتقد أننا عالجنا هذه المسألة من خلال المفاوضات”. وكأنّي بالرجل أراد إنقاذ المفاوضات، وهو قلق من النيّة الأميركية الإسرائيلية لإفشالها وضرب إيران.
بعدها مباشرة، زار رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، إسرائيل، وأطلق تصريحات مؤيّدة بالمطلق لمواقف تل أبيب وسياساتها، واستُغلّت الزيارة بشكل احترافي على الطريقة الإسرائيلية، وأُعلن “إلغاء الرحلات الجوية إلى إسرائيل من الغد لأسبوع”. وبدا الشريك مودي كأنه في أجواء تحضيرات الحرب. ثم أعلنت الخارجية الأميركية: “ينبغي لأيّ أميركي عدم السفر إلى إيران. هي مصنّفة دولة راعية للاحتجاز الدولي، وعلى النظام الإيراني التوقّف عن احتجاز الرهائن وإطلاق سراح جميع الأميركيين المحتجزين. نكرّر دعوتنا للأميركيين الموجودين حالياً في إيران إلى المغادرة”. وفي ذلك عودة إلى نقطة البداية في المواجهة الأميركية مع “الثورة الإسلامية” عام 1979 والحديث عن المحتجزين، ثم حديث ترامب وغيره عن استهداف قوات المارينز في بيروت.
الخليج اليوم في قلب النار والعالم العربي سيكون خاضعاً لمعادلة سياسية مختلفة
أعلن الرئيس ترامب: “لو كنت مكان المرشد الإيراني لخشيت النوم فترةً طويلة… نحن أمام قرار كبير للغاية وصعب بشأن دولة تمارس بتر أرجل الناس وأذرعهم منذ 47 عاماً… إيران تطوّر صواريخ تصل إلى أميركا وهي تشكّل تهديداً خطيراً لنا. لن يكون لديهم سلاح نووي، وتخصيب اليورانيوم سيكون صفراً”. وأكّد زير خارجيته ماركو روبيو الموقف نفسه: “على إيران استيراد الوقود النووي من الخارج كما تفعل دول في العالم بدلاً من بناء المفاعلات النووية. ليست بحاجة إلى التخصيب والصواريخ العابرة للقارات”. وأطلق السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، تصريحاً خطيراً عن حقّ إسرائيل الإلهي في الاستيلاء على أراض عربية من لبنان إلى سورية ومصر والأردن والسعودية وقطر، إضافة إلى فلسطين طبعاً. وقد تناول الكاتب في مقال سابق في “العربي الجديد” (24/2/2026).
زار السناتور الجمهوري ليندسي غراهام الإمارات والسعودية وإسرائيل، وهو في قلب دائرة القرار، قال: “على ترامب المضي في مواجهة إيران. أيُّ تراجع سيشكّل كارثةً للأجيال، بل أسوأ من أفغانستان… المسألة ستحسم خلال أسابيع لا أشهر… حروب المنطقة تُخطَّط في إسرائيل… والمنطقة تقف على أعتاب أكبر تغيير منذ ألف عام”. طبعاً، هذا يتم بالحروب. رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وخلال لقائه رئيس وزراء الهند مودي (وقبل اللقاء وبعده) شدّد أكثر من مرّة على مواجهة “المحور الشيعي”، إيران ومن معها. والمحور “السنّي الراديكالي” يريد الحرب، يخطّط لها مع ترامب، يريد ضرب إيران بسرعة. الحلف السداسي الذي يُروَّج تبدأ جغرافيته من أذربيجان (جارة إيران) مروراً بالخليج وصولاً إلى قبرص واليونان وأفريقيا والهند، هو أبعد من “النهر إلى البحر”. والمشروع في قمة اندفاعته، والهدف الأول هو إيران ثم دول الخليج لاستكمال التطبيع مع إسرائيل، وقبل ذلك كلّه السيطرة على كامل فلسطين والبداية من غزّة، إضافة إلى ما يستهدف الضفة.
الاتحاد الأوروبي يصنّف في هذا التوقيت “الحرس الثوري الإيراني” منظمةً إرهابية، وهذا يصبّ في خانة الحرب المرتقبة. والسفارات الأجنبية دعت رعاياها إلى مغادرة طهران وعلّقت رحلاتها الجوية إلى عدد من دول المنطقة. وهذا كلّه يؤشّر على حتمية وقوع الحرب. ولا أذيع سرّاً هنا إذا قلتُ إنّ أحد المسؤولين الدبلوماسيين الدوليين البارزين العائد من أميركا قبل اندلاع الحرب أكّد: “الحرب واقعة فجر اليوم”. في الواقع تأخّرت ساعات ليس إلا. المفاوضات إذاً كانت للتضليل. زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن ولقاؤه الطويل مع ترامب، وحضور مسؤولين أمنيين وعسكريين إسرائيليين إلى جانب نظرائهم الأميركيين… ذلك كلّه كان تحضيراً للحرب التي حاول في الساعات الأخيرة وزير خارجية عُمان تداركها، لكن “ما كُتب قد كُتب”.
اندلعت الحرب وفق المخطّط المرسوم. قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في المكان الذي “ينام” فيه بعد أن حذّره ترامب. قُتل معه مسؤولون عسكريون أساسيون في الحرس الثوري والاستخبارات. قد تتوسّع دائرتها إلى الممرات البحرية والمقار العسكرية المختلفة في المنطقة، وربّما إلى المواقع الاقتصادية الأساسية المحورية. قد تطول أكثر من المتوقّع، لكن المؤكّد: نجح نتنياهو رغم كل ما أصاب إسرائيل وما يمكن أن يصيبها، وهو لا يقاس بمقياس ومعيار النجاح. حقّق ما يريده، وربح ترامب بفرض شروطه وإرادته وإدارة العالم عموماً والمنطقة خصوصاً على دقّات ساعته ووفق برامجه وخططه ودعمه المطلق لإسرائيل. سنكون أمام منطقة جديدة وعصر جديد سيفرض على دول الخليج دفع فاتورة الحرب وفاتورة مشروع ترامب في غزّة والتطبيع الكامل مع إسرائيل بشروطها.
يتعامل نتنياهو مع المتردّدين أو محاولي تحصيل مكاسب معيّنة وفق القاعدة التقليدية التي كرّسها اليوم أكثر فأكثر: “أنتم من طالبنا في كل لقاءاتنا واتصالاتنا بضرب إيران وتخليصكم من نظامها وحرسها الثوري وقادتها ومشروعها وأذرعها وخطرها عليكم. وعندما دقّت الساعة للمرّة الأولى ذهبتم للخيارات السياسية الدبلوماسية ورفض الجولة الثانية من الحرب. نحن لا نعمل عندكم، أنتم تعملون عندنا، لستم مخيَّرين، أنتم مسيَّرون. هذا هو مشروعنا للمنطقة، وليس ثمّة خيارات أمامكم. ستأتون إلى التطبيع بشروطنا ومن دون منّة أو ادّعاء شجاعة أو إقدام. هذا “سلامنا”. الأرض لنا من “النهر إلى البحر”، بل أبعد في حلفنا السداسي، ولتغيير المنطقة عقوداً طويلةً مقبلةً وفق خططنا ومسارنا”.
الخليج اليوم في قلب زنّار النار، والعالم العربي كلّه من مشرقه إلى مغربه سيكون خاضعاً لمعادلة سياسية مختلفة بالكامل عمادها إسرائيل القوية المتفوّقة للأسف، وسيبقى مشروعها الدائم تفتيت البيت السنّي: الفتنة السنّية – السنّية والفتنة السنّية – الشيعية.
سنكون أمام عصر جديد سيفرض على دول الخليج دفع فاتورة الحرب وفاتورة مشروع ترامب في غزّة والتطبيع الكامل مع إسرائيل بشروطها
ماذا عن إيران ومستقبلها؟ ثمّة عصر جديد بحاجة إلى فترة معيّنة لبلورته نهائياً. قد تعرف المرحلة الأولى الفوضى الداخلية التي قد تؤدّي إلى التفكّك؛ ستكون فوضى لكن التفكّك مُستبعَد. ستعمل أميركا وإسرائيل على التخلّص من بقايا المشروع النووي والمواد المخصّبة والتأسيس للمرحلة الانتقالية ثم النهائية لمستقبل إيران السياسي، بدءاً من إعادة هيكلة النظام وصولاً إلى الصيغة الثابتة. لن تكون الأمور سهلة. سيكون الرهان على الجيش بعد إضعاف الحرس الثوري: “لا مكان لمليشيات في دولة”، وسيكون انتقام أو تصفية حسابات مع النظام القديم ورموزه، ولكن في سياق مشروع هيمنة على المفاصل الاقتصادية والسياسية والنفطية، وعلى الطريقة الفنزويلية.
المرحلة الانتقالية، ثم النهائية في إيران وجوارها، تحتاجان وقتاً سنشهد خلاله هزّات وخضّات وتطوّرات كبيرة في الداخل والجوار، والعين في الجوار ستبقى شاخصةً على تركيا: الدولة الوحيدة القوية في المنطقة التي لا تريد إسرائيل بقاءها كذلك، صاحبة تأثير من لبنان إلى سورية والخليج والعالم الإسلامي، وهي جزء من المحور السنّي المستهدَف، وهي ركيزته الأساسية مع السعودية. وللبحث صلة حول هذا الموضوع بالتفصيل.
مقبلون على منطقة جديدة مرسومة بالدم. سيُكتب كثيرٌ عن سوء التقدير وسوء التدبير والتسرّع والتهوّر والتكبّر والتجبّر والكسل والبلادة الفكرية والاتكالية وتحليلات التمنيات وتبذير الثروات والإمكانات وضياع القضية الأمّ فلسطين في متاهات السياسات ودهاليزها التي اعتمدت من إيران إلى العالم العربي من محيطه إلى خليجه وأبعد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى