ما بعد سقوط “الأسد”.. إعادة تأسيس الهوية السورية

د. طلال المصطفى

أفرزت مرحلة “ما بعد سقوط الأسد” في 8 كانون الثاني/ديسمبر 2024، احتمالات سياسية متعددة، منها إمكانية إعادة تأسيس الهوية السورية والانتماء ذاته.
فالحرب السورية، التي تلت ثورة 2011 لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت انفجاراً متراكماً لاختلالات عميقة في بنية الهوية الوطنية السورية، كما اتضح في الوقائع السياسية والاجتماعية التي تلت سقوط “الأسد”، وبالتالي يحضر سؤال “ما الهوية السورية ما بعد الأسد؟“ ليس سؤالاً ثقافياً مجرّداً، بل هو سؤال سياسي بامتياز يتعلق بطبيعة الدولة المقبلة في سوريا، وبالعقد الاجتماعي الذي سيحكم السوريين.
في المجتمعات التقليدية ما قبل الدولة القومية، كانت الروابط الاجتماعية التقليدية مثل العائلية والدينية الطائفية والعشائرية هي الأطر الناظمة للانتماء، أمّا في الدولة الحديثة، فتغدو المواطنة وسيادة القانون الرابط الأعلى، وتتحوّل الروابط الأخرى إلى دوائر اجتماعية وثقافية لا تنازع الدولة مركزها السياسي، والإشكالية في الحالة السورية أن هذا الانتقال لم يكتمل؛ فبقيت الهوية الوطنية السورية هشّة، تتنازعها مرجعيات دينية طائفية وقومية وأيديولوجية، كذلك أخفقت الدولة في بناء عقد اجتماعي جامع.
في أواخر عهد الدولة العثمانية، كان الرابط الإسلامي هو الإطار الجامع لأغلبية سكان بلاد الشام، لم يكن الانتماء السياسي منفصلًا عن هذا الإطار، ولم يُنظر إلى الحكم العثماني بوصفه احتلالاً أجنبياً بقدر ما كان استمراراً لدولة إسلامية جامعة، على غرار الدولتين الأموية والعباسية، ومع تفكك هذه الدولة وظهور الكيان السوري الحديث في سياق اتفاقية “سايكس بيكو”، دخلت سوريا طوراً جديداً من البحث عن هوية سياسية محدّدة بحدود جغرافية.
لكن الانقلابات العسكرية المتلاحقة وصعود الأيديولوجيات الكبرى، أعاد ترتيب سلّم الانتماءات، حيث انخرط بعض السوريين في أيديولوجيات عابرة للحدود، فكان الشيوعي ينتمي وجدانياً وسياسياً إلى الاتحاد السوفييتي أكثر مما ينتمي إلى مجتمعه المحلي، وكان القومي العربي يرى في مشروع الوحدة العربية بصيغته الأيديولوجية هويةً أولى تتقدم على الهوية السورية..
برز الرابط القومي العربي من دون قطيعة مع المرجعية الإسلامية، وتجسّد في تجربة المملكة العربية السورية بقيادة الملك فيصل الأول، كما ظهرت ملامح هوية مركبة في المؤتمر السوري العام تحت شعار “سوريا للسوريين”، ورغم قصر عمر هذه التجربة، فإنها دشنت تصوراً لهوية عربية إسلامية كمرجعية ثقافية حضارية مركبة، ومنفتحة على نموذج الدولة الدستورية الحديثة، حيث جرى التطلع إلى بناء دولة وطنية حديثة ذات طابع دستوري.
ورغم أن الانتداب الفرنسي على سوريا أعاق ترسيخ هذه التجربة، فإنّ الثورة السورية الكبرى كشفت عن إمكانية قيام وعي وطني عابر للطوائف والمناطق، يجمع بين الخصوصية السورية ومبادئ الدولة الديمقراطية.
مع الاستقلال عام 1946، برزت فرصة بناء دولة وطنية ديمقراطية تعددية قابلة للاستقرار، خاصة في ظل حضور قوى ليبرالية مثل “الكتلة الوطنية” و”حزب الشعب”، لكن الانقلابات العسكرية المتلاحقة وصعود الأيديولوجيات الكبرى، أعاد ترتيب سلّم الانتماءات، حيث انخرط بعض السوريين في أيديولوجيات عابرة للحدود، فكان الشيوعي ينتمي وجدانياً وسياسياً إلى الاتحاد السوفييتي أكثر مما ينتمي إلى مجتمعه المحلي، وكان القومي العربي يرى في مشروع الوحدة العربية بصيغته الأيديولوجية هويةً أولى تتقدم على الهوية السورية، متأثراً بكاريزما جمال عبد الناصر وخطابه القومي التعبوي.
وفي مراحل لاحقة، اتجه بعض المنتمين إلى تيارات الإسلام السياسي إلى تصوّر انتماءٍ يتجاوز الدولة السورية، يستمد مرجعيته من جماعة دينية أو مذهبية عابرة للجغرافيا، بلغ هذا المسار ذروته مع انقلاب البعث 1963 وترسيخه عبر انقلاب حافظ الأسد عام 1970.
هنا تحوّلت الهوية إلى صيغة أيديولوجية قسرية، وارتبطت المواطنة بالانتساب إلى تنظيمات البعث، وصولاً إلى اختزال الوطن في شخص “الأسد”، وبالتالي لم يعد الانتماء إلى سوريا بوصفها أرضاً وتاريخاً وذاكرة مشتركة، بل إلى تصور قومي تخييلي يحتكر تعريف الوطنية السورية.
في المقابل، انتعشت الهويات الفرعية الصامتة إلى حد ما: الطائفة، العشيرة، المنطقة، خاصة حين لا تكون الدولة محايدة، ولا تضمن المساواة القانونية، يلجأ الأفراد إلى جماعاتهم الأولية طلبًا للأمان، وهكذا نشأ شرخ عميق في الهوية السورية: هوية قومية عربية هشة في العلن، وهويات فرعية ما قبل الوطنية وصلبة في الباطن.
حين اندلعت الثورة عام 2011، حاولت في أشهرها الأولى إعادة ترتيب سلّم الانتماءات، فرفعت شعارات الحرية والكرامة والمواطنة، وأكّدت أن “الشعب السوري واحد”، في تلك اللحظة برزت ملامح هوية وطنية سورية جامعة تتجاوز الانتماءات ما قبل الدولة الوطنية، غير أن الحرب المركبة التي تلت الثورة وصعود التشكيلات المسلحة ذات الطابع المذهبي، سواء من جانب النظام الأسدي أو من بعض فصائل المعارضة أعادت تفعيل الهويات الفرعية التقليدية إلى الواجهة السياسية.
في مرحلة “ما بعد سقوط الأسد”، برز خطر الفراغ الهوياتي، حيث تتصارع اتجاهات سياسية وأيديولوجية على تعريف الدولة، وهذا بحد ذاته يهدد وحدة الدولة السورية. كما برز خطر استبدال شمولية بأخرى، أي فرض تصور جديد يحتكر الوطنية باسم الأغلبية أو الثورة فيعاد إنتاج الإقصاء الأسدي بصيغة مختلفة.
لكن في الوقت نفسه أيضاً هناك فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الهوية السورية على أسس مدنية، هذه الهوية الممكنة ليست قطيعة مع بعدها العربي والإسلامي الثقافي الحضاري، ولا هي ذوبان في مشروع أيديولوجي (قومي-ديني) عابر للحدود، إنّها هوية مدنية تاريخية، تتضمن العروبة والإسلام في بعديهما الثقافي والحضاري في تاريخ سوريا، لكنها في الوقت ذاته تحتضن تنوعها القومي غير العربي والديني غير الاسلامي والجغرافي بوصفهما جزءًا أصيلًا من بنيتها الثقافية.
إن تجاوز اضطرابات بناء الهوية السورية في الوقت الحاضر  يتطلب إعادة بناء الدولة على قواعد واضحة:
المواطنة المتساوية، بحيث تكون الحقوق والواجبات قائمة على الانتماء إلى الدولة السورية، لا إلى القومية أو الدين والطائفة، وسيادة القانون بوصفه الرابط الأعلى الذي يعلو على كل الروابط الأخرى.
تعد الثقافية العربية والإسلامية الحضارية المصدر الرئيس للهوية السورية، مع الاعتراف الصريح بالتعدد الثقافي والقومي والديني: العربي، الكردي، السرياني، الآشوري، التركماني، الإسلامي، المسيحي… باعتباره ثراءً ثقافيًا لا تهديدًا سياسيًا للهوية السورية
تحييد الدولة عن الهيمنة الأيديولوجية، فلا تُختزل في مشروع قومي أو ديني، بل تكون إطارًا قانونيًا محايدًا.
إصلاح التعليم والخطاب الإعلامي العام بهدف إنتاج سردية وطنية جامعة تستند إلى التاريخ المشترك.
الهوية السورية الجامعة لا تُبنى بقرار فوقي، بل بتجربة يومية يشعر فيها السوري أن الدولة تحميه بوصفه مواطناً، لا بوصفه عضواً في جماعة أو طائفة أو عشيرة، حيث كثير من السوريين لم يكتشفوا عمق انتمائهم إلا في المنافي، هناك، أدركوا أن الوطن ليس شعارًا أيديولوجيًا، بل فضاء كرامة وذاكرة ومصير مشترك.
وحدها دولة وطنية ديمقراطية عادلة، قادرة على تحويل هذا التصور إلى واقع وإنهاء عقود من اضطراب الانتماء الهوياتي، وفتح أفق جديد لوطن سوري يكون إطاراً أعلى يحتضن الجميع لا ساحة صراع بين هويات متنازعة
الهوية السورية الممكنة بعد “الأسد” ليست قومية صافية، ولا دينية مغلقة، ولا أيديولوجية شمولية، إنّها هوية مدنية تاريخية، تعترف بأن السوريين تشاركوا قروناً من العيش المشترك، وأن انتماءهم إلى سوريا يسبق كل انتماء سياسي أو أيديولوجي.
الهوية السورية “ما بعد الأسد” ليست مشروعاً ثقافياً تجميلياً، بل هي شرط بقاء الدولة ذاتها، إنّها انتقال من منطق الغلبة إلى منطق العقد الاجتماعي، ومن هوية قسرية في الحقبة الأسدية أو مضطربة فيما بعد “الأسد” إلى هوية مدنية جامعة، وحدها دولة وطنية ديمقراطية عادلة، قادرة على تحويل هذا التصور إلى واقع وإنهاء عقود من اضطراب  الانتماء الهوياتي، وفتح أفق جديد لوطن سوري يكون إطاراً أعلى يحتضن الجميع لا ساحة صراع بين هويات متنازعة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى