
يعتقد غابرييل آلموند رائد التحليل الوظيفي أنه لكل جهاز سياسي قدرات تتخذ كمؤشرات على أدائه السياسي، ووضح القدرات التي تجعل الجهاز السياسي على درجة عالية من الكفاءة في الاستجابة للمشكلات اليومية التي يتعرض لها.
ومن بين هذه القدرات تحدث “آلموند” عن “القدرة الرمزية”، فلكل مجتمع رموز معينة تتمثل في التزام القائمين على الجهاز السياسي بقيم المجتمع، ومن ثم فهي تعني قدرة الجهاز السياسي على خلق وإبقاء رصيد من التدعيم والتأييد من جانب المواطنين.
ما هي القدرة الرمزية؟
“القدرة الرمزية” تعني جعل الناس يؤمنون بأن السلطة تستحق الطاعة، وتعني تشكيل الهوية السياسية عبر رموز مثل العلم، والنشيد، والخطاب الوطني، والزعيم، والرواية التاريخية الرسمية، كذلك توجيه الإدراك الجمعي من خلال تحديد ما هو وطني، وما هو خيانة، وما هو استقرار، ما هو فوضى، وفي نفس السياق يأتي بناء السرديات المبررة للسلطة، كأن يقدم النظام بوصفه ضامن الاستقرار أو حامي الأمة مثلا.
إذا، فالقدرة الرمزية هي قدرة النظام السياسي على إنتاج المعاني والرموز والقيم التي تمنحه الشرعية وتؤثر في وعي الأفراد وسلوكهم، فالنظام السياسي ليس مجرد حكومة، بل شبكة من البنى (مؤسسات، وأحزاب، وبيروقراطية، وإعلام…) تؤدي وظائف محددة، مثل: التنشئة السياسية، والتعبئة، وصنع القرار، وتنفيذ السياسات، والضبط الاجتماعي. ومن بين هذه الوظائف، هناك بعد غير مادي يتعلق بالرموز والمعاني.
يتم إنتاج الرمزية من خلال التعليم والإعلام والخطاب الرسمي والتنشئة السياسية، وتنتج أيضاً من خلال سلوك القادة ومظهرهم ولغتهم، وتهدف إلى تعزيز الاستقرار والقبول، فقدرة الجهاز السياسي على تشكيل وعي المجتمع، وصناعة المعنى، وإنتاج الشرعية، تجعل الطاعة نتيجة لاقتناع ثقافي لا مجرد خوف من العقاب، لذلك كان “آلموند” يرى أنه حين تتراجع القدرة الرمزية، تتضخم الحاجة إلى الإكراه. فالقدرة الرمزية هي ما يحول السلطة من قوة مسيطرة إلى قوة شرعية.
“إنتاج الرموز”
تندرج خطابات القادة السياسيين في إطار الأداء الرمزي، فهي لا تخلو من الإشادة بالتاريخ والشجاعة والجرأة والنخوة التي يجسدها ماضي الأمة، وغالباً ما تتضمن إشادة بالقيم والأيديولوجيات مثل المساواة والحرية والديمقراطية والمجتمع أو التقاليد الدينية، أو الوعد بإنجازات أو مكافآت مستقبلية، وتهدف هذه الشعارات إلى جعل الناس يطيعون القوانين بإخلاص أعظم، أو تقبل الأخطار والمصاعب.
وتكتسب مناشدات القادة مزيداً من الأهمية في أثناء الأزمات، وأحد أشهر الأمثلة تلك الخطب المثيرة التي ألقاها “ونستون تشرشل” على الشعب البريطاني خلال الفترة الحرجة يوم وقفت بريطانيا وحيدة في الحرب العالمية الثانية بعد سقوط فرنسا، لكن الإنجاز الرمزي مهم أيضاً في ظروف أقل صعوبة، فقد يسعى القادة السياسيون إلى التأثير على سلوك المواطنين في أزمة طاقة، أو عند حدوث جفاف أو مجاعة، أو كارثة، وفي هذه الحالة يستخدم ما يسمى شد الأحزمة.
في بعض الأحيان، تنفّذ بعض الحكومات إجراءات يمكن تسميتها بالتقشف الرمزي مثل: خفض رواتب كبار المسؤولين، أو بيع أصول رسمية، أو تقليص امتيازات السلطة، وغالباً ما يُستخدم هذا الإجراء لتعزيز الثقة الشعبية وإظهار المشاركة في الألم، ومن الأمثلة على ذلك ما فعله رئيس الأوروغواي خوسيه موخيكا، عندما تبرّع بحوالي 90% من راتبه الرئاسي، ورفض الإقامة في القصر الرئاسي، واستخدم سيارته القديمة بدل الموكب الرسمي.
التقشف الرمزي
تلجأ بعض الحكومات أو بعض القادة إلى التقشف الرمزي الأخلاقي لتعزيز الشرعية الأخلاقية للسلطة السياسية وليس من أجل ضرورة مالية قاهرة، وهو يختلف عن التقشف الهيكلي الذي يرتبط عادةً بأزمات ديون أو عجز حاد، ففي المثال السابق؛ لم تكن الأوروغواي تعاني من انهيار مالي حاد، بل جاءت التجربة في سياق سعيٍ لتعزيز الثقة بعد أزمات اقتصادية سابقة مرّت بها أميركا اللاتينية، وتكريس نموذج سياسي مضاد لثقافة الامتيازات.
على المستوى السوري، يبدو أنّ رأس النظام البائد لم يكن تخفى عليه الأفكار التقشفية، فقد روى كامل صقر المدير السابق للمكتب الإعلامي والسياسي في القصر الجمهوري أنه تفاجأ مع باقي موظفي القصر بأسطول السيارات الذي كان يقتنيه الرئيس وعائلته، بمعنى أنه كان يخفيه عنهم، مضيفاً أن بشار الأسد كان يعقد اجتماعاته مع موظفي القصر في أجواء شديدة البرودة من دون تشغيل أجهزة التكييف، وكان يردّد دائماً: علينا أن نصبر ونتحمل.
أمّا في عهد الاستقرار، فحتى عام 2011، كان النظام يمتلك قدرة رمزية تقوم على ثلاث ركائز: سردية الاستقرار بعد الانقلابات، سردية الدولة المقاومة، سردية الوحدة الوطنية فوق الانقسامات، ومن أدواته المعروفة في إبراز قدرته الرمزي: التعليم الرسمي، والإعلام المركزي، والطقوس السياسية كالمسيرات والمناسبات وصور القيادة، مركزية الدولة في التوظيف والاقتصاد، وبحسب “آلموند”، يؤدي ذلك إلى إنتاج حد أدنى من القبول الاجتماعي وضبط المجال السياسي.
“الرمز سلاح ذو حدين”
في بعض الأحيان تكون الحكومة جديدة وقد وصلت إلى الحكم عقب ثورة أو أزمة حادة أطاحت بالنظام السابق، في مثل هذه الحالة قد يكون المشهد مربكاً، إذ تحار القيادة السياسية بين مظاهر تتعلّق بالهيبة، وسلوكيات ترتبط بالتقشف، ففي مثل هذه الحالات غالبا ما تكون البلاد تمر بظروف اقتصادية مضطربة، وهذا ما يشير إلى أن إنتاج الرموز ليس عملاً تجميلياً، بل هو تدخل مباشر في بنية الوعي الجمعي، وهو بحاجة إلى ذكاء سياسي وحس سياقي عال، لأنّ الخطأ الرمزي قد ينقلب إلى سخرية أو غضب.
يمتاز القادة المحنكون ببراعتهم في اختيار الشعارات وإنتاج الرموز بما يتناسب مع المرحلة والمزاج العام، فالقضية ليست بسيطة، خاصة عندما يكون المجتمع منقسماً أو منهكاً اقتصادياً، ففي هذه الحالة يصبح الرمز لغماً سياسياً، ويحتاج إلى قراءة دقيقة لمزاج الجمهور، واتساقاً بين الرمز والممارسة، وتقديراً لحجم الفجوة بين الخطاب والواقع، ووعياً بأنّ الرمز في زمن الإعلام الرقمي يُعاد تفسيره فوراً.
إذا، فالرمز سلاح ذو حدين، فهو يعمل على مستوى العاطفة، فعندما يستقبل وصفه صادقا يعزز الشرعية، أما إذا رآه الجمهور مصطنعا، فهو يكشف هشاشة السلطة، فعلى سبيل المثال قد يُقرأ تقشف رمزي لرئيس دولة كتواضع، وقد يُقرأ كاستعراض مسرحي، إن الفرق في مثل هذه الحالة لا يتعلق بالفعل نفسه، بل بثقة الجمهور.
أخيرا، يمكن للمبالغة في صناعة الصور؛ كتكرار الصور وتكرار الشعارات والمبالغة بالاحتفالات أن تفقد الرمز قوته وتحوّله إلى مادة تهكم.
المصدر: تلفزيون سوريا






