
يحبس الإيرانيون أنفاسهم أمام أكبر حشد عسكري منذ غزو العراق، يجعلهم على شفا حرب لطالما حاول النظام تفاديها عبر سياسة ضبط النفس. ومع استعداد واشنطن لهجوم وشيك، يعبّر إيرانيون كثيرون عن حسرة عميقة لعدم امتلاك بلادهم السلاح النووي. فقد ظلّ النظام الإيراني عقوداً يؤكّد أنه اتخذ “خياراً استراتيجياً” بعدم السعي إلى حيازة هذا السلاح، مبرّراً ذلك باعتبارات عديدة، بما في ذلك فتوى المرشد الأعلى، علي خامنئي، التي تحرّم استخدام الأسلحة النووية. لكن هذه العقيدة النووية، وما شابها من غموض وتردّد، تبدو اليوم أقرب ما تكون إلى خطأ استراتيجي جسيم منه إلى حكمة سياسية.
على مدى نصف قرن، أكّد النظام الإيراني (قبل الثورة الإسلامية وبعدها) أن السياسة النووية الإيرانية تقوم على تجنّب صنع السلاح النووي، احتراماً لالتزام البلاد تجاه “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”. كان القادة الإيرانيون يظنّون أن السعي إلى امتلاك القنبلة أو الجهر بذلك قد يجرّ عليهم غضب واشنطن، ويعرّض البلاد لضرباتٍ استباقية قد تهدّد بقاء النظام نفسه. لذلك انتهجت طهران سياسة تقوم على الغموض، إذ تتأرجح بين تطوير القدرات النووية تدريجياً وزيادة التخصيب، مع الاستمرار في التأكيد على الطبيعة السلمية للبرنامج.
اليوم، ومنذ حرب الـ12 يوماً تحديداً، يبدو أن هذه المقاربة لم تعد تحظى بالإجماع داخل دوائر القرار. فبعد نجاته بأعجوبة من محاولة اغتيال إسرائيلية العام الماضي (2025)، وصف علي شمخاني، أحد أبرز مستشاري المرشد الإيراني، الامتناع عن السعي إلى امتلاك السلاح النووي بأنه “ندم استراتيجي”، وأكّد أنّه كان على طهران أن تُسلِّح برنامجها النووي قبل عقدَين. اعترف شمخاني بأنه لو عاد به الزمن إلى فترة توليه منصب وزير الدفاع بين عامي 1997 و2005، لسعى حتماً إلى امتلاك القنبلة النووية. ويعكس هذا التصريح تحوّلاً عميقاً داخل النُّخبة السياسية الإيرانية، يؤكّد أنه بسبب غياب الردع النووي ظلّت الجمهورية الإسلامية عرضةً للعقوبات وعمليات الاغتيال والتخريب، وصولاً إلى خطر حرب تطلّ برأسها عليها.
اتضح للإيرانيين أن سياسة ضبط النفس لم تنجح في تخفيف العداء الذي يكنّه الغرب للنظام بتحريض من إسرائيل، منذ أطاحت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 نظام حليفهم الشاه محمّد رضا بهلوي. كانت (وما زالت) إسرائيل محرّك هذا العداء، تتبنّى “عقيدة بيغن” التي تمنع منعاً كلياً أيَّ دولة عربية أو إسلامية من امتلاك قدرات نووية عسكرية، تعتبرها خطراً وجودياً. ولضمان انفرادها بالتفوّق النووي في المنطقة، دمّرت مفاعل تموز في العراق عام 1981، ودمّرت مفاعلاً في منطقة الكبر في سورية عام 2007.
سياسة ضبط النفس والتخلّي عن النووي جعلت إيران أكثر عرضةً للضغط والاختراق
الدرس الذي لقنته إسرائيل لإيران أن سياسة ضبط النفس والتخلّي عن التسلّح النووي لم تؤمّن البلاد، بل جعلتها أكثر عرضةً للضغط والاختراق. ولا يقتصر هذا الدرس على إيران، فقد سبقتها أوكرانيا التي تقدّم مثالاً صارخاً على هشاشة الضمانات الدولية. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ورثت أوكرانيا ترسانةً نوويةً عملاقة، لكنّها حذت حذو بيلاروسيا وكازاخستان وتخلّت عنها عام 1994، مقابل حصولها على ضمانات أمنية من أميركا وروسيا وبريطانيا ودول أخرى. بعد الاجتياحات الروسية في عام 2014، ثم في عام 2022، تبيّن أن تلك الضمانات لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به، وندم الأوكرانيون، حيث لا ينفع الندم، على تخلّيهم عن الوسيلة الوحيدة لردع العدوان الروسي.
وتبدو إيران اليوم على أعتاب الندم النووي، فمنطق الردع واضح في جوهره: السلاح النووي هو الضمانة القصوى ضدّ الغزو الخارجي وما يحمله من أجندات تغيير الأنظمة، لأنّه يفرض على الخصوم قدراً من الحذر لا تستطيع الدبلوماسية أو الأسلحة التقليدية وحدها فرضه. لقد أدركت كوريا الشمالية الدرس الأوكراني مبكّراً، فانسحبت من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في عام 2003، ومضت تطوّر برنامجها رغم عزلتها الدولية وضعف اقتصادها وقوة سلاح العقوبات الغربية. ومنذ أن أجرت أول تجربة نووية عام 2006، لم تتعرّض لأيّ اعتداء مسلّح أو محاولة لإسقاط النظام. لقد نقل السلاح النووي كوريا الشمالية من خانة الدول الهشّة إلى موقع الدولة التي يصعب استهدافها، خاصّةً بعد تحالفها مع روسيا الذي يساعدها في إعادة تشكيل اقتصادها وعلاقاتها الدولية ودورها الإقليمي.
يختلف خيار باكستان النووي قليلاً عن منطق كوريا الشمالية؛ فباكستان تنظر إلى ترسانتها النووية باعتبارها صمّام أمان في مواجهة التفوّق العسكري التقليدي لخصمها الأبدي الهند التي حصلت على الأسلحة النووية في السبعينيّات من القرن الماضي. بعد حيازة باكستان الأسلحة النووية في التسعينيّات، لم تعرف الحروب الشاملة التي شهدتها من قبل، إذ ظلّت المواجهات المسلّحة بين البلدين محدودةً لحرص الطرفَين على توازن الرعب، أي عدم المجازفة بحرب نووية مدمّرة.
المفارقة الكبرى والأكثر خطورة تكمن في النظام النووي العالمي الذي كرّسته معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية
كان إيمان الهند وباكستان بأهمية السلاح النووي وراء عدم انضمامهما إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تشهد عضوية شبه عالمية (تضمّ 191 دولة). ولقد أدركت إسرائيل قبلهما أن الالتزام بهذه المعاهدة وغيرها سيعرّضها للقيود القانونية والرقابة الدولية التي مارسها الغرب على إيران من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد طوّرت إسرائيل ترسانةً نوويةً منذ عقود بمساعدة فرنسا وأميركا، وأحاطتها بسياسة غموض لخّصتها مقولة رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير: “أولاً، نحن لا نملك أسلحة نووية، وثانياً، سنستخدمها إذا دعت الضرورة”.
في زمن يعجّ فيه النظام الدولي بالاختلالات والمفارقات، أصبحت المفارقة الكبرى والأكثر خطورة تكمن في النظام النووي العالمي الذي كرّسته معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؛ فالمعاهدة تضمن احتفاظ الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بترساناتها النووية إلى أجل غير مسمّى، في حين تُلزم بقية الدول ألا تسعى إلى امتلاكها أو التخلّي عنها بعد امتلاكها. على الورق، تعهدّت القوى النووية الخمس بنزع تدريجي لأسلحتها النووية، وعلى أرض الواقع لم تتوقّف عن تحديث ترساناتها وتطويرها باستمرار. في ظلّ نظام يجيز التلاعب والتحدّي ويعاقب الامتثالَ للقانون والمعاهدات الدولية، يُمكن تفهم إصرار الدول المهدّدة أمنياً على امتلاك السلاح النووي رغم القيود كلّها، خاصّةً وقد تبين أن وعود الأمن الجماعي ما هي إلا مجرّد أوهام.
اعتقد القادة الإيرانيون أنهم قادرون على المناورة داخل هذا النظام المختلّ عبر البقاء عند عتبة التسلّح من دون تجاوزها، لكن السياسة لا تحتمل الفراغ والتردّد والتأخّر، وقد يكتشفون قريباً أن الخطأ الاستراتيجي الحقيقي لم يكمن في السعي إلى القنبلة، بل في التأخّر في صنعها.
المصدر: العربي الجديد






