عندما يخطئ الرئيس التونسي في قراءة آياتٍ قرآنية

سالم لبيض

بالتوازي مع إعلان بدء شهر رمضان، اعتاد الرئيس التونسي قيس سعيّد التوجّه إلى جامع الزيتونة، وإلقاء كلمة إلى التونسيات والتونسيين، والمتابعين للشأن الديني العام، تُنشر حصرياً في صفحة الرئاسة التونسية بمنصّة فيسبوك. ما شدّ الانتباه هذه السنة، وتم تداوله بكثافة في المنصّات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، قراءة الرئيس الخاطئة في أثناء كلمته في 19 من فبراير/ شباط الجاري آيتين قرآنيتين، الآية 184 من سورة البقرة “أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”، قائلاً “فهو خير لكم” بدلاً من “فهو خير له”. والآية الثامنة من سورة المائدة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”، إذ استُبدلت “بما تعملون” بـ”بما تعلمون”.
وهذه ليست المرّة الأولى التي يخطئ فيها الرئيس سعيّد في قراءة آيات قرآنية، فقد سبق له أن وقع في أخطاء مشابهة عند قراءته الآية 46 من سورة يوسف “يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ”، في كلمة ألقاها في الاجتماع التقييمي لتحوّل النظم الغذائية في مقرّ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالعاصمة الإيطالية روما (24 يوليو/ تموز 2023)، وقد تمثّلت الأخطاء في قوله “تسع بقرات” بدلاً من “سبع”، و”يأكلنهن” بينما الصواب “يأكلهن”، “وسبعُ” بدلاً من “وسبعِ” و”لعلْيَ” بدل “لعلِّي”.
وفي الحالتَين، لم يكن الرئيس التونسي يرتجل خطابَيه ما يبرّر له الوقوع في أخطاء متعلّقة بالنطق وعدم احترام القواعد اللغوية، وحتى زلّات اللسان، وإنّما كان يقرأ نصّاً مكتوباً، خطّه بيمينه، من دون أن يُخضعه للتثبت (والتدقيق)، وهو ما دأب عليه في جميع خطاباته في أثناء إشرافه على مجالس الوزراء وعند زيارات ميدانية له مفاجئة أو علنية.
والمعلوم أن سعيّد يكتب خطاباته وتدخّلاته وكلماته التي يلقيها في المناسبات الرسمية وغير الرسمية وفي الأعياد الدينية والمشاركات الدولية بخطّ يده، فهو مغرم بالخطّ العربي وفنونه. وتأخذ تلك المداخلات شكل جذاذات ووريقات يبرز من خلالها أسلوب الرئيس في الكتابة، ونمط تفكيره الذي يغلب عليه المنحى التقليدي المحافظ، ولا تُطبع بآلات الطباعة العصرية وإرسالها إلى وكالات الأنباء ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية والرقمية. ولا بدّ لمَن يرغب في تحليلها وفهم فحواها من تفريغ محتوياتها انطلاقاً من الفيديوهات المنشورة في صفحة الرئاسة بـ”فيسبوك” وتحويلها إلى مادّة مكتوبة. ومن مميّزات تلك الجذاذات والوريقات غياب الاستئناس بآراء المستشارين، ولا يستشفّ منها العودة إلى المادّة الضخمة والكثيفة المنشورة في شبكة الإنترنت للاستفادة ممّا توفّره من معطيات ومعلومات حينية ودقيقة، ولو أن الرئيس سعيّد تثبت من الآيات التي قرأها في صفحات المصحف الورقي أو الافتراضي لما وقع في الزلل.
لو أن الرئيس سعيّد تثبت من الآيات التي قرأها في صفحات المصحف الورقي أو الافتراضي لما وقع في الزلل
خطأ الرئيس التونسي في تلاوة آيتين من القرآن الكريم، هذه المرّة، كان في حضرة أئمّة جامع الزيتونة ومراجعه وشيوخه الذين يحفظون القرآن الكريم ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ولا يغيب من منابرهم في صلوات الجمعة والأعياد، ويلقّنونه للقاصدين الجامع الأعظم لتعلّم القرآن وحفظه في حلقاتٍ لم تنفصم عراها منذ مئات السنين، فإذا بهم يسكتون عن أخطاء جسيمة مسّت آياتٍ بيّنات، وكان من واجبهم الإشارة إليها ودعوة الرئيس إلى تصحيحها في حينه.
طاول السكوت أيضاً أئمة المساجد وخطباء الجمعة ووزارة الشؤون الدينية، الجهة المسؤولة عن الشأن الديني في تونس، فلم تدع مؤسّسة الرئاسة إلى حذف الفيديو الذي تضمّن قراءة الرئيس الخاطئة لآيتَين قرآنيَّتَين من صفحة الرئاسة في “فيسبوك”، وفي مختلف المنصّات الرقمية الأخرى، وصمت مفتي الجمهورية على أخطاء الرئيس، بينما كان يدعو الصحافيين إلى عدم الحديث والتشويش إبّان متابعة رصد هلال رمضان، لأنّ الرئيس سعيّد كان يتابع حديث المفتي في التلفزة الوطنية وفق ما جاء في فيديو مسرّب انتشر على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي.
المؤسسة التشريعية (بغرفتيها البرلمان والمجلس الوطني) للجهات والأقاليم توارى نوابها عن الأنظار، واختاروا عدم الخوض في أخطاء الرئيس، وعدم تركها منشورة للعموم، كما طالب بذلك نشطاء الفضاء الرقمي بعد تداولهم الواسع فيديو يقارن بين الآيتَين كما تلاهما الرئيس والصيغة الصحيحة كما وردت في القرآن الكريم، في وقتٍ كان النواب يدلون بمواقفهم تجاه أخطاء ذات طابع سياسي وغير سياسي أقلّ أهميةً واهتماماً من الرأي العام.
في سياق مقارن، وغير متشابه، دعا الرئيس الأسبق، الحبيب بورقيبة، في خطاب له أمام كبار المسؤولين في الدولة التونسية (5 فبراير/ شباط 1960)، بحضور مفتي الجمهورية، الشيخ كمال الدين جعيط، وعميد جامعة الزيتونة الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور (صاحب تفسير “التحرير والتنوير”)، إلى الإفطار في شهر رمضان للمساعدة في “القضاء على الفقر والتخلّف” على حدّ قوله، وطلب من المفتي إصدار فتوى تؤيّد هذا التوجّه. إلا أن المفتي أصدر فتوى تناقض الخيار البورقيبي وتؤكّد إلزامية الصيام، ما أدّى إلى عزله من منصبه ليبقى المنصب شاغراً سنتين قبل أن يتولّاه الشيخ محمّد الفاضل بن عاشور، وقد جاء في نصّ الفتوى “الله تعالى اهتم بأمر الصوم فجعله من دعائم الإسلام ونصّ على فرضه القرآن والسنّة وانعقد الإجماع على وجوبه، واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الإسلام ويستحقّ المعتقد وجوبه المتخلّف عن أدائه لغير عذر شرعيّ عقاب الله في الدار الآخرة ذلك هو الخسران المبين”.
يعجز من يقود المؤسّسة الدينية التونسية عن تقديم النصائح للرئيس لإصلاح أخطاء تمسّ مصداقيته
ورفض الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور دعوة الرئيس بورقيبة إلى الإفطار في شهر رمضان، ويُنسب إليه قولته الشهيرة “صدق الله وكذب بورقيبة”، ما أدّى إلى إعفائه من منصبه العلمي في رأس الجامعة الزيتونية ومشيخة جامع الزيتونة الأعظم وإحالته على التقاعد.
وهذان المثالان، وأمثلة أخرى، تعطي الدليل على أن من تولّى المؤسّسة الدينية في حِقب سابقة في تونس كانت له الجرأة على أن يصدع برأيه وموقفه حتى حين يتناقض ذلك الموقف مع اختيارات الرجل الأول في الدولة، بينما يعجز من يقود المؤسّسة الدينية التونسية اليوم، بفرعيها: وزارة الشؤون الدينية ومؤسّسة الإفتاء، حتى عن تقديم النصائح لرئيس الدولة لإصلاح ما يرتكبه من أخطاء تمسّ مصداقيته ونقاء صورته.
يحرص الرئيس سعيّد على تقديم نفسه في صورة التقي الورع والواعظ العارف بأمور الدين، لكنّ أخطاءه في قراءة بعض الآيات القرآنية يضرب تلك الصورة، ناهيك أن يكون مرتكبها مدرّساً جامعياً وفقيهاً قانونياً استُشير سابقاً في مسائل تشريعية لا تخلو من خلفية دينية، هذا علاوة على مسؤوليته الدينية والأخلاقية والسياسية بوصفه الرجل الأوّل في الدولة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى