
أثارت تصريحاتٌ أدلى بها السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، موجةً واسعةً من الغضب والاستنكار على المستويين، الرسمي والشعبي، في العالمَين العربي والإسلامي، ولم يكن مصدر الجدل مجرّد رأي شخصي أو زلّة لسان دبلوماسي، بل كان خطاباً متكاملاً يكشف رؤيةً أيديولوجيةً متجذّرةً تقوم على إنكار حقوق شعب كامل وتبرير مشاريع توسّعية (باسم الدين والتاريخ) لاحتلال دول وقهر شعوبها لإقامة دولة إسرائيل الموعودة، حسب زعمهم، في الكتاب المقدَّس. غير أن أهمية هذه التصريحات ليست في مضمونها فقط، بل في السياق الذي قيلت فيه أيضاً، وما تكشفه من تحوّلات عميقة في الإعلام والسياسة والعلاقات الدولية.
جاء مضمون تصريحات السفير الأميركي صريحاً إلى حدّ غير مسبوق، إذ تحدّث عن حقوق تاريخية ودينية، بل وربّانية، لإسرائيل في أراض واسعة من الشرق الأوسط، مستنداً إلى نصوص توراتية، واعتبر أن السيطرة على تلك الأراضي ليست مشكلةً من حيث المبدأ. كما وصف الضفة الغربية بأنها جزءٌ من إسرائيل، مستخدماً تسميات توراتية مثل “يهودا والسامرة”، وذهب إلى القول إنّ الأرض وُهبت إلى بني إسرائيل بوعد إلهي. وحين طُرح عليه سؤال عن حدود هذه الأرض وكيفية تحديد ذرّية إبراهيم التي يفترض أن يشملها هذا الوعد، بدا مرتبكاً، فتحدّث مرّة عن إمكان التعرّف إليهم عبر الجينات، ثم عاد ليقول إن اليهود معروفون بانتمائهم العائلي، في تناقضٍ واضح يعكس هشاشة الأساس الذي تقوم عليه هذه المزاعم.
المقابلة الطويلة مع هاكابي أسقطت أقنعة 70 عاماً من الكلام الكاذب عن السلام والتعايش والحلول السياسية
أوّل ما يلفت الانتباه أن هذه العاصفة السياسية والإعلامية التي أثارتها هذه التصريحات انطلقت من مقابلة في برنامج حواري عبر الإنترنت مع المعلق الأميركي، تاكر كارلسون، ما يعكس التحوّل الجذري الذي يشهده الإعلام المعاصر. فوسائل الإعلام التقليدية، بما تمتلكه من مؤسّسات عريقة وإمكانات ضخمة، لم تعد وحدها صانعةَ الحدث أو محدّدة أجندته، إذ بات فريق صغير من بضعة أشخاص قادراً، عبر منصّة رقمية، على إثارة جدل عالمي يفوق أحياناً ما تحقّقه كبريات الصحف والقنوات التلفزيونية. ويعكس هذا التحوّل انتقال مركز التأثير من المؤسّسات الإعلامية الكبرى إلى فضاءات إعلامية أكثر حرّيةً وأقلّ انضباطاً، لكنّها، في الوقت نفسه، أكثر قدرةً على كشف ما كان يُخفى خلف اللغة الدبلوماسية المنمّقة والخطابات الدعائية في الإعلام الموجّه.
والملاحظة الثانية أن الحوار جرى بين شخصَين ينتميان إلى المرجعية الفكرية والدينية نفسها، فكلاهما ينتميان إلى التيار المسيحي الإنجيلي المحافظ، وقد منح هذا التقارب الفكري السفير الأميركي شعوراً واضحاً بالارتياح، مكّنه من التعبير عن قناعاته العميقة بصراحة غير معهودة في الخطاب الدبلوماسي. ولهذا بدا ما قاله أقرب إلى اعتراف صريح منه إلى موقف سياسي محسوب. أمّا محاولة السفارة الأميركية في القدس المحتلة التقليل من أهمية التصريحات بزعم أنها “أُخرجت من سياقها”، فلا تعدو أن تكون محاولةً لتبديد الغضب من دون معالجة جوهر المشكلة. فالسفير ليس شخصيةً مستقلّة، بل ممثّل رسمي لدولة كُبرى، وكان من المنتظر، على الأقلّ، أن يصدر توضيح رسمي من وزارة الخارجية الأميركية نفسها، ما دامت تصريحاته قد مسّت مشاعر شعوب وحكومات ذات سيادة. والاكتفاء بتفسير مقتضب يوحي باستخفاف واضح بردّات الفعل، بل وبنوع من اللامبالاة تجاه خطورة تلك التصريحات، كما لو كانت فعلاً بالون اختبار لما يُخطّط له مستقبلاً.
وتكشف المقارنة بين ردّات الفعل الغربية على هذه التصريحات وردّاتها على مواقف أخرى ازدواجيةً صارخةً في المعايير، فعندما كانت تُرفع في مظاهرات مؤيّدة لفلسطين شعاراتٌ تشير إلى أن أرض فلسطين التاريخية تمتدّ من النهر إلى البحر، سارعت العواصم الغربية إلى إصدار بيانات الإدانة واتهامات الإرهاب ومعاداة السامية، وتحوّلت وسائل الإعلام إلى منصّات تعبئة ضدّ أصحاب تلك الشعارات. أما عندما يصدر خطابٌ يدعو صراحةً إلى شرعنة السيطرة على أراض واسعة لدول ذات سيادة، بل إلى محو حدودها واحتلال شعوب لحساب مشروع توسّعي، من سفير دولة كبرى، وهو رجل دين قبل أن يكون دبلوماسياً، فإن ردّات الفعل الغربية تبدو باهتةً أو شبه غائبة. ولو تحدث إمام مسجد أو خطيبٌ في عاصمة عربية بالمنطق نفسه، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتحوّلت تصريحاته إلى قضية إعلامية ذات أبعاد كُبرى.
كشفت هذه المقابلة الطويلة، التي امتدّت قرابة ساعتَين، عن حقيقة ما تراكم خلال عقود من الخطاب الدبلوماسي المراوغ، ففي لحظاتٍ قليلة سقطت أقنعة 70 عاماً من الكلام الكاذب عن السلام والتعايش والحلول السياسية، وظهرت بوضوح النزعة الاستيطانية الكامنة خلف خطاباتٍ رسميةٍ كثيرة. بالنسبة لكثيرين، كانت تصريحات السفير بمثابة شاشة رادار كبيرة أظهرت بجلاء طبيعة المشروع الصهيوني وطموحاته التوسّعية، بعيداً من الشعارات التي طالما صُوِّرت باعتبارها مساعيَ لتحقيق السلام والاستقرار والعيش المشترك، وهلمّ جرّاً من العبارات المصقولة والفارغة من كلّ معنى.
كما بدا لافتاً في المقابلة الغياب شبه الكامل لأيّ حديثٍ جدّيٍ عن الشعب الفلسطيني وحقوقه، وكأنّ تجاهل هذه القضية كان أمراً مفروغاً منه بين طرفي الحوار. لم يُطرح حقّ الفلسطينيين في تقرير المصير، ولا معاناتهم اليومية، ولا حقّهم في إقامة دولتهم، بل جرى التعامل مع الأرض باعتبارها موضوعاً لنصوص دينية وتأويلات تاريخية، متجاهلاً وجود شعبٍ حيّ يعيش فيها منذ قرون.
ما عبّر عنه مايك هاكابي انعكاسٌ لاتجاه فكري وسياسي راسخ لدى التيار الصهيوني وحلفائه في الغرب
ولافتٌ أيضاً أن الخطاب الذي ظهر في المقابلة تجاوز الحديث التقليدي عن “الجذور اليهودية – المسيحية” للحضارة الغربية، ليقترب من مفهوم أكثر وضوحاً هو “المسيحية الصهيونية”، أي التحالف بين عقيدة دينية وتصوّر سياسي توسّعي. وهذا التحالف لا يقتصر أثره على الشرق الأوسط وحده، بل يمتدّ ليؤثّر في اتجاهات السياسة الدولية والإعلام والاقتصاد، ما يجعله عاملاً أساسياً في تشكيل التوازنات العالمية الراهنة.
والواقع أنّ ما عبّر عنه السفير الأميركي لا يمكن اعتباره مجرّد رأي شخصي، بل هو انعكاس لاتجاه فكري وسياسي راسخ لدى قطاعات واسعة من التيار الصهيوني وحلفائه في الغرب، ولا سيّما في الولايات المتحدة. ولا يكتفي هذا الاتجاه بالتنظير، بل يجد ترجمته العملية على الأرض من خلال سياسات التوسّع والاستيطان. كما أنها ليست المرّة الأولى التي تصدر من الشخص نفسه مواقف مثيرة للجدل، فقد سبق له أن صرّح أن لا مكان لدولة فلسطينية، وأن قيامها غير ممكن إلا بترحيل ملايين الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى دول أخرى، وهي مواقف تكشف انسجاماً واضحاً في رؤيته السياسية.
وإذا كان من سمة مشتركة بين عدد من المسؤولين الأميركيين في إدارة ترامب، فهي الصراحة التي تقترب أحياناً من الوقاحة، إذ يتحدّثون بلا مواربة وبلا مراعاة للتقاليد الدبلوماسية. وتكشف هذه الصراحة، على قسوتها، حقيقة ما يدور في أذهانهم، وتتيح فهماً أوضح للسياسات التي يخطّطون لها. ولذلك فإنّ أخطر ما يمكن فعله هو التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرّد مبالغات أو زلّات لسان، لأنها في الواقع تعكس تفكيراً استراتيجياً ينبغي إدراك أبعاده وخطورة مراميه قبل فوات الأوان.
المصدر: العربي الجديد






