ما بعد الأيديولوجيا… سؤال الدولة

حسام أبو حامد

توالت في عامين ونيّف لحظات عسكرية لا تزال امتداداتها (وارتداداتها) قائمة: “طوفان الأقصى” و”حرب الإسناد” و”حرب الاثني عشر يوماً” و”ردع العدوان”. لحظات كانت (ولا تزال) كاشفةً في المستويَين، الفكري والسياسي، أظهرت مقدار التآكل الذي أصاب سرديات “المقاومة” المسيطرة على المخيال السياسي في المشرق عقوداً، وحدود تلك السرديات حين واجهت حرباً مفتوحة وما رافقها من تحوّلٍ حادّ في قواعد الردع. بتبدّل موازين القوة تبدّلت شرعية المعاني التي تفسّر الوقائع وترسم المستقبل، وتبخّرت اللغة الخَلاصية أمام الكلفة العالية ميدانياً، فاهتزّت شرعية النماذج التي احتكرت المعنى السياسي للمنطقة عقوداً. وبعد عجز (تخلّي) طهران عن حماية ذراعها في لبنان (حزب الله)، اختبرت المواجهة المباشرة (القصيرة) بين إيران وإسرائيل (فيما اختبرته) ادعاء “المركزية” الذي قامت عليه سردية “محور المقاومة”: أن النفوذ الإقليمي يتقدّم تعبيراً أخلاقياً عن الحقوق والعدالة، وأن امتداد الوكلاء امتدادٌ لـ”مشروع مقاوم” لا لإدارة مصالح. وتحت ضغط الامتحان القاسي، تراجعت قدرة تلك الأيديولوجيا على الإقناع والتعبئة خارج حدودها حين تكشّف الفارق بين خطابٍ يتحدّث باسم “المعنى”، وبين واقعٍ تحدّده كلفة القوة وحدودها، وتعيد صياغته (في النهاية) أولويات الداخل الإيراني نفسه.
تراجع حركة حماس في المشهد لا يطاولها وحدها، بل يمسّ نموذجاً تفسيرياً اختزل القضية الفلسطينية في إطارٍ إسلاموي حزبي ضيّق، وعلى نحو موازٍ، انعكس ما أصاب حزب الله على سردية “المقاومة” التي اختزلت الفعل المقاوم في وظيفة عسكرية عابرة للحدود، يبدو لبنان معها مساحة استخدامٍ إقليمي لا كياناً سياسياً مستقلّاً تُدار فيه المصالح العامة/ العمومية عبر المؤسّسات. أمّا سقوط نظام الأسد فقد أغلق الباب على بعثيّة سوريّة امتدّت عقوداً أعادت تعريف “الدولة” ملكيةً عائليةً وجهاز أمن وإدارة للولاء، وقدّمت نفسها “وطنية” و”ممانعة”. لكنّ سقوط الأنظمة وانحسار التنظيمات التي حملت تلك السرديات لا يعني أنّ الأيديولوجيات اختفت من الوعي العام، فأي أيديولوجيا لا تموت دفعةً واحدة؛ هي تتراجع وتنكمش، وقد تعود في هيئةٍ مختلفة، بشعارات وتحالفات جديدة، وقد تستمرّ إعادةُ إنتاجها في اللاشعور الجمعي… ربّما سقطت “الصيغة الحاكمة” أو “النسخة المسلّحة” من الفكرة، لا الفكرة نفسها، لكن الجوهري يكمن في شرعيتها؛ في قدرتها على إقناع الناس بأنها التفسير الكافي للواقع، وبأنها طريقٌ معقول نحو المستقبل.
تآكل الشرعية يخلق فراغاً سياسياً حين يغيب معنى جامعٌ للعيش المشترك، وفي غياب أفق عملي يُقنِع الناس بأن السياسة يمكن أن تكون مشروعاً عاماً لا مجرّد ولاء لشخص أو لجماعة تحتكر السلاح. في المقابل، يبدو أن الوعي الإسرائيلي قد خرج من هذه الحروب أكثر ثقةً بذاته، ميّالاً إلى تقديم انتصار القوة انتصاراً لسرديته. ولا تكمن الخطورة في “الانتصار” بحدّ ذاته، بل في طبيعة الوعي الذي يتعزّز: نزعة قومية متطرّفة، وتديّن سياسي حاد، وتغول استيطاني، واستسهال للجرائم ضدّ الإنسانية… هناك داخل الكيان الصهيوني تناقضات وأزمات، لكن فائض القوة يفرض وقائع تُعقّد إمكانات البحث عن بدائل للمواجهة في الجهة المقابلة (الهشّة).
في بلدان المشرق العربي التي أنهكتها الحروب، وتفكّكت فيها المؤسّسات، لا يمكن الاستسلام لما يُقدَّم “زمناً إسرائيلياً”، ولكن لا يكفي ملء الفراغ فكرياً؛ هناك مهمّة سياسية – اجتماعية تتطلّب الانتقال من “أيديولوجيا التعبئة” إلى “مشروع القدرة”، ممثلاً في الدولة بشرعيتها وقضائها ومؤسّساتها. ففي سورية مثلاً، ليس الجديد زوال أيديولوجيا السلاح، بل تآكل قدرتها على أن تتكلّم باسم “وعدٍ سياسي” يُقنع عموم السوريين، وأصبح سؤال بناء جيش وطني ومؤسّسات أمنية خاضعة للمحاسبة، شرطاً تأسيسياً للخروج من فراغ الدولة، لا مجرّد هدف تقني في نهاية الطريق.
فلسطينياً.. لا حديثَ واقعياً عن “الدولة” بوصفها سيادةً مكتملةً واحتكاراً كلاسيكياً للعنف، إذ يعطّل الاحتلال المشروع، عبر نظام السيطرة على الأرض والحدود والموارد والحركة، لكن لا يمكن التنازل عن الحدّ الأدنى: وحدة تمثيل شرعي، ومؤسّسات للخدمات والإدارة تقلّص هشاشة المجتمع، واقتصاد للصمود يحول ما أمكن دون التبعية والابتزاز، ومسار حقوقي قانوني وإعلامي يراكم الضغط ويعيد تعريف الحقوق بمعايير قابلة للمساءلة. فالأساس هو بناء القدرة الجماعية التي تمنع تحويل المجتمع مادّةً سهلة الكسر، ومراكمة شروط التحرّر/ التحرير بدل ترديد وعودهما.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى