إعادة هيكلة النظام السياسي في العراق

إياد الدليمي

لم يعد سرّاً القول إن الولايات المتحدة وضعت يدها بقوة وبصورة مباشرة على تفاصيل الملفّ العراقي من جديد. ولم يعد سرّاً أن الأمر لا يتعلّق بمجرّد مناكفات سياسية بشأن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، أو بفيتو الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هذا الاسم؛ بل الأمر أعمق وأبعد بكثير من شخص المالكي أو طموحاته، فالرسائل الأميركية التي وصلت إلى المنطقة الخضراء في بغداد (أُعلن بعضها وبقي بعضها الآخر طي الكتمان لخطورتِه) كانت صريحة إلى درجة الصدمة: واشنطن هذه المرّة ليست معنية فقط بتشكيل حكومة “توازن” لا تخضع للنفوذ الإيراني المطلق، وإنما هي بصدد الشروع في إعادة هيكلة شاملة وجذرية للنظام السياسي كاملاً الذي ترهّل وفشل في إدارة الدولة.
لقد تشكّلت العملية السياسية عقب الغزو الأميركي عام 2003 برعاية وترتيب وتخطيط أميركي كامل، تحت إشراف الحاكم المدني بول بريمر، وشهد العراق حينها ولادة نظام “المحاصصة” وتقاسم المناصب بناءً على الهُويّات الفرعية من مذاهب وعرقيات. كان مجلس الحكم الانتقالي، الذي ضمّ 25 شخصية جاء أغلبها من خارج العراق، النواة الأولى لنظام قام على “الترضيات” لا على الكفاءة؛ نظام بُني على أساس التعاون مع المحتلّ لإسقاط النظام السابق، من دون رؤية حقيقية لبناء “دولة مواطنة”.
تنشغل قوى “الإطار” في صراعاتها الداخلية على المناصب والمغانم، ويتحرّك قطار “إعادة الهيكلة” بسرعة لم يدركوها بعد
توزّعت المقاعد الـ25 في ذلك المجلس بناءً على نسب سكّانية افتراضية ادّعتها واشنطن، في وقت لم يكن فيه العراق يعرف هذا النوع من التصنيف العرقي أو المذهبي الحادّ في دوائره الرسمية، ولم يكن هناك أي إحصاء سكّاني يدعم تلك التقسيمات. غير أن الولايات المتحدة أصرّت على هذا المسار، وظلّت عقدين الراعي والحريص على بقاء هذا النظام. بل يمكن القول إنّ ما من نظام سياسي في المنطقة حظي بالدعم المالي والدبلوماسي والعسكري كما حظي به نظام “ما بعد 2003” في العراق، ولكن…
وجدت أميركا نفسها، مع الوقت، متورّطة مع “شريك” إقليمي شرس أراد مقاسمتها الغنيمة بالكامل؛ ورأى له “حقاً تاريخياً” في العراق، لأنّه ضالعٌ في التخطيط (والتحريض) لغزو البلاد وإسقاط خصمه اللدود. كانت إيران حاضرة في المشهد منذ اللحظة الأولى، شريكاً للمحتلّ في كواليسه، ومسهّلاً لمخطّطاته على الأرض. وهذا ليس استنتاجاً، بل حقيقة كشفها السفير الأميركي الأسبق، زلماي خليل زاد، حين تحدّث عن لقاءات سرّية في عواصم أوروبية جمعت مسؤولين أميركيين وإيرانيين للتنسيق لإسقاط النظام العراقي، وهو ما تباهى به المسؤولون الإيرانيون لاحقاً بقولهم: “لولا طهران لما سقطت بغداد وكابول”.
لم تكتفِ إيران بالفتات، بل أرادت حصّة الأسد من “الكعكة العراقية” (كما صار العراق يوصف في أروقة السياسة) الأمر الذي دفع واشنطن، في مراحل ضعفها، وتحديداً إبّان إدارة أوباما، للرضوخ للأمر الواقع. ومع انسحاب القوات الأميركية بين عامي 2010 و2011 بناءً على اتفاقية صوفا، تُركت الساحة العراقية بالكامل “هبة” لطهران التي باتت اللاعب الوحيد، والمحرّك الفعلي للقرار، والمستثمر الأكبر في طبقة سياسية تدين لها بالولاء أكثر ممّا تدين للوطن. الفراغ الذي خلّفته واشنطن عرفت طهران كيف تملؤه، مستغلة غطاء “الديمقراطية الهشّة” لتثبيت أقدام مليشياتها وقواها السياسية. غير أن المشهد اليوم انقلبت موازينه؛ ليس بسبب تغيّر ساكن البيت الأبيض، أو تبدّل أولويات واشنطن فقط، بل بسبب المتغيّرات الجيوسياسية الزلزالية التي أعقبت “7 أكتوبر” (2023).
الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به كونداليزا رايس يتشكّل الآن، ولكن على أنقاض أنظمة فقدت مبرّرات وجودها، وفي ظلّ “جغرافيا سائلة” لا ترحم الضعفاء. وحان دور إيران، التي يبدو أنّها ستكون الثمرة الأخيرة الواجب قطفها لتكتمل صورة هذا “الشرق” المنشود أميركياً وإسرائيلياً. لم يكن العراق، بمركزه الاستراتيجي وثقله الطاقي، يوماً بعيداً عن تداعيات ما بعد “7 أكتوبر”، ويبدو أن الإدارة الأميركية الحالية، مدفوعة بضغط الأحداث، قرّرت استرداد “وديعتها” في العراق. فما إن انتهت الانتخابات العراقية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، حتى بدأ التدخّل الأميركي يأخذ طابعاً صارخاً وغير مسبوق؛ فالفرصة التي مُنحت للقوى السياسية التقليدية التي أدارت البلاد منذ 2003 قد نفدت صلاحيتها، وبات لزاماً على “الفاعل الأميركي” إعادة إنتاج النظام بصورة تضمن مصالحه، وتقطع “رئة التنفّس” عن طهران.
تريد واشنطن “عراقاً بلا نفوذ إيراني”، وهو طموح يصطدم بواقع مرير؛ فقوى “الإطار التنسيقي” وحلفاؤها ليسوا مجرّد أسماء عابرة، بل هم قوى تجذّرت في مفاصل الدولة، وامتلكت المال والسلاح والسلطة عبر عقدَين من الحكم الفاسد، لذا، فإنّ عملية الهيكلة لن تكون “نُزهة”، بل قد تكون جراحة قيصرية مؤلمة.
إصرار أقطاب سياسية على التمسّك بترشيح نوري المالكي ينمّ عن عمى سياسي
الإصرار العجيب لبعض الأقطاب السياسية على التمسّك بترشيح نوري المالكي، في هذا المناخ الدولي المتفجّر، لا ينمّ عن سوء تقدير للواقع فحسب، بل عن عمى سياسي وانفصال تام عن الحقيقة. السيناريو الأميركي الجديد أُعدّ بعناية، وهو لا يستهدف استبدال وجه بوجه، بل يستهدف “اقتلاع” منظومة أثبتت فشلها، واستبدالها بشخصياتٍ بعضها يتحرّك الآن داخل جسد النظام، وبعضها الآخر ينتظر في قاعات الانتظار الخارجية؛ مهمتها الأساسية هي “تفكيك” الارتباط العضوي مع الجار الشرقي.
وبينما تنشغل قوى “الإطار” في صراعاتها الداخلية على المناصب والمغانم، وتصرّ على خيارات “استفزازية” للداخل والخارج، يتحرّك قطار “إعادة الهيكلة” بسرعة لم يدركوها بعد… ويبدو أنّهم سيستفيقون قريباً على واقع يجدون فيه أنّ “السجّادة” قد سُحبت من تحتهم، وأن قواعد اللعبة التي وضعها بريمر ذات يوم، قد شُطبت بالكامل بفعل ضغط الجغرافيا السياسية التي تغيّرت من دون أن تنتظر رأي أحد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى