
قبل سنوات في القاهرة دعيت من قبل أصدقاء مصريين لقضاء يوم في واحد من النوادي الملكية الشهيرة والتي تضم حوضاً كبيراً للسباحة وسط واحة من المساحات الخضراء القليلة في العاصمة المصرية.
لم أصدق حين اقتربنا من المكان المقصود أننا فعلا نسير في الاتجاه الصحيح، ذلك أننا دخلنا في شوارع مزدحمة جداً وأماكن عشوائية من الصعب التخيل معها وجود مكان يمكن للعائلات أن تقضي فيه يوماً خالياً من تلصص الفضوليين أو المتحرشين، حين وصلنا إلى المكان فتحت لنا بوابة خشبية ضخمة جداً لنرى أنفسنا أمام أحد قصور الملك فاروق: بناء قديم مبني وفق طراز معماري يجمع بين الفاطمي والحديث، ومساحات خضراء معتنى بها جداً تقع علي ضفة النيل، ومكان للسباحة مجهز بكل مسببات الاسترخاء والبهجة.
باختصار كنا أمام تحفة جمالية فاخرة رغم آثار حريق كبير طال المباني والسيارات القديمة الكلاسيكية الموجودة في مدخل المكان، وحين سألنا عن الحريق أخبرنا المدير أنه حصل أيام “ثورة يناير 2011” حين استغل (بلطجية) المنطقة العشوائية المجاورة الفوضى الحاصلة وأحرقوا النادي بما فيه وسرقوا معظم محتوياته قبل قدوم قوات الأمن وسيارات الإطفاء التي أخمدت حريقاً، كان يمكنه، لقوته، أن ينتشر في كامل المنطقة.
هذا القصر كان يقع حين تم بناؤه في منطقة معزولة خاصة بأبناء الذوات والنخبة المقربة من الملك، وتم تأميمها مع حركة الضباط الأحرار وحصلت عليها منازعات قانونية ثم عادت ملكيتها إلى أحفاد الملك فاروق، الذين استثمروها كناد خاص أيضاً بالنخبة.
تشكّلت لهجة سورية بيضاء مشتقة من اللهجة الدمشقية القديمة ومتخففة من اللكنات المختلفة الخاصة بكل محافظة وباتت هي لهجة سكّان دمشق ولهجة الاعلام ولهجة الدراما الاجتماعية، بحيث لم يعد المنطوق اليومي دليلاً على مسقط رأس الناطق الأصلي، بل هو دليل على سوريته..
ومع تمدّد الفساد في مصر تم بناء مناطق عشوائية تكاد تكون خارجة عن القانون في المنطقة المحيطة به، وبقي القصر بكل ما في داخل بوابته الضخمة والمغلقة في وجه مَن لا ينتمي للطبقة (المخملية)، بمنزلة مخرز في عيون أبناء المنطقة المجاورة الذين استغلوا فوضي الثورة للانتقام لا من القصر وأصحابه بل من الطبقية والاستعلاء الذي يمثله هذا القصر.
ثمة كثير من النوادي والأماكن في القاهرة مقتطعة من سياقها المكاني، قصور فارهة بنيت زمن الملكية وأممت في زمن عبد الناصر ثم استعادها أصحابها لاحقاً وتحوّلت إلي نواد ومطاعم فاخرة وبنيت حولها عشوائيات شعبية، لسكانها قيم اجتماعية تتناسب عكساً مع قيم رواد هذه النوادي التي، كما أخبرني الأصدقاء، كان الدخول إليها بعد انتشار العشوائيات يشبه المشي في حقل ألغام قبل أن يعتاد سكان العشوائيات والحارات الشعبية الحديثة على وجودها وعلى قبول أن أنماطاً بشرية مختلفة تعيش في القاهرة لها قيم مجتمعية واقتصادية مختلفة.
بات ارتياد هذه الأماكن اليوم أمراً عادياً جداً، وفي بعض الأماكن التي تقع في مناطق شعبية ذات شوارع ضيقة يعمل السكان أنفسهم على تسهيل حركة المرور للداخلين إلى تلك النوادي.
طبعا لم يخف القاهريون الأصليون يوما تذمرهم من سكان العشوائيات القادمين، منذ زمن، من الأقاليم والأرياف بحثاً عن فرص عمل ممن أسهم التدهور الاقتصادي عبر السنين في تكاثرهم، خصوصاً مع الانهيار المطرد للطبقة المتوسطة، هذا التذمر لم يكن مجرد تذمر عنصري مديني أو طبقي، كان في الحقيقة خوفاً وقلقاً هوياتياً وخشية من فقدان القاهرة لهويتها المدنية التي كانت ذات يوم تضاهي الهويات المدنية لكبرى عواصم العالم.
وفي الحقيقة فإنّ التكاثر الفطري للعشوائيات حول القاهرة تمكّن من مدينيتها اللوجستية من حيث انتشار المظاهر العشوائية في شوارعها الرئيسية رغم كل المحاولات الحكومية للحد من هذه الظواهر، لكن بنية التقاليد المدينية فيها لم تتأثر، أقصد بذلك البنية المجتمعية والعلاقات المرتبطة بهذه البنية، ظلت القاهرة متقبلة لكل هذا التنوع المثير الذي بها، كأن ترى قصراً فخماً حوّله أصحابه إلى ناد للنخبة في منطقة مغرقة في عشوائيتها، وكأن ترى باراً يخرج منه شباناً وشابات أوّل الصباح في ملابس السهر بجانب مسجد يخرج منه مصلّون ملتحون من دون أن يشعر أحد أن وجوده مهدد من قبل الآخر.
أفكر بكل ما سبق وأنا أقرأ وأسمع، بشكل متواصل عبر “السوشال ميديا”، تذمر كثر من الدمشقيين وضيقهم ذرعاً بساكني دمشق الجدد الذين قدموا إليها بعد سقوط “الأسد”، متوافدين من المحافظات الشرقية ومن إدلب وريفها، ومعظم هؤلاء من الفئة العمرية الشابة التي تشكّل وعيها فترة حرب الـ15 سنة الماضية، وعاشت في بيئات لا يوجد فيها أي تنوع يذكر وكان حضور النساء يكاد يكون غير ملحوظ في فضائاتها العامة.
هؤلاء أيضاً لم يسبق لهم رؤية دمشق ولا معرفة بنيتها الاجتماعية ولا فهم سياقاتها التاريخية التي أثرت على الأنماط السلوكية لسكانها نتيجة لتنوعهم، فعدا الحزام الطائفي الذي سوّر به نظام الأسد دمشق في أحياء تكاد تكون عشوائية خصصها لعناصر وأفراد جيشه وقوى أمنه، فإنّ كل مَن قصد دمشق قادماً في بدايات سبعينيات القرن الماضي، من الريف أو من المحافظات الشرقية والجنوبية والغربية والشمالية والمحافظات الوسطى، استطاع الاندماج في النسيج الدمشقي سواء أكان من حيث العادات والتقاليد المجتمعية العامة والفردية أو من حيث اللهجة.
فقد تشكّلت لهجة سورية بيضاء مشتقة من اللهجة الدمشقية القديمة ومتخففة من اللكنات المختلفة الخاصة بكل محافظة وباتت هي لهجة سكّان دمشق ولهجة الإعلام ولهجة الدراما الاجتماعية، بحيث لم يعد المنطوق اليومي دليلاً على مسقط رأس الناطق الأصلي، بل هو دليل على سوريته، وكأنّ اللهجة تحوّلت مع الزمن إلى هوية تخدم التنوع وتثريه وتكون الوعاء الذي يحتضن كل هذه الاختلافات لتشكل قيما مجتمعية فيها تمسك بالوسطية الدينية، وفيها قبول بالاختلاف والتنوع المذهبي، وفيها حضور نسوي واضح في الفضاء العام.
(طبعا، ماسبق هو اختصار للحالة الدمشقية التي دخلت في أطوار مختلفة قبل استقرارها مع نهايات القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ثم تغيرها مع بداية 2011 وحتى اللحظة).
لسنا هنا بقصد إصدار حكم قيمة على تذمر الدمشقيين، ولا إصدار نفس الحكم علي سكّان دمشق الجدد وسلوكياتهم مع المجتمع الدمشقي، رغم أنه من واجب السلطة الحاكمة حماية هذا التنوع وحماية الاعتدال فيها، وحماية مكوناتها بدلاً من فرض نمط اجتماعي وديني سلطوي يحاول إلغاء تاريخها بذريعة محاربة آثار نظام الأسد.
وإنما هي محاولة لقراءة الأمور بسياقها بالنظر إلى تاريخ دمشق وتاريخ العواصم العربية المشابهة، والحال فإنّ هذه الظاهرة مكوّنة من طبقات ومستويات متعددة: مستوى اجتماعي ينشأ من خوف الناس/ الدمشقيين من التغيير المفاجئ لحالة الاستقرار الطويل التي عاشوها رغم كل سنوات القمع والحرب ورغم تنفسهم الصعداء، أخيراً، من التخلّص من نظام الأسد، وخوفهم من فقدان الإيقاع اليومي، الدي قد يتغير بسبب غلبة حضور الساكنين الجدد بوصفهم (السلطة) حالياً، ومستوى ثقافي ينحصر في محاولات تغيير النمط الديني الصوفي للدمشقيين واستبداله بالنمط السلفي المتشدد، الذي لا يتناسب مع الطبيعة الاقتصادية للمدينة، ومستوي نفسي يتمحور حول سردية التفوق التي تتشكل في المدن، والعواصم تحديداً، في الدول القمعية وغير المنجزة سياسياً أو التي تحدث فيها تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة، بحيث تصبح سردية التفوق بمنزلة الهوية التي يتم التمسك بها خشية فقدان التوازن.
المستويات نفسها يمكن إحالتها إلي ساكني دمشق الجدد الذين يرون أنفسهم اجتماعياً أصحاب أرض طالما هم سوريين ودمشق هي عاصمة سوريا، وثقافياً هم أصحاب الحقيقة الدينية الوحيدة التي لم يعرفوا غيرها سابقاً وبالتالي كل ما عداها بدعة وضلالة، ونفسياً هم أصحاب السلطة والقوة اليوم وتفوّقهم وأحقيتهم تأتي من تصورهم تحقيق النصر على نظام قمعي استمر لعقود في حكم سوريا (طبعا يتم هنا تجاهل السياقات والتوافقات الدولية السياسية المعنية الوحيدة بالشأن السوري ومتغيراته).
هل سينتهي هذا التوتر الخفي مع الوقت والزمن؟ بحسب التاريخ الدمشقي مع الوافدين إليها، وبحسب تجارب أخرى كتجربة القاهرة مثلاً، فإنّ العاصمة ستتمكن بعد حين من دمج كل هذه الاختلافات وخلق حالة جديدة تناسب الجميع، يحتاج الأمر أولاً إلى استقرار اقتصادي، نسبي، واستقرار سياسي وأمني وقانوني يحمي حقوق الجميع، هذا بدوره يحتاج أولاً دولة مؤسسات تصدر قوانين ومراسيم وتنظر إلى الشعب كلّه بوصف أفراده مواطنين ضمن وطن واحد لا أبناء أديان وطوائف ومذاهب وعشائر.
رغم كل القمع الذي تميّز به، حافظ نظام حافظ الأسد على خط المساواة بين كل فئات الشعب ولو نظرياً، وهو ما جعل المجتمع السوري، خصوصاً في دمشق، يبتكر طرقه للتوازن والاستقرار رغم كل الاختلافات، فكان من الطبيعي في دمشق في شهر رمضان مثلاً أن ترى مجموعة خارجة من البار تأكل في نفس المطعم الذي تقصده مجموعة أخرى آتية لتناول وجبة السحور، وأن يتبادل الجميع الحديث من دون أن يشعر أحد أن وجود الآخر يهدّد وجوده أو عاداته، كان طبيعياً أيضاً أن يختار أصحاب المطاعم والمقاهي فتح أو غلق محالهم قبل الإفطار في الشهر الفضيل من دون اعتراض أحد، رغم قانون ضرورة الغلق ما زال ساريا.
قد تتغيّر دمشق مع الزمن ولكنها حتماً ستجد طرقها في السيطرة على تنافر الاختلافات فيها وخلق حالة من التوازن تشبه تاريخها، كما فعلت تاريخياً مع كل مَن قدِم إليها..
تلك وغيرها كثير، ظواهر كانت عادية في دمشق، يشبه ما يحدث في القاهرة، بل ربما تفوّقت على القاهرة بالقبول المجتمعي، ورغم أن دمشق لا يوجد فيها قصور فاخرة أحيطت مع الزمن بأحياء عشوائية شعبية محافظة مثل القاهرة، أو أماكن فاخرة مقتطعة من سياقها الجغرافي، لكن بات من الوارد، مع المتغيرات الحاصلة، ومع التوافد الكثيف إلى دمشق من المحافظات الشرقية والشمالية والتي يعاني سكّانها من انعدام مقومات الحياة اليومية، أن تشهد دمشق اكتظاظاً بشرياً متطرداً سينتج عنه عشوائيات مشابهة لما حصل في القاهرة (على كل حال يقال دائما أن ما يحدث في القاهرة في أي وقت سيحدث ما يشبهه في دمشق بعد ربع قرن).
قد تتغيّر دمشق مع الزمن ولكنها حتماً ستجد طرقها في السيطرة على تنافر الاختلافات فيها وخلق حالة من التوازن تشبه تاريخها، كما فعلت تاريخياً مع كل مَن قدِم إليها غازياَ أو فاتحاَ أو متسلطاَ أو منتصراَ أو كارهاَ أو عاشقاَ أو مهاجراَ أو لاجئاَ أو محباَ.
المصدر: تلفزيون سوريا






