الغضب من هاكابي لا يفسد للتصهين قضية

نزار السهلي

في مقابلته الأخيرة مع الصحفي تاكر كارلسون، كشف سفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي عن طبيعة وجوهر دعم واشنطن والغرب لدولة الاحتلال، فكرّر سرديته وقناعاته الصهيونية التوراتية التلمودية، كسفير لبلاده أولاً، وكمدافع قوي عن مزاعم حق إسرائيل “التوراتي” في السيطرة على كل فلسطين ثانياً، وحقها بإقامة “إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل”.
السفير هاكابي، ليس وحده في السياق الغربي والأميركي من هذه القناعة التي تتعامل بها العقلية الاستعمارية الغربية، وأن البشر في عالم الجنوب، وتحديدا في قلب العالم العربي، عليهم الخضوع لمنطق الرؤى والنبوءات التوراتية-التلمودية والإنجيلية المتصهينة بشأن إجبار مواطني بلادهم على واجب دعم “أمة إسرائيل”، ومن منطلق عقائدي، حتى بين من يميلون إلى عدم التدين.
حاول تاكر كارلسون، المنتقد للدعم الأعمى للكيان الصهيوني، الاستفسار نيابة عن المشاهدين حول مفهوم هذه الأمة لكن، كالعادة كلما فتح هاكابي فمه كلما اكتشفنا حجم العجرفة المتداخلة بجهالة وغطرسة أميركية صهيونية، فالسؤال من كارلسون لـ هاكابي عن “استناد إسرائيل في الوجود للحق الإلهي و للقانون الدولي، وإذا ما كان ينطبق على غيرها في هذا العالم؟، فجواب السفير هو لا، لأنّ هياكل القانون الدولي اليوم وتطبيقاته ليست شرعية مثل المحكمة الجنائية ومحكمة العدل وغيرها، نحن ممتنون للرئيس ترمب ووزير الخارجية لتصنيف هذه الهياكل المارقة”.
بعض المشرعين الغربيين، ممن صدعوا رؤوس مواطنيهم وإعلامهم عن أن الدين لا دور له في المواقف والممارسة السياسة لا يخجلون اليوم من إظهار الوقاحة في استدعاء الدين، مضيفين عليه ترهة أنه “يجب تذكر أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الإقليم”..
الأمر ببساطة أن هاكابي تعلم في الكنيسة الإنجيلية في صغره، للدفاع تحت كل الظروف عن كيان التطرف، وافتعال الحروب عقدا وراء عقد، وبسلاح وتغطية سياسية-دبلوماسية من واشنطن وبقية العواصم الغربية، فسفير الإدارة الأميريكية في الواقع، ليس وحيداً في غرق جيل غربي بهذه الجهالة، المريحة على ما يبدو في صناعة استقطاب شعبوي لجمهور لم يكن يدرك الفارق بين العراق وإيران، خصوصا في أميركا، إذ على الضفة الأوروبية الأخرى من الأطلسي ثمة من هم بمستواه تغطرساً واستعلائية في فهم قيمة بقية الشعوب، إن لم تكن بيضاء ومنتمية لـ”تحضر” متخيّل.
استدعاء الدين يجري ويا للعجب، حتى بين سياسيين ومشرعين في القارة الأوروبية ممن يحسبون على تيار الليبرالية الجديدة واليمين القومي المحافظ، ويسار الوسط في بعض اسكندنافيا وفي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ومن شتى الأيدلولوجيات شبه الفاشية والإلحادية حتى، والتي في معظمها تدعي تنحية الدين في السياسة حين يتعلق الأمر برفع مستويات التحريض على مواطنيهم المسلمين، ولأجل تأطير العاطفية-الشعبوية للوقوف مع دولة الاحتلال.
مثلاً بعض المشرعين الغربيين، ممن صدعوا رؤوس مواطنيهم وإعلامهم عن أن الدين لا دور له في المواقف والممارسة السياسة لا يخجلون اليوم من إظهار الوقاحة في استدعاء الدين، مضيفين عليه ترهة أنه “يجب تذكر أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الإقليم”، بمعنى: ادعي الديمقراطية ومارس الأبرتهايد وجرائم الإبادة، وسنشفع لك بل وندعمك، بالطبع هي رسالة خسارة أخرى للغرب وادعاءات قيمية وأخلاقية.
وفي وقت قصير قبيل الحرب على إيران، كان بعض الأوروبيين يرفعون نبرتهم ضد رهط التطرف الديني-الصهيوني في صفوف جماعتي الإرهاب والعنف الاستيطاني-الاستعماري، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، لكن ما يظهر الآن أن ذلك وغيره كثير، لم يكن فقط ذراً للرماد في عيون التعمية على ضرورة الوقوف مع “أمة إسرائيل”، بغض النظر عما ترتكبه من جرائم إبادة وشن حروب حيث يحلو لها، وبالدوس على القوانين والأعراف الدولية، بل لعل أخطر ما في شعار “حق الدفاع النفس”، المحتكر بعقلية استعمارية-إمبريالية لـ”أمة إسرائيل” أو أسطورة “الشعب المختار”، تحتقر الدول والشعوب “التي لا تشبهنا”، أي أنه يبشر بقبول ترهات بنيامين نتنياهو عن “الرؤى التوراتية”، باستدعاء متكرر لنبوءات وتحريض على الإفناء والإبادة، بل واعتبار بقية البشر “الأغيار” أقل قيمة من “الأمة العظيمة”، كما بات يبشر “سموترتيتش وبن غفير وسفير ترامب” في قوله لا بأس إن أخذوا كل الأرض الموعودة من الفرات الى النيل.
فالغرب هذا، وبجهالة لا يعبر عن وعي شبابي وشعبي في عصر الفضاء المفتوح، وليس بروباغندا رومانسية الكيبوتس الصهيوني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتحضر الصهاينة مقابل تخلف العرب، يمد لسانه مستهزئا بشعوب جارة له، فكيف يعقل أن يكون فاشيا كاهانيا مثل المهاجر الأوكراني سموتريتش، وبالطبع البولندي نتنياهو والاسكندنافي ميلكور وبقية المستعمرين القادمين من شتى أوروبا والغرب، أكثر سامية من أبناء السامية أنفسهم؟
السؤال الجوهري، ليس فقط بالغضب العربي من تصريحات سفير الصهيونية المسيحية في إسرائيل، بل في دلالة صمت الإدارة نفسها عن هذه التصريحات، والتي تفسر حقيقة مسعى ترمب لمفهوم السلام وتشكيل مجلسه وجمعه للمليارات، وهو سؤال لكل معسكر حماقة استدعاء الدين، بمن فيهم التيار الصهيوني والمتصهينين..
قد يبدو السؤال في الحقيقة عبثي أمام هذا الإصرار الغربي، وعن جهل وعيش في أوهام استعادة ماضي فرض رؤاه بالقهر وغطرسة القوة، على اضطهاد مواطنين أوروبيين وأميركيين نيابة عن كيان ينتشر فيه التطرف الديني ثقافة واجتماعاً، وبدءا من مراحل رياض الأطفال وصولاً إلى حمل البندقية كجنود محتلين لارتكاب جرائم الحرب المتواصلة في غزة والضفة الغربية، واقتحامات للأقصى بفتاوى دينية استعلائية وبرعاية رسمية واضحة المقاصد.
وفي هذه العجالة، إلى جانب أسئلة كثيرة، يمكن سؤال هؤلاء الغربيين، وتحديدا للجيران الأوروبيين:
ماذا لو أن تاكر كارلسون الأميركي كان في مقابله سياسي عربي خرج داعيا إلى ضرورة إعمال الرؤى القرآنية الإسلامية لإنهاء الجريمة المتواصلة منذ 77 سنة؟
وفي مقابل الدعوات الصريحة لحاخامات وساسة الكيان الصهيوني عن “الموت للعرب” و”الذبح للعرب الصراصير أبناء الأفاعي”، وعدم تردد تبني شعارات ونبوءات الإبادة والإفناء رسميا في تل أبيب، هل كان النفاق الأوروبي-الغربي سيبقى صامتا لو أن عربا ومسلمين في مواقع رسمية خرجوا ليدعوا لإبادة اليهود؟
ثم السؤال الجوهري، ليس فقط بالغضب العربي من تصريحات سفير الصهيونية المسيحية في إسرائيل، بل في دلالة صمت الإدارة نفسها عن هذه التصريحات، والتي تفسر حقيقة مسعى ترمب لمفهوم السلام وتشكيل مجلسه وجمعه للمليارات، وهو سؤال لكل معسكر حماقة استدعاء الدين، بمن فيهم التيار الصهيوني والمتصهينين، لأنّ الغضب من تصريحات سفير ترمب، لا تفسد للتصهين والتطبيع قضية، كما جرائم الإبادة والعدوان المستمر على كل المنطقة.
فاستحضار السفير هاكابي إيمانه التوراتي التلمودي، يحسم بالفعل مظهر النفاق وازدواجية المعايير الغربية من دون أن يرف لها جفن انطلاقاً من مفاهيم دينية، لكنها لن تكون هي قادرة على تحمل تبعات مثل تلك الاستدعاءات الخطيرة حين تتغير ظروف شعوب المنطقة العربية وطبيعة الأنظمة الحاكمة، التي ستفسد كل أساطير التزييف والصمت عنها.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى