
يكشف بدء تنفيذ الاتفاق المبرم بين الدولة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، في آخر نسخه المعدلة التي تعددت، عن تجاوز سورية لأزمة كبيرة كان من الممكن أن تهدد بقاءها ككيان ودولة، وتدفع بها نحو الاحتراب الأهلي والدخول في دوامة عنف تقوض كل مساعي السلم والاستقرار والنهوض والتعافي.
ومهما قيل عن غموض الاتفاق وعيوب ما يُكشف منه، إلا أنه لم يكن ليُنجز لولا الصبر الذي تمتعت به الدولة السورية وحنكتها في إدارة هذا الملف، بما في ذلك الضغط العسكري ومد جسور التواصل مع أبناء العشائر في المنطقة، بالتعاون مع الأطراف الإقليمية، خصوصاً الجارة تركيا وسلطة أربيل، ومساعدة القوى الدولية المؤثرة، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية التي أنهت دور قسد وأخرجتها كلاعب من المعادلة المحلية بعد أن انتهى دورها الوظيفي في ما سمي بمحاربة الإرهاب أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو ما استثمرت فيه قسد طويلاً وكثيراً لتحقيق مشروعها غير الوطني والعابر للحدود.
ولا شك أن هذا الاتفاق وحده لن ينقذ سوريا من مخاطر التقسيم والتجزئة، خصوصاً مع بقاء مشكلة الجنوب السوري بقيادة المرجع الديني حكمت الهجري، الذي لا يخفي تعاونه وتنسيقه مع دولة الكيان الصهيوني، وغرامه بزعيمها بنيامين نتنياهو، وهو ما يتطلب أيضاً جهوداً وطنية جبارة، وتعاوناً إقليمياً ومساندة دولية لنزع فتيل ألغام هذا المشروع الخبيث الذي يتغذى مع مشروع قسد في الجزيرة العربية السورية من منهل واحد، أو من ذات الضرع.
إن تجاوز سوريا لأزمة التقسيم والاقتتال الداخلي، الذي لا يزال شبحه يحوم ومخاطره ماثلة ولو بدرجة ضعيفة وحدود دنيا، يجب أن يدفع الدولة السورية، وبأقصى سرعة، نحو معالجة ملفات أخرى وقضايا كبرى لا يمكن التقليل من شأنها أو التهوين من آثارها، لتقوية مناعة المجتمع أمام محاولات الاختراق والعبث بالأمن وتقويض جهود الاستقرار، وذلك في إطار مشروع وطني جامع لا يقبل القسمة ولا العودة إلى الماضي، ولا يغفل عن تحديات التهديد المستمر من الكيان الصهيوني بالرغم من كل ما قيل وتسرب عن المفاوضات بين الجانبين، وآخرها في العاصمة الفرنسية باريس.
إن من أولى الأزمات التي يجب أن تولى أهمية كبرى، وخاصة، تتمثل في معالجة القضايا الاجتماعية ومشكلات الفقر والعوز نتيجة انخفاض الدخول أمام ارتفاع الأسعار وفوضى السوق، ونسب البطالة العالية، وضعف دورة عجلة الاقتصاد، نتيجة ما حل بعموم السوريين خلال سنوات الثورة جراء سياسات النظام البائد، خصوصاً أولئك الذين ما زالوا في مخيمات اللجوء، أو مخيمات الموت وتحت رحمة الطبيعة.
إضافة إلى الملف الاقتصادي، تبرز أهمية توسيع هامش الحريات وإطلاق العنان لعمل المجتمع المدني ضمن آليات وضوابط ملزمة تحفظ وتصون قيم المجتمع بألوانه المتعددة، وتعزز التشاركية المطلوبة التي بدونها لن تصوب مسارات العمل اليومي، وتعطي أفضل الفرص للكفاءات الوطنية، وتفجر الطاقات الكامنة في المجتمع، وهو ما بات أكثر من ضرورة، وتزامناً مع الانتظار الذي طال، لاستكمال عضوية مجلس الشعب وانطلاقه للقيام بدوره التشريعي والرقابي المأمول.
أيضاً، لا يمكن الحديث عن التعافي والنهوض والاستقرار في ظل وحدة سوريا أرضاً وشعباً دون البدء بإجراءات جادة وشاملة في مسائل وقضايا العدالة الانتقالية، التي يهدد تأخرها بتململ الحاضنة الشعبية للثورة والدولة معاً. إن بطء هذا الملف يفجر صراعات وعمليات انتقام خارج القانون قد يكون من الصعب السيطرة عليها والتحكم بها، عدا عن أن ذلك حق أخلاقي وقانوني وشرعي، بدونه لن تستقيم الأمور ويتحقق السلم الأهلي.
من هنا، فإن سياسة الصفح والمسامحة، إن كانت حقاً فردياً للضحايا وذويهم، فهي ليست كذلك بالنسبة للعموم والمجتمع، ولا يحق لأي كان التنازل عنها أو التجاوز، ولنا في تجارب الشعوب التي مرت بحالات مشابهة للحالة السورية أسوة ونموذجاً ومثالاً.
مهام وطنية عديدة وكثيرة لا يجوز التمهل بها أو تأجيلها، فكلها حزمة واحدة يجب السعي لمعالجتها والعمل على تنفيذها.
سوريا الجديدة تتطلب تضافر كل الجهود، ونحن كوطنيين سوريين لن ندخر جهداً في العمل مع الآخرين وضمن الأطر المشروعة لبناء الجمهورية الجديدة، دولة الحق والقانون والمواطنة، وعلى أسس العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية.


