الهلال الذي شقّ الهُويّة: المسلمون أكثر عدداً وأقلّ تأثيراً

توفيق الحميدي

عادت أزمة رؤية هلال شهر رمضان في أوروبا، بعد إعلان السعودية ودول أخرى أن الأربعاء 18 فبراير/ شباط الجاري هو أول أيام رمضان وفق الرؤية البصرية، مقابل اعتماد المركز الأوروبي للإفتاء يوم الخميس التالي استناداً إلى الحساب الفلكي. يبدو الخلاف، في ظاهره، محدوداً لا يتجاوز فارق يوم في بداية شهر الصيام، غير أن أثره في المساجد والجاليات جاء أوسع من طبيعته الزمنية؛ إذ أعاد إنتاج مشهد مألوف من الانقسام بين صائم ومترقّب، وكشف مرّةً أخرى هشاشة المرجعية الدينية في فضاء تتعدّد فيه مصادر الفتوى وتتباين فيه اعتبارات الانتماء، فالأزمات المرتبطة بالتقويم نادراً ما تكون زمنيةً خالصة، بل غالباً ما تكشف ارتباكاً أعمقَ في الوعي الجمعي وطريقة انتظامه حول معيار مشترك.
ومع تكرار هذا المشهد عاماً بعد آخر، لم يعد الهلال مجرّد علامة فلكية تعلن دخول شهر، بل تحوّل تدريجياً إلى اختبار صامت لقدرة المسلمين في أوروبا على إدارة اختلافاتهم وبناء قرار جماعي ينسجم مع واقعهم. عند هذه النقطة تحديداً، يتجاوز الخلاف بعده التقني ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل لا يزال المسلم الأوروبي يستمدّ بوصلته من جغرافيا بعيدة، أم أنه يقترب من بلورة مرجعية دينية تعكس شروط المكان الذي يعيش فيه؟ وبين هذَين الأفقَين، يتشكّل نقاش يتجاوز مسألة الصيام إلى معنى الوحدة الدينية في سياق متعدّد المرجعيات، وإلى إمكانية التوفيق بين أصالة الانتماء وواقعية الحضور. وهي أسئلة لا تنبت من فراغ، بل تمتدّ جذورها في بنية التفكير الإسلامي نفسها؛ إذ لم يولد هذا التوتّر في السياق الأوروبي وحده، وإنما يعيد استحضار سؤال قديم رافق تشكّل الجماعة المسلمة منذ اتسعت جغرافيتها وتباينت آفاقها. ولعلّ العودة إلى هذا الامتداد التاريخي تكشف أن ما يبدو اليوم إشكالاً أوروبياً ليس سوى صيغة معاصرة لسؤالٍ ظلّ يتجدّد كلّما تحرّك الإسلام خارج مجاله الأول.
ليس الخلاف بشأن رؤية الهلال حدثاً طارئاً في التاريخ الإسلامي، ولا نقاشاً تقنياً يمكن احتواؤه بفتوى عابرة؛ بل هو من الأسئلة المبكّرة التي لامست علاقة الدين بالزمن، والجماعة بالمعيار، واليقين بوسائل إدراكه، والرؤية والحساب أهمها. وفي لحظات مختلفة من التاريخ، كان هذا الخلاف يتحوّل مرآة تعكس بنية الوعي الإسلامي وقدرته على التكيّف مع اتّساع المكان وتحوّلات العمران. وما يتكرّر في أوروبا اليوم ليس مجرّد اختلاف في تحديد يوم الصيام، بل إعادة تمثّل لسؤال قديم داخل سياق حضاري مختلف، حيث يجد المسلم نفسه مدفوعاً إلى إعادة تعريف موقعه بين ذاكرة حملها معه وواقع يتشكّل من حوله. فحين يستيقظ في مدينة أوروبية ليجد أن المسجد القريب أعلن الصيام، بينما ينتظر آخر على بعد شارعَين، فإنّ المسألة تتجاوز التقويم لتلامس معنى الجماعة وفكرة المرجعية وحدود الانتماء. عندها يغدو الهلال أكثر من ظاهرة فلكية؛ يصبح رمزاً فلسفياً لسؤال أكبر: كيف يعيش الدين حين يهاجر أهله؟ وهل تنتقل معه منظومات التأويل كما هي، أم يولد فهم جديد يليق بالمكان الجديد؟
تقتضي الشجاعة الثقافية الاعتراف بأن الإسلام في فضاء جديد مُطالَب بإنتاج أدواته التنظيمية الخاصّة
وقد عرفت الحضارة الإسلامية منذ بداياتها نقاشاً واسعاً في توحيد المطالع، في زمن لم يكن العالم فيه مترابطاً كما هو اليوم، ولم تكن فكرة “التقويم الكوني” ممكنة عملياً. تُروى اختلافات مبكّرة مثل صيام أهل الشام على رؤيةٍ خالفت ما عليه أهل المدينة، من دون أن يُنظر إلى ذلك تهديداً لوحدة الجماعة بقدر ما كان انعكاساً لواقع جغرافي متباين. غير أن التحوّل الأعمق جاء مع تشكّل الدولة الحديثة وتسارع الثورة العلمية، حين أعادت الحسابات الفلكية الدقيقة طرح السؤال القديم بصيغة أكثر تعقيداً: هل المقصود من الرؤية تحقق اليقين، أم أن الفعل البصري نفسه جزء من التعبّد؟ ومن هنا تباينت المقاربات بين اتجاه تمسّك بظاهر النصّ وآخر رأى أن المقصد هو ثبوت العلم بدخول الشهر وأنّ الوسائل قابلة للتطوّر بتطوّر المعرفة. ومع ذلك بقي هذا الخلاف في معظمه نظرياً داخل المجتمعات الإسلامية التي تولّت الدولة فيها حسمه تنظيمياً، بينما عاد في أوروبا (حيث تغيب السلطة الدينية المركزية) إلى المجال الاجتماعي، ليتحوّل من نقاش فقهي إلى مؤشّر كاشف عن تشتّت المرجعيات وتعدّد مصادر القرار.
تكمن المفارقة في أن مسلمين كثيرين في أوروبا يعيشون زمانهم هنا، لكنّ وجدانهم الفقهي ما زال هناك، في بلد المنشأ؛ فالصيام مع بلد المنشأ ليس مجرّد خيار ديني، إنه تعبير عن حاجة نفسية عميقة إلى الاستمرار، إلى الإحساس بأن الهجرة لم تقطع الخيط الأخير مع الأصل. إنه ما يمكن تسميته “الحنين التشريعي”، إذ يصبح الالتزام بقرارٍ يصدر من جغرافيا أخرى وسيلةً لحماية الذات من الذوبان، خصوصاً في المساجد الصغيرة التي تديرها جماعات بسيطة فكرياً وفقهياً، ولا ترتبط ارتباطاً عضوياً بالمساجد والمراكز الكبرى، وما زال ولاؤها لولي أمرها في بلد المنشأ. فرغم أن الخلاف بين الدول الإسلامية عامل حاسم في هذا الانقسام، إلا أنّ (في المقابل) المؤسّسات الإسلامية الأوروبية تسعى إلى بناء مرجعية محلّية تستند إلى الحسابات العلمية، لا رغبة في القطيعة مع التراث، بل بحثاً عن انتظام الحياة، فالمدارس لن تؤجّل امتحاناتها لأنّ إعلان الهلال جاء متأخّراً، وأرباب العمل لا يتعاملون مع “ليلة الشكّ” بوصفها ظرفاً استثنائياً. هنا يتجلّى التوتّر بين نموذجين للانتماء: انتماء عاطفي يستمدّ شرعيته من الذاكرة، وانتماء واقعي يستمدّ منطقه من شروط العيش اليومي. ولا يكمن الخطر في وجود النموذجين بقدر ما يكمن في عجزهما عن الحوار.
ولا تتوقّف آثار هذا التوتّر عند مستوى القرار الديني، بل تمتدّ إلى البنية النفسية للجماعة نفسها. فالجيل الأول حمل معه إسلاماً تشكّل داخل مجتمعات متجانسة، فلم يكن مضطرّاً لتفسير ذاته للآخر، بينما ينشأ أبناء أوروبا داخل فضاء عقلاني يقدّس النظام والتخطيط. وحين يرون مسجداً يُعلن الصيام وآخر يؤجّله، فإنّ الصورة التي تتكوّن لديهم ليست عن “ثراء فقهي”، بل عن فوضى تنظيمية. من هنا يتولّد شعور مزدوج بالاغتراب: اغتراب عن إرثٍ يبدو أحياناً غير منسجم مع لغة العصر، واغتراب عن مجتمع أوسع يقرأ هذا التشتت بوصفه دليلاً على صعوبة اندماج المسلمين. إنهم يقفون في منطقة رمادية، لا ينتمون كلّياً إلى الماضي ولا يُحتضنون تماماً في الحاضر، وهنا تتحوّل المفارقة إلى مأزق وجودي حين يصبح الدين، الذي يفترض أن يمنح الطمأنينة، مصدراً للارتباك.
عرفت الحضارة الإسلامية منذ بداياتها نقاشاً واسعاً في توحيد المطالع، في زمن لم يكن العالم فيه مترابطاً كما هو اليوم، ولم تكن فكرة “التقويم الكوني” ممكنة عملياً
وإذا كان هذا الارتباك يتشكّل في الوعي، فإن أخطر تجلياته تظهر في تفاصيل الحياة اليومية. فرمضان في جوهره تجربة جماعية تتناغم فيها الإيقاعات من الأذان إلى موائد الإفطار، لكن الشهر حين تنقسم الجماعة يفقد شيئاً من روحه الجامعة. قد تصوم الأمُّ يوماً بينما ينتظر الأب إعلاناً آخر، وقد يبدأ الطفل صيامه مع أصدقائه، ثم يكتشف أن أسرته على تقويم مختلف، وكذلك أمر الانقسام مع السكّان المسلمين في منطقة واحدة. تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنّها مع التكرار تترك أثراً عميقاً؛ إذ يتحوّل الدين من تجربة جامعة إلى عبء تنظيمي، وتتّسع الفجوة بين الشباب والمؤسّسات الدينية، فيميل كثيرون منهم إلى تفسير الخلاف عجزاً عن إدارة الاختلاف لا علامة على سعة الفقه. ومع كلّ جدلٍ عقيم تتراجع الثقة في المرجعيات التقليدية.
وحين يتسلّل الانقسام إلى التفاصيل اليومية للحياة، لا يبقى شأناً اجتماعياً فحسب، بل يتحوّل تدريجياً إلى عامل يؤثّر في وزن الجماعة داخل المجال العام. فلا يقف أثر هذا الانقسام عند حدود الشعائر الدينية أو الاختلاف التنظيمي داخل المساجد، بل يمتد إلى مستوى التنسيق السياسي والرؤية المستقبلية للجاليات المسلمة في أوروبا، فالجماعة التي تعجز عن توحيد قرارها في مسألة زمنية متكرّرة تبدو، في نظر الفاعلين السياسيين، أقلَّ قدرة على بناء مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى التي تمسّ وجودها وحقوقها ومسار اندماجها. ومع مرور الوقت، يتحوّل التشتّت من ظاهرة دينية إلى مؤشّر بنيوي على ضعف الفعل الجماعي، فتغدو هذه الجاليات (رغم تزايد أعدادها) أقلَّ تأثيراً في دوائر القرار، وأضعف حضوراً في النقاشات العامة المتعلّقة بمستقبلها. وفي ظلّ هذا المشهد، تتابع الصحافة ومراكز صناعة السياسة واقع المجتمع المسلم بنوع من القلق والريبة، إذ يُقرأ الانقسام لا بوصفه ثراءً تعدّدياً، بل علامةً على هشاشة القدرة التنظيمية وصعوبة إنتاج قيادة جامعة، فتتّسع المفارقة بين حضور ديمغرافي متنامٍ ووزنٍ سياسيٍّ محدود.
رمضان تجربة جماعية تتناغم فيها الإيقاعات من الأذان إلى موائد الإفطار، لكن حين تنقسم الجماعة يفقد شهر رمضان شيئاً من روحه الجامعة
غير أن قراءة هذا المشهد بوصفه اضطراباً تنظيمياً فقط تبدو قاصرة، لأن المسألة تمسّ تجربة الدين خارج مجاله التاريخي. فالهجرة ليست انتقالاً للأجساد فحسب، بل اختبار لقدرة الأفكار على التكيّف. والدين الذي لا ينجح في ترجمة قيمه داخل سياق جديد يخاطر بأن يتحوّل إلى ذاكرة لا إلى قوة حيّة. ومن هذا المنظور لا ينبغي النظر إلى “الإسلام الأوروبي” بوصفه نسخةً منقوصةً من إسلام آخر، بل تجربة تاريخية تتشكّل أمامنا، إذ لم يعد السؤال: كيف نحافظ على الماضي؟ بل: كيف نجعل الماضي قادراً على العيش في الحاضر؟ وهو فرق دقيق لكنّه يصنع مستقبلاً مختلفاً.
ولعلّ الجدل الفقهي حول الرؤية والحساب ليس إلا التعبير الأقدم عن هذا التوتّر بين الثابت والمتغيّر، فلو تأمّلنا التراث الفقهي بعيداً من ضجيج اللحظة، لوجدنا أن جوهره قائم على مبدأَين متكاملَين: الثبات في المقاصد والمرونة في الوسائل. فالنصوص لم تُرد للمسلم أن يعيش في صراع مع الزمن، بل أن يهتدي إلى اليقين بأفضل ما توافر من أدوات؛ ولذلك لا يعني تغيّر الوسائل تغيّر الدين بقدر ما يعكس حيويته. المعضلة، إذن، ليست في اختيار الرؤية أو الحساب، بل في تحويل الوسيلة إلى معركة هُويّة، حيث يغدو النقاش الفقهي غطاءً لصراع أعمق يتّصل بالخوف من الفقدان.
حين تعجز الجماعة عن حسم مرجعيتها داخلياً، تصبح صورتها الخارجية عرضة لتأويلات لا تتحكّم بها
وحين تعجز الجماعة عن حسم مرجعيتها داخلياً، تصبح صورتها الخارجية عرضة لتأويلات لا تتحكّم بها. ففي بيئة إعلامية حسّاسة تجاه قضايا الاندماج، يتحوّل أيّ انقسام إلى مادّة للقراءة السياسية، إذ ترى المجتمعات الأوروبية في تباين الإعلانات علامةً على غياب القيادة الموحّدة. وهنا يدفع المسلم ثمناً مضاعفاً: ثمن الخلاف الداخلي وثمن الصورة التي تتشكّل خارجياً، لا لأنّ الاختلاف مرفوض، بل لأنّ طريقة إدارته تُقرأ بوصفها
مؤشّراً على النضج أو غيابه.
ومن هنا، لا تبدو الأزمة فقهية بقدر ما هي اختبار للنضج التاريخي. فلن تُحلَّ بقرار فوقي ولا بترجيح نظري مجرّد، بل بما يمكن تسميتها الشجاعة الثقافية: شجاعة الاعتراف بأن الإسلام، حين يستقرّ في فضاء جديد، مُطالَب بإنتاج أدواته التنظيمية الخاصّة. يقتضي بناء كتلة مسلمة متماسكة في أوروبا الانتقال من التديّن العاطفي إلى التديّن المؤسّسي، ومن ردّة الفعل إلى التخطيط، ومن استيراد الحلول إلى صناعتها محلّياً، فالمسلم هناك ليس عابراً، بل مواطن كامل الحضور، يحتاج وضوحاً في مواقيته كما يحتاج وضوحاً في هُويّته.
وربّما لن يُحسم هذا السؤال قريباً، لأن تشكّل المرجعيات عملية تاريخية بطيئة لا تخضع لإيقاع المواسم الدينية ولا تُختزل في خلافات عابرة حول يوم يبدأ فيه الصيام. غير أنّ المؤكّد أنّ المسلمين في أوروبا يقفون اليوم عند عتبة لحظة انتقالية: إمّا أنْ يظلّوا جماعاتٍ معلّقةً بين ذاكرة جغرافية وواقع مختلف، أو أنْ ينجحوا في التحوّل إلى فواعل حضارية تعيد تعريف علاقتها بالدين والمكان معاً. عندها فقط سيتحرّر الهلال من ان يكون علامةً على الاختلاف ليغدو مؤشّراً على نضج تجربة دينية تعلّمت كيف تصنع وحدتها داخل عالم متعدّد، وتنتقل من سؤال التكيّف إلى أفق الإسهام، ومن البحث عن موقع في الزمن إلى المشاركة في صناعته.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى