قصتي مع الحرس الثوري

يوليا يوزيكا

كل خميس أنشر نصاً في “المدن”. أكتب عن إيران، ليس لأنه لم يعد على وجه الأرض من موضوعات أخرى مثيرة للاهتمام، بل لأن إيران، ومنذ عدة سنوات، أصبحت الموضوع رقم واحد في دائرة اهتماماتي.

ارتفع صوتي إلى ذروته في الاحتجاج العلني ضد إيران في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، عندما تم اعتقالي في إيران من قبل الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية، ووجهت إليّ إحدى أخطر التهم  في إيران: التجسس لصالح إسرائيل.
لم أكن أعرف سبب الاعتقال، ولا خلفية هذا الاهتمام الشديد بشخصي، ولا جوهر التهمة الموجهة إليّ، حتى في اللحظة التي اقتحم فيها الحرس الثوري الإيراني باب غرفتي في فندق “بارس إنقلاب” (Pars Enghelab)، وعندما اقتحمت غرفتي فرقة المداهمة، برفقة مقاتلة ترتدي حجابًا أسود، وقلبوا كل شيء رأسًا على عقب، وقلبوا فراش السرير، ونفضوا حقيبتي، وحاصروني في زاوية الغرفة، وأنا أصرخ بكلمة واحدة فقط “why?”.

كان هذا في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، في وقت متأخر من المساء، وكان الظلام قد حل في الخارج، تم إخراجي من المدخل الخلفي للفندق برفقة حارس يحمل أضواء وامضة، وتحركنا في سيارة كيا (Kia) سوداء فاخرة، محاطًةً بضابط من الحرس الثوري يرتدي بدلة وامرأة- نينجا، أنثى من الحرس الثوري أيضاً.
أمضيتُ الليل على أرضية خرسانية في زنزانة انفرادية بسجن إيفين (باستيل إيران، السجن الرئيسي للسجناء السياسيين في الجمهورية الإسلامية). وفي الصباح، أُخرجوني من الزنزانة، ونقلوني في سيارة إلى المحكمة الواقعة داخل أسوار السجن. لم يكن تنقلي في أرجاء السجن متاحاً، إلا وأنا معصوبة العينين بقماش أسود.
أزالوا العصبة عن عيني في المحكمة. وحتى تلك اللحظة، كنت لا أزال أجهل ما الذي قد يكون لديهم ضدي ليعاملوني على هذا النحو السيئ.
والآن، حان الوقت لأروي قصتي عن علاقتي بإيران منذ البداية، حتى يتضح سبب شعوري بتلك الصدمة العميقة في مساء يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

في صيف العام 2013 وجهت رسالة إلى السفارة الإيرانية في موسكو. عرّفت عن نفسي، وسألت السيد السفير ما إن كان بوسعه مساعدتي في الحصول على تأشيرة دخول صحافية، وتنظيم زيارة لأتمكن من إعداد كتاب عن إيران. وأرفقت الرسالة بموجز عن سيرتي الذاتية وموقع وكيل أعمالي الأدبي على الإنترنت. وكان قد صدر لي كتابان حتى ذلك الحين: تحقيق حول ظاهرة الانتحاريات الشيشانيات في روسيا، وكتاب “عرائس الله” ( تُرجم إلى عدة لغات ونُشر في حوالى 10 دول) و”قاموس بيسلان” (نُشر في روسيا وفرنسا وألمانيا). وكباحثة، كنت قد تخصصت في شؤون شمالي القفقاز، وعملت قبل ذلك في أكبر صحيفة روسية KP ( كومسومولسكايا برافدا) التي كانت تصدر بملايين النسخ يومياً، وأُدرجت في كتاب “غينيس”.
تلقيت الرد على رسالتي بعد بضعة أسابيع، وقمت بزيارة إيران لأول مرة في كانون الأول/ديسمبر 2013. وقبل ذلك، وخلال مقابلة في السفارة الإيرانية، أبلغت السلطات الإيرانية أنني زرت إسرائيل مرة واحدة من قبل في العام 2004، بصفتي مراسلة صحافية. وكان ردهم: “لا مشكلة”.

منذ ذلك الحين، زرت إيران مرات عديدة. وقد ألقيت محاضرات في كلية الحقوق والعلاقات الدولية بجامعة طهران ومعهد دراسات القوقاز، وكذلك في الجامعة الإسلامية في قم، وغيرها.
وفي العام 2017، وبدعوة من الجانب الإيراني، انتقلت إلى إيران للإقامة هناك، بعد أن تلقيت عرض عمل في قناة “إيران اليوم” Iran Today التلفزيونية، والتي كان من المفترض أن تتحدث عن الحياة في إيران باللغة الروسية للجمهور الناطق بها.
لكن بعد العمل هناك لعدة أشهر، غادرت بعد وقوع عدة حوادث وضعت سلامتي الشخصية موضع الشك. وكانت هذه أول معضلة تواجهني في إيران. فقد كنت مدعوًة من الجانب الإيراني، وكانت “إيران اليوم”، مثل جميع وسائل الإعلام في إيران، جزءًا من هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية.

لكنني بقيت أتلقى الدعوات لزيارة إيران، وعُرضت عليّ فرص تعاون متنوعة: كتب، مشاريع سياحية، وما إلى ذلك. غير أنني رفضت كل الدعوات. ولكن في أيلول/سبتمبر 2019، وبعد دعوات عديدة من رئيسي السابق في صحيفة “إيران اليوم”، الذي زعم أنه تأكد في وزارة الأمن أن ليس لديهم أي شكاوى ضدي. وسافرتُ إلى إيران في 29 أيلول/ سبتمبر لرؤية أصدقائي الذين تعرفت عليهم أثناء إقامتي في إيران، ولزيارة برسيبوليس، وهي مدينة أثرية ومعلم من العصر الأخميني.
بعد حصولي على تأشيرة دخول عند وصولي إلى مطار طهران، توجهت إلى قسم مراقبة الجوازات، وبينما كان يتم تفحص جواز سفري، انطلقت صفارة إنذار، وهرع رجال مسلحون، ولم يعاد جواز سفري إليّ.

وهكذا أصبحت رهينة في إيران. ولاستلام جواز سفري، كان عليّ التوجه إلى عنوان محدد في طهران. اصطحبني إلى هناك رئيسي السابق. واتضح أن المبنى هو مقر الحرس الثوري، بكل ما فيه من أعلام وشعارات، حيث خضعت للاستجواب طوال اليوم. “في البداية، ظننا أنك جاسوسة أميركية، لكننا غيرنا رأينا لاحقًا. وتذكري: نحن فقط في إيران من يقرر من يستطيع العيش ويكون طليقاً”. كانوا يتحدثون بألغاز، من دون أن يوضحوا بما يشتبهون بي. وفي اليوم التالي، تم عملياً اختطافي  من الفندق، واقتادوني إلى سجن إيفين.
لم يُبلغوني بأنهم يعتبروني عميلة للموساد إلا في اليوم التالي. قلت في بالي: “تواصلوا مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، الذي كان يتفحصني منذ سنوات بسبب كتبي وعملي الصحافي. ولو كنت جاسوسة لأيّة دولة أجنبية، لتم اعتقالي في روسيا منذ زمن”.
كان ضباط الحرس الثوري الذين اعتقلوني حاضرين في جلسة المحكمة. وقالوا لي أنني لن أغادر إيران مجدداً ولن أرى أطفالي. مُنعت من التواصل مع القنصلية الروسية أو توكيل محامٍ. وقد وقّع مذكرة اعتقالي رئيس السلطة القضائية، إبراهيم رئيسي، الذي أصبح رئيساً لإيران بعد ذلك بعامين.

لقد اتُهمتُ بحمل الجنسية الإسرائيلية وجواز سفر إسرائيلي، وهي اتهامات سخيفة كلياً. فقد كنت زرتُ إسرائيل مرة واحدة، قبل 15 عامًا، وأبلغتُ السفارة الإيرانية بذلك خلال تلك الزيارة الأولى عام 2013. كنتُ شخصية عامة يسهل التحقق من سيرتها الذاتية. لكن المدعي العام في المحكمة الثورية قال إنه قد تم التثبت من إدانتي،  وطلب مني التوقيع على أوراق.
هل يعقل، أنه خلال الأيام القليلة التي قضيتها هنا في إيران كرهينة، أصبحت علاقاتكم مع روسيا متوترة للغاية لدرجة أنكم قررتم تصعيد الموقف واعتقال صحافية روسية؟
“لدينا علاقات جيدة مع روسيا، ونحن لا نتهمك بالعمل لصالح المخابرات الروسية. نحن نتهمك بالعمل لصالح إسرائيل. لذا، لن تحميكِ روسيا”، رد الضابط ضاحكاً.
لكنهم كانوا مخطئين. في صباح اليوم التالي، وصل محقق ومترجم إلى السجن. رفضتُ الإجابة على أي أسئلة ما لم يسمحوا لي بإجراء مكالمة هاتفية واحدة مع والدتي، التي بقيت مع أطفالي الأربعة في موسكو.

لقد أخبرتهم بالحقيقة، إذ كنت قد اتفقت مع والدتي على أن أتصل بها كل صباح ومساء لأطمئنها على سلامتي. وإذا لم أتصل بها خلال 24 ساعة، فستتصل بالصحافيين وتُثير ضجة كبيرة.
في ذلك المساء، وبعد استجوابات واجتماعات غير مثمرة مع رؤسائه، قال المحقق: “حسنًا. وفقًا لقوانين الجمهورية الإسلامية، يحق لك إجراء مكالمة هاتفية واحدة. أخبري والدتك أنك بخير وأنك ستبقين حتى وقت متأخر”.
أما ما حدث بعد ذلك، فسأطلعكم عليه يوم الخميس المقبل.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى