قضية الصحراء بين ضغوط التسوية وحسابات القوى الكبرى

علي أنوزلا

دخلت قضية الصحراء، التي عمرت أكثر من نصف قرن، مرحلة دقيقة تتداخل فيها حسابات الداخل بتوازنات الإقليم ومصالح القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة، فالنزاع الذي ظل رهين مسارات أممية متعثرة، يبدو اليوم أقرب إلى مقاربة تقودها واشنطن بشكل مباشر، بما ينسجم أولاً مع أولوياتها الاستراتيجية وطموحات رئيسها الغامضة. هذا التحول يفسر منسوب الحذر الذي تبديه مختلف الأطراف، إدراكاً منها أن أي حل يُدفع به من خارج المنطقة لن يكون معزولاً عن حسابات البيت الأبيض ومصالحه.
في هذا السياق، عُقد لقاء غير معلن في مقر إقامة السفير الأميركي في مدريد، جمع المغرب وجبهة بوليساريو والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف واشنطن، وبحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، ولم يصدر عن الاجتماع أي بيان رسمي، غير أن تسريبات للصحافة الإسبانية تحدثت عن عرض مغربي مفصل لمقترح الحكم الذاتي، جاء في نحو 40 صفحة، وتضمن تصوراً لصلاحيات مؤسسات الإقليم وعلاقتها بالسلطة المركزية، واختصاصات القضاء والأمن والجباية والجمارك وغيرها من المجالات التنظيمية.
الجانب الأميركي، ممثلاً في مسعد بولس، المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي، شدّد على أن اللقاء يندرج في إطار قرار مجلس الأمن 2797، الذي حظي بموافقة جميع الأطراف، بما فيها التي عبرت في البداية عن امتعاضها منه وقت صدوره نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وأضاف بولس؛ صهر الرئيس ترامب، أن هدف هذا اللقاء الدفع نحو تسويةٍ تنهي نزاعاً طال أمده، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل المباحثات، مبرّراً ذلك بخصوصيتها، ومؤكّداً، في الوقت نفسه، أن المفاوضات لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن “تضييع الوقت غير مقبول”، من دون تحديد سقف زمني واضح للجولات المقبلة.
وبالفعل، فإن عامل الزمن يظل حاضراً بقوة، بما أن مجلس الأمن طلب من المبعوث الأممي تقديم إحاطة بما تحقق نهاية إبريل/ نيسان المقبل، ما يعني أن جولة جديدة ستُعقد قبل ذلك التاريخ. وتذهب تقديرات إلى احتمال التوصل إلى إطار اتفاق خلال شهرين، قد يُعلن من البيت الأبيض، بما يتيح للرئيس الأميركي التباهي بتسجيل اختراق دبلوماسي جديد يضاف إلى ما يقدمه باعتباره سجل نجاحاته في تسوية نزاعات دولية أخرى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: هل يمكن فعلاً بلورة حل يرضي جميع الأطراف وفي زمن قياسي؟ بالنسبة لواشنطن، يبدو موقفها ثابتاً منذ اعتراف إدارة ترامب بسيادة المغرب على الإقليم نهاية سنة 2020، في سياق اتفاق التطبيع مع إسرائيل. ومع ذلك، تحاول الإدارة الأميركية الحالية أن تحافظ على توازن دقيق، عبر الدفع نحو حل توافقي تحت مظلة الأمم المتحدة، مع التأكيد أن مقترح الحكم الذاتي الأرضية الواقعية الوحيدة المطروحة.
تعتبر الجزائر عنصراً حاسماً في المعادلة، فهي تؤكّد رسمياً أنها مجرّد “عضو مراقب”، غير أن دعمها السياسي واللوجستي للبوليساريو يجعلها فاعلاً رئيسياً، وطرفاً لا يمكن تجاوزه
القرار الأممي 2797، وإن اعتبر المقترح المغربي أساساً جدياً وذا مصداقية، يشدّد على ضرورة أن يكون “الحل السياسي واقعي وعملي ومقبول من جميع الأطراف”، ويعتبر أن “حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق”، وعبارة “حكم ذاتي حقيقي” تفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة النظام السياسي المغربي، القائم على مركزية قوية وملكية تنفيذية. فهل يمكن تكييف هذا النموذج مع صيغة حكم ذاتي واسع الصلاحيات؟ وهل سيُنظر إلى ذلك خطوة نحو لا مركزية متقدمة داخل إطار الدولة الموحدة، أم بداية لتحول بنيوي أوسع؟ كما أن أي صيغة متقدّمة للحكم الذاتي ستطرح أسئلة داخلية حساسة، من قبيل: ما هو موقع الصحراويين الوحدويين الذين ساندوا السيادة المغربية عقوداً داخل الحل المرتقب؟ وماذا عن باقي الجهات التي قد ترى في الامتيازات الممنوحة لإقليم الصحراء سابقةً تطالب بتعميمها؟ لا تقلّ إدارة هذا التوازن الداخلي، بالنسبة للمغرب، تعقيداً عما يطرحه عليه التفاوض الخارجي من تحديات.
أما جبهة البوليساريو، التي ظلت تتمسك بخيار تقرير المصير، فتجد نفسها أمام معادلة صعبة، لأن جلوسها إلى طاولة مفاوضاتٍ لا تتضمّن سوى المقترح المغربي، يضعها أمام احتمال القبول بحكم ذاتي تحت السيادة المغربية، أو المخاطرة بعزلة سياسية متزايدة. كما أن التحول من خطاب الاستقلال إلى منطق التسوية يقتضي إعادة بناء الثقة مع الرباط، وإقناع قواعدها ولاجئي المخيمات بجدوى حلٍّ لا يطابق السقف الذي رفعته طويلاً وربّت عليه أجيالاً من شعبها في اللجوء.
وتعتبر الجزائر عنصراً حاسماً في المعادلة، فهي تؤكّد رسمياً أنها مجرّد “عضو مراقب”، غير أن دعمها السياسي واللوجستي للبوليساريو يجعلها فاعلاً رئيسياً، وطرفاً لا يمكن تجاوزه، وأي اتفاق نهائي لن يكون قابلاً للحياة من دون موافقتها الضمنية على الأقل. وهنا يبرز سؤال المقابل الذي لا يُطرح علانية، والذي مفاده: ما الذي يمكن أن يدفع الجزائر إلى مباركة تسوية قد تُفهم باعتبارها اعترافاً عملياً بسيادة المغرب على الإقليم، في وقت تضع فيه دولتها قضية الصحراء في صلب عقيدتها الدبلوماسية التي راهنت عليها طيلة عقود وأنفقت عليها مليارات الدولارات؟
جلوس بوليساريو إلى مفاوضاتٍ لا تتضمّن سوى المقترح المغربي، يضعها أمام احتمال القبول بحكم ذاتي تحت السيادة المغربية، أو المخاطرة بعزلة سياسية
لذلك يجب قراءة التصريحات الأميركية التي تشيد بعلاقات واشنطن مع الجزائر، والإشارات إلى اتفاقات دفاعية وتعاون أمني، بما توحي إليه من أن مقاربة الإدارة الأميركية لهذا المشكل لا تقتصر على ملف الصحراء، بل تمتد إلى إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. كما أن حديث بولس، وقبله ستيف ويتكوف، كبير مبعوثي ترامب، وجاريد كوشنر، عن ضرورة تطبيع العلاقات بين الرباط والجزائر مدخلاً للحل، يعكس إدراكاً بأن النزاع يتجاوز حدوده الجغرافية، ليطاول رؤية واشنطن لاستراتيجيتها المستقبلية في المنطقة وفي الإقليم عموماً.
لا شك في أن تسوية تنهي التوتر بين أكبر دولتين في المنطقة ستكون مكسباً لشعوب المغرب العربي من نواكشوط إلى طرابلس، وستفتح آفاقاً للتكامل الاقتصادي والأمني، غير أن الواقعية تقتضي التساؤل عن كلفة هذا التحول، ومن سيتحملها، وما إذا كانت المصالح الأميركية ستتقاطع فعلاً مع مصالح شعوب المنطقة، أم ستتقدّم عليها. ففي المحصلة، تبدو قضية الصحراء أمام منعطف جديد، تتشابك فيه الإرادات المحلية مع رهانات دولية، والنجاح في بلوغ حل دائم لن يتوقف فقط على صياغة نص اتفاق، بل على قدرة الأطراف على بناء ثقة متبادلة، وضمان توازن بين السيادة والوحدة من جهة، ومتطلبات الحكم الذاتي والمشاركة من جهة أخرى. أما الرهان الأكبر، فيبقى أن يكون أي اتفاق ثمرة توافق حقيقي، لا مجرّد تسوية تفرضها موازين قوى لها مصالحها وطموحاتها الخاصة. ففي نهاية المطاف، بولس وويتكوف وكوشنر ورئيسهم ترامب ليسوا فاعلي خير وإنما أصحاب مصالح. وما يجب أن يخشاه الجميع أن يبلغوا مصالحهم على حساب مصالح شعوب المنطقة وأهلها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى