المخاض السوري… عفواً أسعد الشيباني

علي العبدالله

شارك وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في جلستين حواريتين عُقدتا على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، كما أجرى لقاء تلفزيونياً مع قناة سكاي نيوز عربية، أطلق فيها مواقف وتقديرات سياسية عن الوضع الداخلي السوري وإنجازات السلطة خلال العام ونيف من عمرها، والمفاوضات مع الكيان الصهيوني، تستدعي التوقّف عندها.
أوحى في الجلسة الحوارية الأولى بارتباط ما قامت به السلطة في الساحل السوري والسويداء من تجاوزات ومجازر بالمصلحة الوطنية ومصلحة الشعب كانت هي العليا، وحاول التخفيف من فظاعتها بالقول “إن الدولة لم تتنصّل من مسؤوليتها عمّا حصل… وإن المجتمع السوري ممزّق بين الداخل والخارج”. وتحدّث عن إنجازات السلطة: “نشعر بالرضا لما حققناه من إنجازات، ولكننا نسعى إلى أن نقدم الأفضل لشعبنا، ولن نكلّ أو نملّ وسنصل الليل بالنهار حتى نبني سورية التي نطمح إليها إلى جانب شعبنا. نمتلك مصالح عليا نتفق عليها، منها وحدة الأراضي السورية وسلامتها، ونعمل تحت سقف القانون، وهذا المسار بحاجة لثقافة سياسية”. وقال في الجلسة الحوارية الثانية، التي شاركت فيها عضو مجلس الشيوخ الأميركي جين شاهين، “سورية تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل. أطلقنا مقاربة منطقية وواقعية تنطلق من التحدّيات السورية التي نعيشها ونفهمها”. وأضاف: “وضعنا بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 رؤية وطنية شاملة تضم كل السوريين وتؤسس لبناء مؤسسات جديدة تضمن التنوع في سورية وتضمن أن تكون الفرصة متاحة للجميع”. وقال في حديثه عن المفاوضات مع الكيان الصهيوني “إنها تقتصر على إبرام اتفاق أمني يتركز على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد إطاحة المخلوع بشار الأسد، أما مرتفعات الجولان، فقضية أخرى”. وقال في المقابلة مع قناة “سكاي نيوز عربية”، نقلتها يوم 14 فبراير/ شباط الجاري، ردّاً على المخاوف بشأن وضع الأقليات “لا يوجد عنف ضد الأقليات في سورية”، معتبراً ما جرى في الساحل والسويداء “مشاكل مع مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، وتم تصويرها كصراعات طائفية… والأقليات موجودة في الحكومة والبرلمان وكل بيت سوري، والدولة تحميهم”. وتحدّث عن الأوضاع الداخلية بشكل عام: “إن أربعة ملايين منزل دمّر في سورية، وإن مدناً سورية كاملة قصفت”، مؤكداً أن عام 2026 سيشهد انطلاق “عملية تنمية اقتصادية حقيقية تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية والمنازل المدمّرة”، وأشار إلى أن دمشق “نجحت في جلب ما يقارب 60 مليار دولار عبر مذكرات تفاهم وعقود تم توقيعها خلال الفترة الماضية”. وقال بشأن المفاوضات مع الكيان الصهيوني “إسرائيل استغلّت المرحلة الانتقالية في سورية والعلاقة معها متوترة جدّاً”. مؤكّداً التزام حكومته بالمسار الدبلوماسي بقيادة الولايات المتحدة، بهدف تعزيز اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، مع تعديلاتٍ لا تمسّ جوهر الاتفاق أو السيادة السورية. وأضاف أن الشرط الأول والأساسي بالنسبة للحكومة السورية يتمثل في انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وتابع “يمكنني القول إن الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي، سورية جادّة في سعيها لعلاقة هادئة واتفاق أمني وهدنة في المنطقة”.
يحاول الشيباني في مداخلاته وأجوبته تغطية واقع هشّ سياسيّاً وأمنياً، ويسعى إلى كسب مباركة إقليمية ودولية لسلطة لم تحقق نجاحاً في أهم الملفات
واقع الحال أن ما عرضه الشيباني في مداخلاته في الجلستين وفي مقابلته مع قناة سكاي نيوز عربية مزيج من محاولات الالتفاف على الأخطاء وترويج سياسات السلطة والتقديرات المبالغ فيها، فوصفه ما حصل في الساحل والسويداء “مواجهة مع مجموعات خارجة عن القانون” فيه قفز على المجازر التي طاولت مدنيين في المنطقتين، وقوله “لا يوجد عنف ضد الأقليات في سورية”، ليس غير صحيح فقط، بل فيه أيضاً تسترّ متعمّد على وقائع كثيرة، قتل وخطف وإتلاف ممتلكات، تحصل على نحو متواتر ضد أبناء الأقليات؛ والأقلية العلوية في حمص وحماة بشكل خاص، السلطة نفسها تحتجز 51 مواطناً من أبناء السويداء في سجن دمشق المركزي – عدرا اختطفهم بدو المحافظة. وبرّر المحافظ مصطفى بكور احتجازهم بمبادلتهم بمختطفين من البدو لدى الحرس الوطني التابع للشيخ حكمت الهجري. عدا عن أن ثمّة تمييزاً ظاهراً بين المواطنين السوريين تمارسه السلطة على أسس دينية ومذهبية، فمعظم التعيينات في الوزارات والمؤسّسات والإدارات؛ وكل المتطوعين في الجيش وقوات الأمن الداخلي؛ من أبناء السُنّة العرب. أما قوله في الجلسة الحوارية الثانية، “سورية تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل. أطلقنا مقاربة منطقية وواقعية تنطلق من التحديات السورية التي نعيشها ونفهمها… وضعنا بعد الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 رؤية وطنية شاملة تضم كل السوريين وتؤسس لبناء مؤسّسات جديدة تضمن التنوع في سورية وتضمن أن تكون الفرصة متاحة للجميع”، ففيه كثير من الادعاء والمبالغة. أين المنطقية والواقعية بإعمال قوانين السوق ورفع الدعم عن مواد ضرورية لحياة المواطنين، كالخبز والغاز والمازوت والكهرباء وأجور النقل والسفر في بلد 90% من مواطنيه تحت خط الفقر. وأين المنطقية والواقعية في تركيز إصلاحات البنى التحتية في مدينتي دمشق وحلب والتخطيط لبناء أبراج وملعب غولف في بلد مدمّر ومواطنوه ينتظرون بفارغ الصبر بدء إعادة الإعمار علّهم يحصلون على سكن؛ وأين المنطقية والواقعية في تعيين مسؤولين وقائمين بأعمال في سفارات غير مؤهلين للقيام بالمهام الموكلة إليهم نتيجة عدم امتلاكهم المؤهلات المناسبة؛ وأين المنطقية والواقعية في تشكيل وزارة الخارجية ما سُمّيت “الأمانة العامة للشؤون السياسية” والعمل على تحويلها إلى حزب سياسي مهيمن، عرّفت الأمانة نفسها في إعلان في جناحها في معرض دمشق الكتاب بصيغة توحي للقارئ بأنها الحزب الحاكم. وأين هي الرؤية الوطنية الشاملة التي تحدّث عنها الوزير، وأين تجسّدت، في مؤتمر النصر أم في مؤتمر الحوار الوطني أم في الإعلان الدستوري ووضع مفاتيح السلطة بيد رجل واحد… إلخ. وحديثه عن جلب ما يقارب الـ 60 مليار دولار من الاستثمارات مبالغة فاقعة، وتتعارض مع ما أعلنه الرئيس أحمد الشرع منذ قرابة الشهر عن جلب استثمارات بقيمة 28 مليار دولار. من طرائف منطقية وواقعية السلطة إعلانها أن إعادة إعمار البلد تتكلف بين 600 و900 مليار دولار في حين قدّرها البنك الدولي بـ 216 مليار.
ما عرضه الشيباني في مداخلاته في الجلستين في ميونخ وفي مقابلته مع “سكاي نيوز عربية” مزيج من محاولات الالتفاف على الأخطاء وترويج سياسات السلطة
يبقى ما جاء في مداخلاته وأجوبته للقناة التلفزيونية حول الملف الأخطر والأكثر تأثيراً على استقرار البلد وأمنه، المفاوضات مع الكيان الصهيوني، ليس لأنه كرّر لازمة البحث عن الهدوء عبر اتفاق أمني وهدنة، بل لأن ما حصل في جولات المفاوضات يشير إلى تجاهل السلطة طبيعة الموقف وطبيعة العدو، فالكيان الصهيوني اغتصب أرض فلسطين واحتل أراضي سورية ويهدّد أمن الدول العربية عبر مهاجمة بعضها ودعم دعوات الانفصال في أخرى، وتتبنّى حكومته الحالية إقامة “إسرائيل الكبرى”، وبدأت بغض نظر عن تحركات مجموعة “رواد الباشان” التي وضعت حجر أساس لمستوطنة في الأرض السورية التي احتلها الكيان بعد إسقاط النظام البائد، والباشان وفق التوراة تشمل حوران، والجولان، واللجاة، فضلاً عن تبنّيها استراتيجية “السلام بالقوة”، وأن ما طرحته خلال جولات المفاوضات السابقة من شروط حول نزع سلاح في كامل الجنوب السوري وتقييد تسلّح الجيش السوري الجديد بمعارضة امتلاكه أصنافاً محدّدة من الأسلحة المتطوّرة والتقنيات العالية، ورفضها الانسحاب من كل الأراضي التي احتلتها بعد 2024، خصوصاً قمة جبل الشيخ، وتمسكها بما احتلته من أرض؛ نحو 600 كيلومتر مربع، مرتبط بالسيطرة على مياه المنطقة والتحكّم في ظروف حياة سكانها، والسماح لها باستخدام الأجواء السورية خلال عملياتها العسكرية ضد دول أخرى، وتمسّكها بلعب دور في ملف السويداء، بذريعة حماية الموحّدين الدروز. هذا بالإضافة إلى تجاهل السلطة موقف الإدارة الأميركية المنحاز للكيان الصهيوني، وعملها على تحويل الاتفاق الأمني إلى مدخل لاتفاق سياسي كما طرحه في جولة مفاوضات باريس في السادس من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) عبر إنشاء آلية تنسيق مشتركة أميركية إسرائيلية سورية مقرّها عمّان لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والتواصل الدبلوماسي، والقضايا التجارية، وإقامة منطقة صناعية على طول خط الفصل. هذا وقد تجسّدت الكارثة في سرعة الانتقال من مفاوضات أمنية يقودها عسكريون وأمنيون إلى مفاوضات يقودها سياسيون؛ وزير الخارجية بنفسه، ما قد يعني الذهاب إلى التطبيع، على طريقة “يقادون إلى الجحيم بسلاسل من ذهب”.
كان قول الشيباني في الجلسة الحوارية الأولى “تحلّت سورية بالصبر تجاه إسرائيل حتى تمكّنت، بدعم من الولايات المتحدة، من دفعها إلى طاولة التفاوض”، صادماً لجهة الذهاب إلى المفاوضات قبل امتلاك أوراق قوة داخلية عبر طرح مشروعٍ وطني واضح المعالم، يقوم على الشراكة، ووحدة القرار، وحكم القانون، ولامركزية إدارية واضحة ومحدّدة، مدخلاً لرأب الصدع الداخلي وتأمين إجماع وطني، وأخرى عسكرية؛ تطوير القدرات القتالية والتسليحية، وتعزيز موقفها بالتنسيق مع الدول العربية لتشكيل وحدة موقف لمواجهة العدوانية الصهيونية، ومخاطبة المحافل الدولية والإقليمية (الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، مجموعة البريكس، ومنظمة شنغهاي) ومخاطبة الرأي العام العربي والإسلامي والدولي عبر حملات إعلامية مكثفة.
واضح أن الشيباني في مداخلاته وأجوبته يحاول تغطية واقع هش سياسيّاً وأمنياً، ويسعى إلى كسب مباركة إقليمية ودولية لسلطة لم تُحقّق نجاحاً في أهم الملفات: الاندماج الوطني القائم على رضا المواطنين ودعمهم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى