
طغت قضية “وثائق وملفات” جيفري إبستين على اهتمامات الحياة السياسية والإعلامية في الكثير من مراكز القرار في العالم، ودفعت إلى استقالات مسؤولين في حكومات ومراكز تحكم وإدارة، وبدت هذه القضية وكأنها زلزال يهز بعنف أركان السلطة والحكم والمال في عواصم عديدة، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة، وظهر واضحا أن هذه القضية تضع أمام العالم مشهدا كاشفا من المشاهد الحقيقية لتلاقي “السلطة والمال والفساد والجنس والشذوذ، والقيم الساقطة”. والآثار المترتبة على لقاء هذه العناصر.
متابعة هذه القضية وملفاتها مرهق، وعسير على المختصين، فكيف بالعامة من الناس المضطرين ـ نتيجة تدفق المعلومات وبشاعة وهول ما تحتويه ـ للتفاعل والمتابعة والاستماع، فكل يوم يظهر جديدا، وكل ملف يكشف سترا ما كان أحد يدري به. وفي هذا الخضم يظهر سيل من الأخبار المزيفة والموشوشة التي تجعل الوصول إلى الحقيقة عبر المتابعة أمر شاق.
ولأن المتابعة واقع لا مفر منه، قبل أن يكون ضرورة لابد منها، فإننا سنحاول أن نرسم الصورة أمامنا كاملة بالقدر المتاح، حتى يرافق هذا الضخ الإعلامي المتواصل رؤية منا واعية ندرك من خلالها حقيقة هذا الملف، وتأثيراته على مجمل القضايا التي تهمنا، ولهذا الغرض فإنني سأتناول هذا الملف الضخم من زوايا محدد ومتكاملة أتوقع أنها ستكون كافة للمتابعة الواعية وللفهم المفيد، وسأحاول أن أقترب من تفاصيل هذه الملفات “بعين الصقر” التي تعلو بقدر يسمح برؤية الحقيقة وهي هدفنا، دون أن يضيع بالتفاصيل، وهي بلا شك مهمة جدا، ودون أن يضيعها أيضا. وبغرض تحقيق الرؤية سأضع مطالعتي تحت عناوين محددة:
أولا: مسارالقضية
قضية إبستين ليست جديدة، فقد بدأت بداياتها بالظهور في العام 2005، بعد بلاغ من أسرة فتاة قاصرة يشير إلى تعرض ابنتهم للاعتداء الجنسي من قبل إبستين وفي أجواء غير طبيعية، وأعقب هذا البلاغ بلاغات أخرى من عشرات الضحايا، جعلت العدالة وأجهزتها الأمنية تتحرك وتحقق ومن ثم تعتقل الرجل، وفي العام 2008 حكم عليه بالسجن 18 شهرا، الحكم الذي صَنف إبستين بكونه “مجرم جنسي”، ووصف هذا الحكم في حينه بالمخفف، وأثار تطبيقه كثيرا من الريبة والانتقاد حين مُنح الرجل في صفقة مشبوهة برنامج “الإفراج للعمل”، فكان يقضي النهار في مكتبه يسير أعماله، ثم يعود ليلا إلى السجن” الفاخر” لينام فيه، ومن ثم خفض الحكم إلى ثلاثة عشر شهرا.
هذا المسار لملف أبستون لم يغلق بصدور الحكم ودخوله السجن، لأن الرجل لم يتوقف عن عمله ودوره، بل لعله زاد من نشاطه ووسع دائرتها، ولأن تلك الصورة التي ظهرت فيها إدانته الأولى، والاتفاق القضائي المشبوه الذي تم من خلاله التعامل مع هذا الحكم، وظهور المزيد من الضحايا المرتبطين بنشاطاته، أبقته في دائرة الاهتمام، ثم جاء التحقيق الصحفي الذي قامت به الصحفية “جولي كاي براون” ونشرته في صحيفة هيرالد ميامي على حلقات عدة أواخر العام 2018، والذي سلطت فيه الضوء على الصفقة السرية التي منحت إبستن تلك المعاملة المميزة في سجنه‘ أعادت القضية إلى دائرة الضوء الساطع. وشيئا فشيئا تحول هذا الملف إلى قضية رأي عام، تداخلت مع الصراعات والتنافس السياسي، وهو ما أعاد فتح الملف الجنائي لأبستن، وتم اعتقاله من جديد في مطار “تيتربورو” بولاية نيوجرسي في 6 تموز من العام 2019، وكان عائدا بطائرته الخاصة من باريس، لكن الرجل وجد “منتحرا” في زنزانته في 10 اب من العام نفسه.
لكن غياب ابستن عن الحياة لم يؤد إلى اغلاق هذا الملف، ففي الثاني من يوليو 2020 اعتقلت ” جيسلين ماكسويل” مساعدته وشريكته في كل ما قام به من أعمال، وأدينت في 28 يونيو 2022 بست تهم رئيسية تضمنت: تجنيد ونقل والاتجار بقاصرات واستغلالهن جنسيا لصالح إبستين، وتقديمها شهادة زور تحت القسم حين نفت معرفتها بكل هذه المسائل أمام المحكمة عام 2016، وحكم على جيسلين بالسجن عشرين عاما. وأدت المحاكمة وما قدم فيها من شهادات وكشفت من وثائق، والضغوط المتعددة المصادر إلى تدخل الكونغرس الذي أقر في نوفمبر 2025 قانون شفافية ملفات إبستن، ووجهت وزارة العدل إلى نشر الملفات المتعلقة بهذه القضية. وبدأت الوزارة عملية النشر متأخرة عن الثلاثين يوما التي حددها القانون. وجاء تبرير هذا التأخير بدعوى التنقية لأسباب حددتها الوزارة.
ثانيا: حجم الملفات
الاستعراض السابق لمسار القضية يكشف أن جوانب هذه القضية بدأت تظهر تدريجيا، منذ العام 1985، ثم ظهر المزيد بين عامي 1990 ـ 1997، لكن هذا الظهور كان جزئيا وعابرا، بزعم أن القضية كلها كانت “تحت السيطرة”، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، وفي العام 2024 بدأ الانفجار الفعلي لهذه الملفات حيث تم بأمر المحكمة أولا نشر 943 وثيقة، ثم بدأ تدفق الوثائق فنشر في العام 2025 بنشر نحو ثلاثين ألف وثيقة، وفي العام 2026 واستجابة للقانون الذي أصدره الكونغرس فتحت وزارة العدل خزانة وثائق هذه القضية، فارتفع عدد الوثائق المنشورة إلى نحو 3،5 مليون وثيقة، وتقدر المصادر المتابعة أن عدد الوثائق المرتبطة بهذه القضية تصل إلى نحو ستة ملايين وثيقة.
ورغم هذا الحجم الهائل من الوثائق فإن ما نشر لم يكن بذاته كاملا، كذلك لم يكن هذا كل ما لدى وزارة العدل والوزارات والجهات المختصة بشأن هذه القضية. وذكرت وزارة العدل أنها حجبت ملفات أو أجزاء معينة بدواعي “حماية الضحايا والخصوصية وسلامة التحقيقات والمصادر وأساليب العمل الأمني، وقواعد الامتيازات القانونية، وبيانات طرف ثالث”.
ثالثا: إبستين ومساعدته
جيفري إبستن يهودي ولد في بروكلن بنيويورك في 20 يناير / كانون الثاني 1953، أي أنه حين قضى كان عمره 66 عاما، لم يكمل تعليمه، وبالتالي لا يملك شهادة جامعية، دخل عالم المال عبر عمله في أحد البنوك في أواخر السبعينات بتقديمه سيرة ذاتية قيل إنها كانت مزيفة، ثم أسس شركة إدارة ثروات خاصة، وتحول بدءا من التسعينات إلى شخصية محورية ذات ثروة طائلة قدرت بنحو 600 مليون دولار، تدير شبكة علاقات، واسعة ومتعددة ومعقدة.
مهم أن ندرك هنا أن الرجل ليس وليد مجتمع الأثرياء في الولايات المتحدة، إذ لا صلة عائلية له بأُسر البنوك، ولا النفط، ولا شركات السلاح، ولا التكنولوجيا، ولا التصنيع، ولا الفضاء، ولا الذكاء الاصطناعي.
وهو ليس وليد مجتمع العلم والمعرفة، فهو ليس من مفكري ومبدعي المجتمع الأمريكي، ولا من كتابه وعليته الثقافية، ولا هو خريج جامعات عريقة تفتح بطبيعتها الأبواب المغلقة لخريجيها كجامعة هارفرد، وجامعة ستانفورد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ونظائر هذه المراكز العلمية، وهو أصلا لم يدخل جامعة، ولم تعرف عنه ألمعية خاصة في أي مجال من مجالات العطاء والتميز.
ومع ذلك فخلال سنوات قليلة تحول إلى مليونير، يملك عقارات وجزر وطائرات، وبنى شبكة علاقات في الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم، لم يعرف لها نظير. وصار رجلا يشار إليه بالبنان، ويدعى إلى المؤتمرات والمنتديات، بل وتقدم له دعوات فاخرة يكون حضوره فيها شرفا للمؤتمر والمنتدى وليس العكس.
إن هذا المسار في حياة الرجل ليس طبيعيا، وهو يستدعي التحليل والتتبع، لأنه مسار يشي بأن الرجل تقدم على هذا الطريق ليس منفردا، ولا بجهد شخصي، وليس لكونه يقدم خدمات مميزة بغض النظر عن مشروعيتها أو عدم مشروعيتها، وإنما جاء ليقوم بدور معين، ووضعت تحت يده وامتلك الوسائل التي تمكنه من ذلك.
ومساعدته غيسلين ماكسويل هي ابنة رجل الإعلام والنشر البريطاني اليهودي روبرت ماكسويل (مالك مجموعة ميرور)، الذي عثر عليه ميتا بالقرب من يخته قبالة جزر الكناري في 5 نوفمبر/ تشرين ثاني 1991، وقد ارتبطت خواتيم حياته بفضيحة مالية إذ اختلس مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية من صناديق تقاعد موظفيه بزعم وقف انهيار شركاته، وجاءت وفاته بمثابة لغز لم يحل حتى الآن.
وغيلسين من مواليد 25 ديسمبر/ كانون أول 1961، وقد دخلت على خط إبستين أواخر الثمانينات أوائل التسعينيات، أي بتزامن واضح مع أفول نجم أبيها، وكذلك مع بدء النمو المشبوه لإبستين.
والتهم التي أدينت بها تدل على أنها كانت شريكة إبستين في كل ما كان يقوم به، وأنها كانت الوجه النسائي في الشبكة التي أدارت هذا العمل كله، وكانت تقوم بترتيب شؤون الفتيات القاصرات اللواتي يقعن في المصيدة، وتنظم المواعيد، وشؤون السفر والانتقال، وكل ما تحتاجه هذه الأجواء.
رابعا: نشاط إبستين.. النطاق والأدوات
في كل ما ذكرته الملفات والوثائق أن الرجل ومساعدته عملا على بناء شبكة علاقات واسعة، امتدت من رجالات السياسة والقرار في الولايات المتحدة وفي كل العالم الغربي، والدول الصديقة في مختلف انحاء العالم، وصولا إلى عدد لا يستهان به من رجال الثراء والمال، والإعلام، والفن، والتأثير.
واعتمد في إقامة هذه الشبكة على الصفقات المالية، وتبادل المعلومات السرية، والهدايا، والرشى، وتوفير الجنس غير المقيد، والحفلات الماجنة، واستغلال القاصرات لإشباع النهم الجنسي عند الشاذين من علية القوم. وبنى وشريكته شبكة دعارة سرية قائمة على استغلال القاصرات، وحتى خطفهن، ووصل الأمر إلى حد القتل، وانتشرت معلومات عن طقوس تخللت حفلاته تضمنت فيما تضمنت تناول لحوم الضحايا من الاطفال.
وكان الهدف من كل ذلك، توفير أجواء تساعد على تبادل المعلومات السرية الأمنية والمالية، والتكنولوجية، وتمرير الصفقات، ودفع عملائه الغارقين في ملذاته لاتخاذ مواقف وقرارات معينة في بلدانهم أو شركاتهم ومؤسساتهم، ومنع تشكل أي تجمع أو لقاء أو موقف لا يتوافق مع إرادة من يقف وراء هذا العمل كله.
كل هذا تكشفه مراسلات إبستين، وسجل تحرك طائرته، وأسماء ضيوفه، كما تكشفه التحويلات النقدية، والهدايا غير المبررة، وتقارير الجهات الأمنية والدبلوماسية المختصة.
وأقيمت لأجل هذا الهدف أماكن محددة كلها يملكها إبستين، وتخضع لإدارته، وأشهرها وأهمها جزيرة “ليتل سانت جيمس” الخاصة التي كان يملكها الرجل قبل وفاته، ويمتلك إلى جانبها وقريبة منها جزيرة أخرى، وكلا الجزيرتين ضمن ما يعرف بجزر العذراء الامريكية في البحر الكاريبي، واشتراها في العام 1998 بنحو 7،5 مليون دولار، وتبلغ مساحتها قرابة 75 فدانا، وقد هيأها لهذه المهمة، حتى أطلق البعض عليها اسم ” جنة إبستين”، وإليها كان ينقل “السبايا أو الرقيق الأبيض” من الفتيات القاصرات، كما كان ينقل إليها بطائرته الخاصة كبار الرجال والنساء والشخصيات المستهدفة.
ومما يدل على سطوته أن كل شيء في الجزيرة كان موضوعا تحت الرقابة العلنية، فكمرات التصوير في كل مكان في الجزيرة، وفي أماكنه الأخرى خارج الجزيرة، لم يكن الأمر سرا، بل كان علنيا معلوما ومعروفا للجميع، لجميع الضيوف، ولجميع العاملين في الجزيرة التي كان يخدمها مئات الأشخاص.
كانت الكاميرات تصور كل شيء، نعم كل شيء، دون قيد، ودون تحفظ، وكانت هذه كلها وثائق يحتفظ بها، ولعل هذا ما يفسر الحجم الهائل للوثائق والسجلات الخاصة بهذه القضية. وقد تضمن ما نشر ضمن الثلاثة ملايين صفحة التي نشرت من الوثائق ألفي فيديو، و180 ألف صورة.
نتيجة قيود النشر تم حجب أسماء ومعلومات ووقائع كثيرة، وما زال الكثير ينتظر النشر، وقد ظهرت علاقات مالية مشبوهة كثيرة، واتصالات مخالفة للقوانين، وكشفت محادثات مسجلة ورسائل متبادلة قدرة إبستن في التأثير على توزير أصدقائه في حكومات ” الدول الصديقة”، واتخاذه مستشارا للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قبل أن يكون رئيس لفرنسا وبعد أن صار.
سادسا: توصيف شبكة إبستين
ابستين كان يدير شبكة دعارة عمادها الرئيس الفتيات القاصرات، وشبكة فساد مالي وأخلاقي، وشبكة نفوذ اجتماعي وسياسي، لكن الأمر لا يقتصر على هذه الجرائم رغم هولها، فقد كان يوظف هذا كله لتحقيق أهداف أخطر من هذه بكثير، لقد كانت هذه مجرد وسائل، صحيح وأكيد أنها وسائل مخالفة للقانون، وعدوانية، وبشعة، وصادمة لكل القيم الإنسانية، لكنها لم تتعد أن تكون مجرد “وسائل” لأغراض يرى إبستين، ومن معه ووراءه، أنها تستأهل أن ترتكب لأجلها كل هذه الجرائم. وأن يبذل للوصول إليها كل هذا الجهد.
في برنامج تلفزيوني ظهرت فيه “كارينا شولياك” الأوكرانية الامريكية التي توصف بأنها عشيقة إبستن: وقدمت وصفا تقشعر له الأبدان لطبيعة ما كان يحدث في الجزيرة، وكيف كان الجميع مشترك في هذه الأفعال، وهي في كل ما عرضت أكدت أن إبستين ـ وكانت هي آخر من تحدث إليه قبل وفاته، وقد ترك لها جزءا وافرا من ثروته ـ لم يكن يقدم على شيء بدون سبب، كان يدرك ما يفعل، ولم يكن الأمر مجرد شبكة دعارة، أو لتحقيق مكاسب مادية معينة، ثم إنها تؤكد أن جميع من كان يأتي إلى قلعته / جزيرته، كان يدرك المكانة الخاصة له، وكان يقر له بالقيادة والريادة.
في كل يوم يكشف عن جديد في هذه الفضيحة، جديد من الأسماء والأفعال، وجديد من الاستهدافات، وما كشف عنه حتى اليوم وقد تجاوز 150 إسما من مختلف الدول وفي مختلف المستويات والمسؤوليات يكفي للاستدلال على وظيفة هذه الشبكة.
من هؤلاء الذي ذكروا كثيرا جدا في مراسلات إبستين الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وزوجته هيلاري كلينتون مرشحة الرئاسة ووزيرة الخارجية السابقة، ورئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق إيهود باراك، والأمير البريطاني أندرو، وبيل غيتس، والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، والملياردير البريطاني ريتشارد برانسون مؤسس مجموعة “فيرجن”، وبيتر ماندلسون مستشار رئيس الوزراء البريطاني الذي تلقى هدية نقدية من غبستين بلغت 75 الف جنيه إسترليني، وكاسي واسيرمان رئيس اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية لعام 2028 في لوس انجليس، والملياردير سيرجي برين المؤسس المشارك لشركة غوغل، وستيف بانون المستشار السابق لترامب، وميروسلاف لايتشاك مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء السوفاكي، وجيس ستالي الرئيس التنفيذي لبنك باركليز، وجوكو أدريانسن مدير مختبر الإعلام في إم أي تي.
كما كشفت رسائل عن صداقة مميزة كانت تجمع ولية عهد النرويج “ميت ـ ماريت” مع إبستين، وقد سمحت هذه الصداقة بورود اسمها نحو ألف مرة في الوثائق المنشورة، ولم تقتصر هذه الصداقة على ولية العهد الترويجية وإنما طالت آخرين من حولها.
ومن ضمن من ورد ذكره في هذه الوثائق أيضا رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي، الذي تلقى نصائح من إبستين حول زيارته للكيان الصهيوني عام 2017، وهي أول زيارة لرئيس وزراء هندي الى الكيان منذ بدء العلاقات بين البلدين
كما ذكرت في المراسلات أسماء عدد من أفراد العائلات الحاكمة في المنطقة العربية والشخصيات المؤثرة في دوائر الحكم، ومن قادة المنظمات العربية والإقليمية المؤثرة في المنطقة، وقد ذكرت بعض الأسماء مئات المرات، حيث تم تبادل المعلومات، وتقديم الخدمات، وتخلل ذلك عبارات تشي بكثير من العواطف والمشاركة في الخصوصيات.
وكشفت رسالة تضمنت دعوة إبستين لحضور منتدى متعدد الأغراض في إحدى دول الخليج العربية، المكانة المميزة جدا لهذا الرجل، حيث تضمنت الدعوة تقديم كشف له بأسماء من سيحضر المنتدى ومنهم مسؤولون من دول عربية وإسلامية، وخُصص له مكان إقامة مميز، وحضر بطائرته الخاصة. كما كشفت رسائل أخرى عن تلقيه هدية هي عبارة عن قطع من “كسوة الكعبة المشرفة”.
مهم أن نذكر هنا أن كل وسائل الإعلام، ووكالات الأنباء، حرصت وهي تنشر هذه الأخبارـ من قبيل توقي الملاحقة القانونية ـ على تأكيد أن ذكر الأسماء لا يعني الإدانة، وأن كل شيء مرهون بنتائج التحقيقات.
وهذا صحيح بلا شك، ويجب الانتباه إليه، حتى لا تلقى التهم جزافا، لكن هذه الصحة لا يجوز أن تمنعنا من التنبه إلى أن مجرد ذكر الإسم في ملفات هذا الرجل يوقع صاحبه في “دائرة الشبهة”، وتزداد هذه الشبهة إذا تنبهنا إلى حقيقة أن كل ما تم نشره ـ أو لنقل معظم ما تم نشره ـ من اتصالات وعلاقات وزيارات ودعوات وتبادل منافع قد وقع في تاريخ أعقب إدانة إبستين وسجنه للمرة الأولى، أي بعد العام 2008، أي بعد أن وصفه حكم قضائي بأنه “مجرم جنسي”، لكن يبدو أنه لم يكن لهذا الوصف اعتبار أو قيمة عند من أقاموا هذه العلاقات مع إبستين، واعتزوا بمكانتهم عنده. أي أن “مجتمع النخبة” لم يحفل بالقيمة الأخلاقية لحكم القضاء.
نحن أمام فضيحة مدوية، جنسية وأخلاقية وسياسية، تطال رؤوس في الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، وفي أماكن عديدة من عواصم العلم الغربي وغير الغربي، لكن الأمر أكبر من حدود ومفهوم الفضيحة وأشد خطورة.
سابعا: المشهد من المنصة الأمريكية
رغم أهمية وخطورة ما فعلته هذه القضية على الساحة الأوربي من استقالات واعتذارات، وهو ما دعت الصحافة إلى تسميته بالزلزال، وتوقعات المدى الذي يمكن أن يصل إليه، والخطر الذي يمكن أن يمثله ” سم إبستين” على الحياة السياسية والقوى السياسية الأوربية، إلا أن المشهد الحقيقي والرئيسي نتابعه في الولايات المتحدة، ففيها موقع الحدث ومركزه، وهي الدولة الأكبر والأقوى في العالم، ولأن معظم المتورطين فيه من المتحكمين في القرار السياسي والاقتصادي والأمني في الولايات المتحدة. ومن الممثلين لما يعرف ب “الدولة العميقة”، وكذلك “القوة الناعمة” لهذا المجتمع.
وما يحدث في واشنطن إزاء هذا الملف يثير الريبة، فقد رفضت غيسلين ماكسويل ـ الوجه الآخر لإبستين ـ وهي في سجنها الإجابة على أسئلة لجنة الرقابة والتحقيقات في مجلس النواب خلال جلسة قصيرة يوم 9 / 2 / مشترطة الحصول أولا على عفو رئاسي، لكن اللجنة رفضت الطلب.
ورفضت هيلاري كيلنتون وزوجها اللذين ذكرا كثيرا في الوثائق المثول أمام الكونغرس للإدلاء بشهادتيهما مشترطَين أن تكون الجلسة علنية، وتحت سمع وبصر الصحافة والجمهور.
وقبل أيام هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي له حضور مهم في الوثائق بكشف أسرار لها علاقة بأحداث تاريخية كبرى مثل (اغتيال كنيدي، هجمات 11 سبتمبر، حرب الخليج) وملفات أخرى، إن لم يتوقف الضغط عليه بشأن هذه القضية، وتداول الطرفان، ترامب وكلينتون تهديدات تفيد ب ” تدمير المعبد على من فيه” إن استخدمت هذه الملفات في الصراعات والتنافسات الداخلية، وفي تصريحات له أول فبراير قال ترامب الذي حظي إبستين منه بمديح معتبر، وخصوصا لخياراته النسائية: إن وثائق إبستين الجديدة لا تدينه، بل تبرئه، كما طالب في تصريح له يوم 4 / 2 تخطي هذه الفضيحة بإغلاق بابها، والانصراف إلى قضايا أخرى تهم المجتمع الأمريكي.
وانشغلت اللجان المختصة في الكونغرس، وكذلك الصحافة في متابعة الشهادات التي يدلي بها اشخاص ذوي علاقة بهذه الملفات، وفي كل هذه الشهادات، توكيد على المعاني والمشاهد التي أتينا على ذكرها، وتقديم لتفاصيل أكثر، ودلالات أعمق.
ثامنا: إبستين والقارة الافريقية
وسلطت صحف فرنسية ” ولوموند، لوفيغارو” الضوء على بعض ما ورد في ملفات ابستين المنشورة عن تغلغل مخيف لشبكة إبستين في مفاصل القارة الافريقية ونسج شبكة معقدة ضمت رؤساء ووزراء ووسطاء نفوذ أفارقة، في السنغال، وفي ساحل العاج، ورواندا، ولمع اسم “كريم واد” نجل الرئيس السنغالي الراحل عبد الله واد الذي قدم له إبستين دعما ماليا بقيمة مئة ألف دولار لعمل لوبي في واشنطن، وقد ورد اسم كريم أكثر من خمسمائة مرة في المراسلات بينه وبين إبستين، ومنها ما يخص برغبة الأخير في الحصول على منزل في المغرب. وظهرت مكانة “نينا كيتا” ابنة اخت الرئيس الحسن واتارا وهي عارضة أزياء سابقة باعتبارها عرابة صفقة بيع أنظمة مراقبة إسرائيلية لساحل العاج، وظهرت في طلبات إبستين وبحثه عن فتيات دون سن 25 سنة.
وكشفت لوموند أن إبستين حاول تلميع صورته في إفريقيا عبر بوابة العمل الخيري حيث تقرب من الرئيس الرواندي بول كاغامي تحت غطاء تمويل منح دراسية، ورافق الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في رحلته إلى افريقيا عام 2002، وهي الرحلة التي سجل فيها تقرير لمكتب التحقيقات الفدرالي قيام إبستين بالتحرش بإحدى الفتيات الأربعة اللواتي كن يقمن بالخدمة على متن الطائرة.
تاسعا: إعادة تركيب الصورة
في التغطية الاعلامية الغربية الراهنة هناك تركيز شديد على شخصية إبستين باعتباره صانع هذه “الإمبراطورية من الفساد الأخلاقي الجنسي والمالي”، وأن الشبكة من العلاقات التي أقامها إنما كانت تستهدف فيما تستهدف توفير مظلة امنية وسياسية لنشاطاته، وهي تصفه بأنه كان “محتالا عديم الضمير”، وبأنه فيما قام به على مختلف الأصعدة كان الشيطان بعينه، ولا شك أن جزءا من هذه الكلام صحيح، لقد كان “شيطانا محتالا عديم الضمير”، لكن هذا التوصيف يصبح توصيفنا خطأ تاما إذا وظفناه في إطار اعتبار أن الفعل كله لا يعدو أن يكون عملا فردا حتى ولو ساعده على إنجازه بعض الأشخاص.
نحن بحاجة إلى توصيف صحيح لهذه القضية، توصيف يسمح بفهم كيف استطاع رجل لا يملك مزايا خاصة غير انعدام الضمير، والقدرة على ممارسة الفساد والفحش بكل أنواعه أن يصبح مليونيرا، ثم أن يوظف طبقة سياسية ذات سطوة في مختلف أنحاء العالم، رؤساء دول، ووزراء، وأمراء في أسر حاكمة، ومستشارين، وأن يضم إلى حظيرته رجال علم وتكنولوجيا، ومفكرين وأدباء على أعلى المستويات العالمية، وفنانين لهم مكانتهم وشهرتهم، وأن يغمس الجميع في وبال أعماله القذرة. ويصبح هؤلاء جميعا أدواته في بناء شبكته، ويصبح هو بالنسبة لكل هؤلاء مثلا أعلى يعتز الجميع بمعرفته والعلاقة معه، ويطلب الجميع مساعدته لتحقيق أغراضهم وتطلعاتهم، وكل ذلك في فترة قصيرة جدا قد لا تتجاوز عقدين من الزمن.
إن هذه الطبقة من رجال السياسة والقرار، ومن العلماء والمبدعين، وأصحاب الشركات الرائدة، والمليارديرين، وقادة الفكر والرأي، ومراكز الأبحاث العلمية والفكرية، والنافذين من رجال القانون، ليسوا أشخاصا مغمورين في المجتمع، أي مجتمع.
وفي المجتمعات المتقدمة فإن هؤلاء وأمثالهم يكونون دائما تحت عين وبصر أجهزة الأمن، لمكانتهم في المجتمع، ولخطورة ما يحملونه ويقومون به من أعمال، ولأنهم هدفا مباشر للقوى الخارجية، وبالتالي فإن أمنهم يصبح جزءا من مفهوم “الأمن القومي لكل بلد”، وإذا كنا نتحدث عن الولايات المتحدة، فليس من المعقول أن يكون هؤلاء خارج اهتمام ومتابعة أجهزة المخابرات الامريكية على اختلاف مسمياتها ومسؤولياتها، وإذا كنا نتحدث عن الاتحاد الأوربي، فليس من المعقول أن تكون مراكز القرار والحكم والثروة والأسر المالكة والقوى الحاكمة خارج متابعة أجهزة الأمن المختلفة. وكذلك الأمر بالنسبة روسيا الاتحادية وجهازها الأمني فإن كل هذا هو مما يعنيها مباشرة. وقبل هؤلاء ومن داخلهم تبرز أجهزة الأمن الإسرائيلية وفي مقدمتها الموساد.
من صحة التفكير أن نعتبر أن كل ما قام به جيفري إبستين كان تحت عين وبصر هذه الأجهزة منذ الأيام الأولى لبناء هذه الشبكة، بل يصح اعتبار أن بعضها وخصوصا الأمريكية والإسرائيلية كانت وراء بناء هذه الشبكة، كذلك علينا أن نتيقن بأن جميع هذه الأجهزة كانت ترى فيما يقوم به إبستين منفعة لها.
ومن صحة التفكير أيضا أن نبحث عما يجمع كل أجهزة الاستخبارات هذه على التكتم على عمل شبكة إبستين، خصوصا بعد خروجه من سجنه في المرة الأولى، أي بعد أن أدانه القضاء ووسمه بصفة “مجرم جنسي”.
ويبقى السؤال لماذا رفع الغطاء عن هذه الشبكة الشيطانية، وتم الكشف عن الأطراف أو بعض الأطراف المنغمسة فيها؟
لا شك أن كثرة ضحايا الاعتداءات الجنسية وبالتالي الشكايات كان له دور في إبقاء هذه القضية تحت الأضواء، وذكر أن عدد الضحايا كان بالمئات، وقد كن من كل الجنسيات الأمريكية والروسية والأوكرانية والفرنسية وحتى الإفريقية، لكن هذا لا يكفي جوابا لذلك السؤال، فالرجل أدين في العام 2008، وحكم عليه بالسجن ثم خرج بصفقة تواطأ فيها القضاء لصالحه، خرج ليتابع نشاطه الذي لم ينقطع، بهمة أكبر وليوسع نطاقه، أفقيا وعموديا.
ولا شك أن التحقيق الصحفي الذي أنجزته الصحفية “جولي كاي براون” ونشرته في أواخر العام 2018 كان له دور في تحريك الرأي العام، وبالتالي في تكوين قوة ضغط اجتماعية لفتح هذا الملف، وهنا يظهر بعض الجوانب الإيجابية للديموقراطية المبنية على حرية الصحافة، والتنافس السياسي.
ولا شك أن كشف تلك الصفقة المشبوهة التي عقدت مع إبستين والتي جعلته يقضي بعضا من محكوميته الأولى وهو في حالة حرية “شبة كاملة”، وفي حصانة من أي ملاحقة، هو ومن يلوذ به، كان له دور في الدفع بهذه القضية إلى الأضواء المباشرة، لتتحول الى قضية رأي عام لا يجدي معها طلب الرئيس ترامب بضرورة اغلاق هذا الملف.
كل ما سبق لا شك في أثره ودوره في رفع الغطاء عن شبكة إبستين، لكنه ليس كافيا لفهم حقيقة ما تم، وحقيقة الدافع لجعل هذا التوقيت بالذات يعتمد لفضح هذه الشبكة.
هناك مؤشرات كثيرة في التصريحات والاتفاقات والوساطات التي ذكرت وكان إبستين طرفا فيها أن الموساد الإسرائيلي كان المحرك الرئيسي لهذه الشبكة، وكانت استهدافاتها الرئيسية تحقيق مصلحة الكيان الإسرائيلي والحركة الصهيونية، وأن الأمر لم يقتصر على تبادل المعلومات والصفقات التي تصب في مصلحتهما، وإنما تتعدى ذلك إلى تهيئة الأرضية الفكرية والسياسية والأخلاقية في الكثير من دول العالم لتمرير المخططات الرامية لتفكيك القيم الدينية والأخلاقية التي تحكم هذه المجتمعات، وتفكيك عوامل القوة فيها، وإحداث حالة انهيار أخلاقي تظهر القوى القائدة جميعها: مفكرين، كتابا، أدباء ، أصحاب شركات ومشروعات تكنولوجية، اسر حاكمة، سياسيين يشار اليهم بالبنان، قادة اجتماعيين… الخ، تظهر هؤلاء جميعا عراة دون أي قيم، منافقين دون أي ضمير، كذابين دون حياء، لا يقلقهم الفعل الشنيع ذاته، بقدر ما يقلقهم أن يعرف المجتمع بفعلهم.
وحين يصبح إبستين المثل الأعلى لهؤلاء، وهو ما كشفت عنه هذه الملفات فإن الانهيار الاجتماعي يصبح هو رد الفعل المتوقع، وتصبح الفوضى هي النتيجة بعد أن سقطت مكانة وقيمة هذه النخبة، ومثل هذا السيناريو مما تعمل عليه الحركة الصهيونية دائما.
ولعل هذا هو الدافع لرفع الغطاء عن شبكة إبستين، وقد جاء التوقيت في خضم التنافس السياسي الذي يعصف بالولايات المتحدة، وبدول الاتحاد الأوربي، وفي ظل أزمة حقيقية يمر بها المجتمع الدولي الذي خرج من حقبة الانقسام إلى معسكرين، ولم يستقر بعد على حال، في ظل عجز أمريكي وأوربي عن حمل هذا العبء، وفي ظل محاولات لتشكيل تحالفات دولية جديدة، وتطلع إسرائيلي ليكون لهذا الكيان الغاصب الدور المركزي في المنطقة.
وإذا كان تحقيق إسقاط قيمة ومكانة “النخبة الاجتماعية”، والدفع بالمجتمعات على طريق الفوضى في لحظة تاريخية فارقة، هدفا للكشف عن هذه الشبكة وأفعالها، فإن سؤالا آخر لابد من الإجابة عليه لفهم الحدث كله، كيف استطاع هذا الشيطان وشبكته أن يوقع كل هؤلاء الناس، كل هذه النخبة، التي لا ينقصها علم، ولا معرفة، ولا مال، ولا سلطة، ولا مكانة.
لقد كان واضحا أن المفقود الرئيس عند هذه النخبة هي: القيم والأخلاق، هي الموازين، “موازين القيمة” التي توزن بها الأفعال والأعمال. ولم يكن هذا “الافتقاد” نقصا في معرفة هؤلاء، وإنما لكون طبيعة منهجهم في الحياة يفتقد تلك الموازين، ففي منهجهم أحلوا “المادة، والمنفعة، واللذة” محل الأخلاق والقيم، وجعلوها ميزانهم، والمادة والمنفعة واللذة تشيىء كل مكونات المجتمع، وفي المقدمة منه “الإنسان”، فلا يعود الانسان كائنا مميزا يملك قيمة مستقلة عن غيره من مكونات المجتمع، وإنما مجرد شيء من الأشياء التي يتكون منها المجتمع، قد يكون أفضل من الكلب أو السيارة، وقد تكون السيارة أو الكلب أفضل منه، وهذه هي “العلمانية” في جوهرها الصلب، كما حللها وكشفها المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري.
لقد استند إبستن ومَن معه إلى حقيقة أن ليس في العلمانية أخلاق، إلا تلك التي توفر المتعة واللذة، وتحقق السيطرة والقوة، واستطاع إبستين أن يستغل هذا الأساس “الفلسفي / المنهجي” الذي يحكم “مجموعات النخبة” في مختلف المجتمعات التي وصل إليها، لذلك استطاع أن ينجح فيما قام به.
إستانبول 17 / 2 / 2026




