إبستين… و”وحوش” غرامشي

ليلى الشايب

ينام العالم ويصحو على اسم جيفري إبستين ووثائقه التي كُشف عددٌ هائلٌ منها، ولا يزال عددٌ آخر لا يقلّ عنها أهميةً طيَّ التحفّظ والكتمان. فضيحةُ العصر التي من سوء حظّ الضالعين فيها انكشافُها في زمنِ ضخٍّ معلوماتيٍّ فوريٍّ غير مسبوق بالنصّ والصورة والصوت، عابرٍ للجغرافيا ولفارق التوقيت بين القارّات والدول. وعلى عكس طفرات أحداثٍ مثيرةٍ سابقةٍ استُنزفت بسرعة، لا يبدو أن “ملفّات إبستين” ستُغلق قريباً، بل قد يُقال قريباً إن “ما بعد إبستين ليس كما قبله”.
تجيب قضية إبستين، من دون قصد وبشكلٍ مثيرٍ للاهتمام والاستغراب، عن تساؤلاتٍ ظلّت عالقةً زمناً عن أسبابٍ ومسبّبات أفعالٍ ومواقف محدّدة لأطرافٍ بعينها تجاه أحداثٍ وقضايا بعينها أيضاً، وتربط بين أحداثٍ غير مفهومةٍ أو غير مكتملة العناصر والفاعلين فيها المحتمَلين ومَن جهدوا في النأي بأنفسهم عنها بالطرق كلّها. والأهم: قدّمت هذه الوثائق قدراً لا يُستهان به من التفسيرين، النفسي والأخلاقي، وراء أفعالٍ وممارساتٍ تُوصف اليوم بالوحشية في عصرٍ يُفترض أنه عصر التمدّن وقمة الحضارة والتحضّر. ومرةً أخرى، تُستحضر غزّة لتستقرّ في قلب هذه التساؤلات والانكشافات؛ عن شلالات الدم التي سالت في أرضها عامَين، وعن أطفالٍ قُطّعت أوصالهم أو قضوا من شدّة الجوع ثم البرد، وآخرين تيتّموا وتاهوا بين معالم طرقاتٍ وخيامٍ متطايرة، وسالت الدموع على خدودهم الكالحة حتى جفّت، ولم ترفّ لها جفون “الكبار” ممَّن شنّوا عليهم حربَ العصر، ومن دعموها، ومن برّروا لها، ومن أرادوا طمس آثارها وطيَّ صفحتها سريعاً لينسى العالم، ولتُعاد برمجة ذاكرته التي تأبى إعادة البرمجة هذه المرّة.
جزيرة إبستين أو “ليتل سانت جيمس” ليست نائيةً ومخفيّةً عن الأنظار جغرافياً فقط، بل مجازاً أيضاً
ليس بديهياً بالمرّة أن يكتشف العالم، أو على الأقلّ قطاعات واسعة منه، أن سياسيين كباراً ومؤثّرين بشدّة في صياغته وتشكيل أحداثه، هم في الحقيقة يعيشون في بُعدٍ آخر منه ويتفاعلون مع هذه الأحداث من بُعدٍ آخر أيضاً، وفي المحصّلة الذهنية لمواطني العالم العاديين والأسوياء، لم يعد ممكناً تصنيف هؤلاء السياسيين “بشراً” مثلهم، وهذا صادم وخطير يُحدِث قطيعة أساسها أن هؤلاء لم يعودوا يمثّلونهم، لأنهم لا يشبهونهم ولا يتبنّون قضاياهم ولا يدافعون عن مصالحهم، بل عن مصالح أطرافٍ أخرى، بعضها مجهول، وإن حرصوا على تبنّي خطابٍ يوحي بغير ذلك. قد يجادل بعضهم في أن السياسة تتحمّل شيئاً من هذا باعتبار هامش “الممكن” والمناورة والبراغماتية الذي تسمح به وتستوعبه، وفي هذا قولٌ كثير. أمّا أن يطاول السوء مجال الفكر والأكاديميا والعلم والطبّ والمؤتمنين على حياة البشر وسلامتهم، فتلك الطامّة الكبرى التي خلخلت مسلّماتٍ كثيرة وهزّت الثقة هزّاً عنيفاً. بيل غيتس وستيف هوكينغ ونعوم تشومسكي، وربّما آخرون من طينتهم، لم نسمع عنهم بعد، وهم صفوة الصفوة، مثّلوا لسوء الحظّ مجمل النُّخب الغربية وحمّلوها وزر ما اقترفوه، بمجرّد وجودهم في مكانٍ واحد إلى جانب جيفري إبستين وأعوانه أو زبانيته، ولن تشفع لهم تصريحات التبرير والتعويم والإنكار التي أطلقوها واستماتوا في محاولة إضفاء شيءٍ من الصدقية عليها من دون جدوى. وفي حالة الصدمة الكونية المستمرّة، من الصعب الفرز والتمييز، زادهما صعوبة صمتُ قسمٍ لا يُستهان به من تلك النُّخب ذاتها في أوروبا وأميركا عن فظائع حيّة مباشرة على الهواء، صمتت خوفاً أو طمعاً أو انحيازاً واعياً، ربّما يحدث الفرز لاحقاً، وفي نطاقٍ ضيقٍ جدّاً.
جزيرة إبستين (أو ليتل سانت جيمس) البعيدة المنعزلة في مكانٍ ما في البحر الكاريبي ضمن مجموعة الجزر العذراء (ويا لمصادفة الاسم مرّةً أخرى)، ليست نائيةً ومخفيةً عن الأنظار جغرافياً فقط، بل مجازاً أيضاً؛ إذ يعكس بعدها وانعزالها المسافة النفسية والأخلاقية التي تفصل صاحبها ومرتاديها عن الحدّ الأدنى المتّفق عليه بين باقي البشر، ولأنه كان واعياً بهذه الهوّة فقد ذهب إلى هناك ليجمع من يجمع ويفعل ما يفعل وفي غمرة طوفان الحكايات المنفلتة من داخل الوثائق على مدار الساعة، ضاع سؤالٌ جوهري أو ثانوي، حسب هوى كل متابع، عمّن باع الجزيرة لجيفري إبستين ومَن كان يمتلكها، وهل حرص على متابعة المالك الجديد ومراقبة تحرّكاته، أم أن الكلّ متورّط مع الكل، والكل يغطي على الكل، حتى لا ينكشف أحد؟ ليس مستغرباً، والصورة بهذه القتامة، أن يشعر كل فرد تقريباً خارج قائمة إبستين والدوائر المرتبطة بها، أن الدول والمجتمعات ليست في أيدٍ أمينة تدير شؤونها وتسهر على سلامتها ورفاهيتها، بل توجد مجموعة تتآمر عليها هناك بعيداً وتضع مصالحها التي قد يقبلها العقل وأخرى غرائبية مخيفة قبل كل شيءٍ آخر، وأن ما تجاهر به من خطاب طلائعي منمّق في الظاهر، يخفي فصاماً يعبّر عن نفسه، خلف مياه الكاريبي وأسوار قلعة إبستين، بممارساتٍ لا تمت إلى الإنسانية السوية وعالم الواقع بصلة.
يجادل عددٌ غير قليل أمام حالة الصدمة العامة، بأن الحياة الخاصّة للأفراد عموماً يمكن أن تخفي ما يثير صدمات، وأن البشر قادرون على إتيان أغرب الأفعال المتخيّلة وأقذرها، لكنّها تبقى ملك أصحابها ما لم تُلحق أذى بآخرين أو بالصالح العام. ولكن يسقط هذا الادعاء في حالة فضيحة إبستين تحديداً، لأن الأفراد المعنيين ليسوا أفراداً عاديين يعيشون حياتهم بكل ما فيها لأنفسهم فقط. إن معنى القيادة وشخصية القائد، والقدوة الفكرية والعلمية والإبداعية التي احتاج إليها العالم دائماً عبر العصور كلّها، وروّجت، أصابها شرخٌ كبير وأصابَت بحالةٍ من الرعب وعدم الأمان مَن وُضعت حياتهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم في عهدة “القادة” الذين رافقوا إبستين في عالمه المظلم، ومن الصعب (بل من المستحيل) اليوم أن يستوعبوا ويتقبّلوا دوافعهم، لأنها بكل المعاني لا تعني حياتهم ولا مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. فهي إمّا نزواتٌ مشينة أو بحثٌ عن قوةٍ ونفوذٍ يتجاوزان مجال العقل البشري. إن سؤال الرئيس الأميركي الخطير عمّا حُقنت به أجساد ملايين الأشخاص إبّان جائحة كورونا، في اتهامٍ مبطّن بتعمّد الإيذاء لأهدافٍ بعيدة من نبل مهنة الطبّ، لخّص لحظةً مكثّفةً بالشكوك وانقلاب المفاهيم.
قرّر الرئيس الأميركي رفع السرّية عن وثائق إبستين حتى يُفرغ الابتزاز والضغط المسلّطين عليه من إسرائيل وأجهزة استخباراتها تحديداً
لقد قيل إبّان حرب غزّة إنها أسقطت أقنعة الغرب الجماعي وشعارات الإنسانية والحقوق والحريات والمساواة التي تفوّق بها، وتدخّل بواسطتها في تحديد مصير شعوب وتسيّد بها على العالم قروناً، ثم جاءت وثائق إبستين لتثبيت سقوطها بالضربة القاضية هذه المرّة، ونهاية صلاحيتها بمنظار أصحابها ومعاييرهم.
تبيّن للعالم أيضاً، رغم إدراكٍ جزئي حاصل، أن الابتزاز الشديد المتطرّف يُستخدم سلاحاً فتّاكاً تُتخذ تحت تهديده (أو تُفرض) قرارات مصيرية، ويُجبر بعض صنّاع القرار على التغاضي والصمت أمام أحداثٍ جسام، وتُشترى ذمم وتُطاح رؤوس ويؤتى بأخرى لاستكمال مهمة محدّدة، ويترافق ذلك كلّه بأسئلة حائرة يتداولها الناس ويتناولها المحللون من دون الوصول حقاً إلى إجابة شافية مقنعة، لأنها تفتقر إلى تفاصيل ما يجري وراء الكواليس من قبيل ما باحت به وثائق إبستين الحارقة. وإن كان الابتزاز وسيلةً معتادةً، وإن مكروهة في تعامل البشر فيما بينهم، فإن تحكّمها في المشهد السياسي الدولي في ظرفٍ بالغ الحساسية والخطورة إذ يُراد فرض أجندات بمنطق القوة والإخضاع، يصبح (وبلا مبالغة) أداةً توازي خطورتها أيَّ سلاحٍ آخر محظور باتفاقات دولية. ثم ما معنى أن يدفع شعبٌ ودولة، أو شعوبٌ ودول، ثمن نزوات فرد أو مجموعة محدودة من الأفراد مهما علا شأنهم؟! إنها أسئلة صعبة، لكنّها يجب أن تُسأل، كما يتساءل اليوم قطاع كبير من الأميركيين مثلاً.
يتحدّث خبراء عن عصر “ما بعد الحقيقة” في تشخيص أحداث عالمنا اليوم، وكمّ المعلومات والحقائق التي تطالعنا وتكاد تغرقنا، التي لو حدثت في زمنٍ آخر قبلنا لكانت لها من العواقب والتداعيات ما من شأنه أن يكتب تاريخاً جديداً، لكنّها اليوم لا تكاد تغيّر شيئاً، وإن تغيّر، فبوتيرة بطيئة وبتفاصيل لا تكاد تُذكر رغم سرعة إيقاع عصرنا. وربما لهذا السبب (وغيره) قرّر الرئيس الأميركي ومستشاروه، بعد مداولاتٍ طويلة وحسابات الربح والخسارة والشجاعة والمغامرة، رفع السرّية عن وثائق إبستين عبر تصويت الكونغرس، حتى يُفرغ الابتزاز والضغط المسلّطين عليه من إسرائيل وأجهزة استخباراتها تحديداً من أيّ مفعول أو قوة تجبره على اتخاذ قرارات لا يرغب فيها ولا يضمن حدود خطرها وعواقبها، وعلى أمل أن تُستهلك زوبعة الوثائق نفسها ثم تمرّ أو تخفت وسط صخب الأحداث الأخرى من تحريك حاملات الطائرات والمفاوضات المثيرة للأعصاب مع إيران، والتهديد ووضع اليد على الزناد، وألا يحفظ المتابع من الفاعلين السياسيين والناس العاديين من هذا المشهد المحموم سوى صورة رئيسٍ قوي يحاول صنع السلام وإبرام صفقات شبه مستحيلة ويتحرّك في أكثر من اتجاه بشكلٍ لا يحذقه غيره. ولكن يأبى المشهد أن يتحوّل كما يريد ترامب، فيواجه في كل مناسبة بأسئلة جديدة عن إبستين، حتى إن المتحدّثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تعمّدت (من دون نجاح يُذكر) إحراج الصحافيين بالقول إن إنجازاتٍ كثيرة تحقّقت داخل الولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي خلال أسبوع، لكنّهم لا يريدون أن يسألوا عن ذلك أو يروه، محكومين بهوس قضية واحدة: وثائق إبستين.
لا يبدو أن “ملفّات إبستين” ستُغلق قريباً، بل قد يُقال إن “ما بعد إبستين ليس كما قبله”
يقفز ترامب بسرعة إلى إعلان تشكيلة مجلس السلام العالمي في غزّة وتأكيد عضوية بنيامين نتنياهو فيه، ويتحدّث عن آلاف المليارات التي ستُضخ لإعادة إعمار أشلاء القطاع، في محاولةٍ أخرى لتجاوز القضية سيئة السمعة والتخلّص، ولو مؤقتاً، من إلحاح رئيس حكومة إسرائيل المتواصل لضرب إيران، لكنّه لا يفلح. يستعصي عصر ما بعد الحقيقة على فهم الغالبية رغم تواتر الأمثلة والمواقف التي تؤكّده. وتأتي وثائق أبستين لتختصر جهود شرحه وتفسيره، فأمام وضوح الصور والفيديوهات والمحادثات المسجّلة، يردّ المتهمون بتكذيبها أو تقديم سياقٍ مختلف حدثت فيه أو بأنه غُرّر بهم. وقد طُرح سؤال في أحد البرامج التلفزيونية عمّا إذا كانت وثائق إبستين ستطيح رؤوساً كبيرة، وكانت نسبة التصويت بـ”لا” أعلى بكثير من التصويت بـ”نعم”، ما يفيد بأن كشف الحقيقة أو انكشافها لم يعد يُحدث فارقاً مؤثّراً. ولعلّ أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة الجديدة ما يُتداول في دوائر جادّة عن احتمالٍ يقرب من اليقين بأن جيفري إبستين نفسه لم يمت، بل انتقل للعيش بعيداً عن جزيرته وعن الولايات المتحدة بعد أن غيّر هيئته.
يتغيّر العالم بسرعة، ويحاول بعض الكبار فرملة هذا التغيير، فيما يحاول آخرون التعجيل به لتكتمل ملامحه النهائية. وإذ قال الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي مقولته، في ثلاثينيات القرن الماضي، إن “العالم القديم يحتضر، فالجديد يتأخّر في الولادة… وما بين العتمة والضوء تظهر الوحوش”، فإن الوحوش تخفّت بين وثائق إبستين إلى أن جاء الأمر بفتح الوثائق، فخرجت من مخبئها. وفي ضوء ردّة فعلها على انكشافها وقدرة القوى الحيّة على محاصرتها، قد يتمكن العالم الجديد من البزوغ أخيراً وإعلان هُويّته الجديدة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى