
وجّه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أثناء الاحتفال بعيد الشرطة في يناير/ كانون الثاني الماضي، عدة انتقادات ضمنية للأداء الحكومي، على نحو فسّره بعضهم مقدّمة لتعديل وزاري كامل، وتكليف شخصٍ جديدٍ لتشكيل الوزارة بدلاً من مصطفى مدبولي، الذي يرأس الوزارة منذ ثماني سنوات. ومع ذلك، خابت هذه الظنون وخالفت الإدارة المصرية هذه التوقّعات المثالية، ويبدو أن الهدف من هذه الانتقادات لم يتجاوز الرغبة في تفريغ الغضب الشعبي من أداء النظام في الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
وقام هذا التشكيل الذي صدّق عليه مجلس النواب أخيراً بتغيير 14 حقيبة وزارية، أبرزها: الداخلية والدفاع، والثقافة، والإسكان، والعدل، والعمل، والصناعة، والإنتاج الحربي، بالإضافة إلى حقيبة المجالس النيابية، التي عُيّن وزيرها محمود فوزي رئيساً لديوان رئاسة الجمهورية.
مع هذ التشكيل الجديد يستمر تجاهل الانتقادات التي وُجّهت إلى ملفّ بعض الوزراء الجدد
وبالرغم من أن التعديل الوزاري لا يمثل اهتماماً كبيراً لدى المواطن المصري إلا في حالاتٍ استثنائية تتّصل بما تُسمّى “الوزارات السيادية”، وهي الدفاع والداخلية والخارجية، فقد تصاعد هذا التجاهل منذ عام 2014، وبشكل خاص مع حكومات مصطفى مدبولي المتوالية. وحتى مع الانتقاد الشعبي والإعلامي أداء بعض الوزارات ومسؤولياتها إزاء بعض الكوارث والحوادث الدورية، مثل تصادم القطارات أو غيرها، والمطالبة بإقالة وزيرها، كان سرعان ما يجري تجاهل هذه المطالب باستمرار وزرائها، في تحدٍّ واضحٍ لهذه الرغبة الشعبية. وبات الجميع يدرك أن الحكومة مجرّد سكرتاريا للسلطة التنفيذية؛ وبقدر تفاني رئيسها وأعضائها في تنفيذ التعليمات من دون نقاش، بقدر ما ضمن لهم ذلك بقاءً طويلاً وحياة سعيدة، مهما زادت انتقادات المواطنين لتردّي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال، مع حجم الانتقادات لاختيار وزير التعليم الحالي في التشكيل السابق بسبب تزويره شهادة حصوله على الدكتوراه، لم يهتز مكانه ومكانته بأي شكل، بل جُدّدت الثقة فيه.
واستمرّ التجاهل نفسه في هذا التشكيل أيضاً للانتقادات التي وُجّهت إلى ملفّ بعض الوزراء الجدد، ومنها ما أثير مع وزيرة الثقافة بسبق صدور حكم قضائي ضدّها بالسطو على أحد الكتب، وتورّط وزيرة الإسكان في ملفّات فساد مالي سابقة، إلا أن ذلك لم يمثّل فارقاً في استمرار الاختيار. ويمكن القول إن هناك ملاحظاتٍ على هذا الاختيار، أهمها غياب معايير تقييم الوزراء الراحلين واختيار القادمين الجدد، وتغييب الرأي العام عن أسباب الرحيل والقدوم، فلا يعرف أحدٌ لماذا رحل هذا الوزير ولماذا استُبدل بغيره، وما نقاط الضعف في الأداء الوزاري لأي منهم. كما جاء اختيار الوزراء (كالعادة) من خلفية تكنوقراطية، وليس لديهم أدنى علاقة بالعمل العام، ربّما باستثناء حقيبة وزارة الإعلام التي تولّاها ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات سابقاً. وهذه هي سمة اختيار الوزراء منذ عام 2013، باستثناء الحكومة التي شُكلت في أعقاب بيان 3 يوليو (2013)، التي ضمّت ممثّلين لأحزاب أخرى، مثل المصري الديمقراطي، والوفد، والكرامة، والناصري، والتجمّع. ويعكس استمرار الاعتماد على وزراء غير مسيّسين نظرة سلبية إلى العمل الحزبي، وتفضيل النظام نمط حكومات التكنوقراط على الحكومات ذات الطابع السياسي. ويعكس ذلك المرتبة المتدنّية والنظرة السلبية للسياسيين من أجهزة الدولة والمؤسّسة العسكرية.
ولم يضمّ التشكيل أي وزير ينتمي إلى الأحزاب المحسوبة على قائمة الموالاة، والحاصلة على الأغلبية في مجلس النواب، التي تضمّ “مستقبل وطن” و”حماة وطن” و”الجبهة الوطنية”، على نحو يمثّل انقطاعاً في الصلة بين الأغلبية البرلمانية وتشكيل الوزراء، وهو ما يؤكّد شكلية الانتخابات البرلمانية وعبثيّتها، ويطرح تساؤلاتٍ حول جدوى العملية الانتخابية. ويبدو أن هناك معادلة أساسية تحكم الوضع السياسي، مفادها الفصل بين سيطرة قوائم الموالاة على أغلبية مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، ولكن هذا لا يعني أن لهم حصة في التشكيل الوزاري. وهذا ما يخالف تقاليد العمل البرلماني. أيضاً، يتجاهل التشكيل العلاقة بين رئيس الوزراء وبين الأغلبية الحزبية في البرلمان. والمتعارف عليه في الديمقراطيات البرلمانية أن يكلّف رئيس الوزراء من الحزب أو التحالف الحاصل على أغلبية المقاعد في البرلمان، بينما ينصّ الدستور المصري في المادة 146 على اللجوء إلى هذا الاختيار في حالة واحدة هي فشل الحكومة في الحصول على ثقة النواب.
وللمرّة الأولى، ينتقد بعض الأحزاب السياسية هذا التشكيل، وهم يمثّلون جزءاً من التحالف السياسي الرسمي، ومنهم: التجمّع، والوفد، والمصري الديمقراطي، والعدل. ولوحظ في هذا التشكيل إلغاء بعض الوزارات وضمّ وزارات إلى أخرى. مثلاً، أُلغيت وزارة قطاع الأعمال العام، التي يتبع لها عدد من الشركات القابضة والتابعة، ويبدو أنه ستُكلَّف وزارة الاستثمار بالإشراف على هذه الشركات تمهيداً لطرحها للبيع. ويُفكَّر في نقل إدارتها إلى الصندوق السيادي، وهو ما يؤكّد إمكانية بيعها لاحقاً، ويوضّح ذلك استمرار الدولة في ظلّ السياسات الاقتصادية الحالية في بيع مزيد من الأصول. وفي خطوة تبدو تحجيماً لدور كامل الوزير، سُلبت وزارة الصناعة منه، بالإضافة إلى موقع نائب رئيس الوزراء، والاكتفاء بتوليه حقيبة النقل فقط.
التعديل الوزاري الجديد لا يمثّل أي خطوة إيجابية طالما استمرّت السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة
السؤال الرئيسي هنا: ما الرسالة التي يعكسها هذا التشكيل للمواطن المصري، وظهرت ملامحها في وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهي رسالة سلبية بالتأكيد تكمن في تجاهل الرأي العام، واستمرار السياسات ذاتها التي كانت (ولا تزال) محلّ انتقاد شعبي، وسبباً في تردّي الأوضاع السياسية والاجتماعية، خاصّة مع استمرار شخص “مدبولي” بالذات، الذي يعكس في المخيّلة الشعبية ما يمكن أن نطلق عليه “مستر نعم” بتبريره وموافقته الدائمة على السياسات والإجراءات التي يضعها رئيس الجمهورية ويشرف على تنفيذها.
الأخطر أن يأتي ذلك مع تشكيل برلمانات مصطنعة ومنزوعة الأنياب، ويغيب منها الدوران، الرقابي والتشريعي، بشكل حقيقي، ولا تمثّل سوى ماكينة لإصدار القوانين التي ترغب فيها السلطة التنفيذية. كما هو خطير أن خطاب التكليف الرئاسي للوزارة لم يتضمّن أي إشارة إلى ملفّي الإصلاح السياسي أو الحقوقي، أو تغيير آليات التمثيل البرلماني، وهو الذي كشفت الانتخابات أخيراً عن عيوبه الكارثية، بل اقتصر على بعض الخطوط العامة في المجال الاقتصادي التي تمثّل استمراراً للسياسات السابقة أيضاً.
والخلاصة الرئيسة أن هذا التعديل لا يمثّل أي خطوة إيجابية طالما استمرّت السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة ذاتها، والانحيازات نفسها التي ثبت فشلها منذ عام 2014، وكانت سبباً في مضاعفة الديون والأعباء على الاقتصاد، وطالما استمرّت التوازنات نفسها في شكل السلطة، بهيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات الأخرى، وفرضها حصاراً حديدياً على العمل السياسي، وتدهور الحقوق والحريات.
المصدر: العربي الجديد






