
بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، ما يزال النقاش حول موقع الحريات في سوريا يتخذ طابعًا إشكاليًا بين السوريين؛ فبين من يعتبرها قضية مؤجلة يمكن إرجاؤها إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، أي «استقرار الدولة»، ومن يراها أولوية لا تحتمل التأجيل، بل ضرورة وطنية لأي انتقال سياسي ديمقراطي قابل للاستمرار، يعمل على بناء مؤسسات الدولة.
إن التعامل مع وجهة النظر التي تقول إن مسألة الحريات مسألة ثانوية في المرحلة الانتقالية، وبالتالي التقليل من دورها الأساسي في إعادة بناء الدولة والمجتمع بعد عقود طويلة من الاستبداد الأسدي، يتجاهل أن الواقع السوري قبل سقوط النظام الأسدي يبيّن بوضوح أن غياب الحريات لم يكن تفصيلًا هامشيًا، بل أحد الأسباب العميقة لانهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، وللانفجار السياسي والاجتماعي الذي تجسّد في ثورة عام 2011، والحرب المركبة التي تلتها.
الحريات قبل سقوط النظام الأسد
حتى وقت قريب، كانت سوريا خاضعة لنظام استبدادي قائم على مركزية مفرطة وهيمنة شاملة على مفاصل الدولة كافة، من الإعلام والقضاء إلى المؤسسات التعليمية والأحزاب السياسية، وحتى في الحياة المعيشية اليومية للسوريين. في هذا السياق، جرى تفريغ مفهوم الحريات من مضمونه؛ فحوصرت حرية التعبير، وقيّدت حرية التنقل، ومنعت حرية التجمع والتنظيم السياسي.
كانت أي محاولة للمشاركة في النقاش العام أو ممارسة النقد لقضايا تخص الدولة أو المجتمع السوري تُقابل بالاعتقال أو الملاحقة أو الإقصاء. ونشأ المواطن السوري في ظل ثقافة سياسية تقوم على الخوف والصمت، حيث أصبح الامتناع عن إبداء الرأي سلوكًا عقلانيًا للبقاء بالنسبة إلى معظم السوريين، وتحول الخوف من السلطة الحاكمة إلى جزء من الحياة اليومية.
إن استحضار هذا السياق ضروري لفهم أن الحريات ليست فكرة «مستوردة» ولا مطلبًا نظريًا معزولًا، بل هي الأساس الذي يمكّن المجتمع السوري من استعادة قدرته على الفعل الوطني، وبناء مجتمع مدني حقيقي قادر على المشاركة السياسية والمساءلة.
عندما يشعر المواطن السوري بالأمان في التعبير والمشاركة، تتراجع احتمالات العنف إلى حد كبير، وتتحول التعددية إلى مصدر قوة للحكومة وللمعارضة معًا، بدل أن تكون عامل تفكك ونزاع.
الحريات أساس المرحلة الانتقالية
في المراحل الانتقالية التي تعقب انهيار الأنظمة السلطوية الاستبدادية، تميل بعض القوى السياسية إلى التركيز على ما تسميه «الأولويات»، كالأمن والاستقرار الاقتصادي، وتضع الحريات في مرتبة لاحقة. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في النقاشات السورية بعد سقوط النظام الأسدي، حيث اعتبر البعض أن بناء الدولة واستقرارها يجب أن يسبقا توسيع هامش الحريات، وأن المجتمع السوري يحتاج أولًا إلى التماسك الاجتماعي والوطني قبل إطلاق الحريات. غير أن التجارب السياسية التاريخية لبلدان تشبه – إلى حد ما – سورية تشير إلى عكس ذلك.
فالحريات الأساسية – حرية التعبير، والتنظيم، والاعتقاد، والإعلام… إلخ – ليست مطالب ثانوية أو نظرية فحسب، بل أدوات منهجية وعملية لإدارة النزاعات الاجتماعية والسياسية بطرق سلمية، وتمهيد الطريق نحو المصالحة المجتمعية السورية، وبالتالي إنجاز الاستقرار الاجتماعي وبناء الدولة.
عندما يشعر المواطن السوري بالأمان في التعبير والمشاركة، تتراجع احتمالات العنف إلى حد كبير، وتتحول التعددية إلى مصدر قوة للحكومة وللمعارضة معًا، بدل أن تكون عامل تفكك ونزاع. فالأمن الشامل والحقيقي لا يُبنى بالقمع والإقصاء، بل بثقة المواطنين في الحكومة والدولة، وهذه الثقة لا تنشأ إلا عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن حقوقه مصونة، وأن الخلاف يمكن إدارته دون خوف أو عنف. وعليه، فإن الحريات ليست نقيضًا للأمن، بل شرطًا من شروطه الأساسية.
دروس من التجربة السورية قبل 2011
أثبتت التجربة السورية قبل عام 2011 أن قمع الحريات أدى إلى تراكم صامت للأزمات الاجتماعية والسياسية. فالسيطرة المطلقة على الإعلام أغلقت المجال أمام التعبير عن الغضب الشعبي أو طرح مقترحات إصلاحية، وغياب حرية التنظيم أضعف المجتمع المدني وقطع قنوات الحوار بين الدولة والمجتمع.
لم يُلغِ هذا القمع التوترات القائمة بين السلطة الأسدية والمجتمع، بل أجّل انفجارها. وحين انهارت السلطة المركزية، ظهرت الانقسامات المجتمعية بشكل عنيف وغير قابل للاحتواء. وقد بيّنت دراسات عديدة أن المجتمعات التي تُخنق فيها الحريات تكون أكثر هشاشة خلال المراحل الانتقالية، وأكثر عرضة للفوضى أو لإعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.
الحريات وحقوق الإنسان
يرتبط مفهوم الحريات ارتباطًا عضويًا بحقوق الإنسان، ولا سيما في المراحل الانتقالية. فالحرية ليست شأنًا سياسيًا صرفًا، بل إطارًا شاملًا لحماية الكرامة الإنسانية، وضمان المساواة، ومنع إعادة إنتاج أنماط الاستبداد السابقة.
في السياق السوري، أدى غياب هذه الحقوق إلى تهميش فئات واسعة من المجتمع السوري، وخلق شعور عميق بالظلم استُخدم لاحقًا وقودًا للنزاعات والانقسامات. ومن هنا، فإن إدراج الحريات ضمن أولويات المرحلة الانتقالية في سورية لا يعني إهمال إنجاز الإصلاحات الأمنية أو الاقتصادية والخدمية، بل توفير الشروط التي تجعل هذه الإصلاحات ممكنة وفعّالة.
فالحريات لا تهدد وحدة الدولة إذا كانت قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية، بل تمثل الوسيلة الأساسية لدمج التنوع الاجتماعي ضمن إطار سياسي جامع، يسمح بالتعبير السلمي بدل الانفجار العنيف.
إن الحريات في سوريا ليست ترفًا فكريًا يمكن تأجيله، بل ضرورة استراتيجية لأي مرحلة انتقالية ناجحة.
الحريات وبناء الثقافة السياسية
الحريات ليست نصًا دستوريًا فحسب، بل ثقافة وسلوك اجتماعي. فقد نشأ السوريون لعقود في الحقبة الأسدية يعدّون الرأي الآخر خطرًا، والمشاركة السياسية مخاطرة. وأنتج هذا النمط من التنشئة السياسية مجتمعًا خائفًا ومعنَّفًا، قابلًا للانقياد، وسهل الاختراق من قبل سلطات استبدادية.
تفرض المرحلة الانتقالية إعادة بناء هذه الثقافة السياسية عبر ترسيخ فكرة مفادها أن التعبير والمشاركة مسؤولية مدنية وليست تهديدا للأمن. وفي هذا الإطار، تصبح الحريات أداة مركزية لتشكيل وعي سياسي جماعي، وتحقيق توازن صحي بين الدولة والمجتمع.
تحديات ممارسة الحريات في المرحلة الانتقالية
لا يمكن إنكار أن ممارسة الحريات في سوريا تواجه تحديات حقيقية، من أبرزها ضعف المؤسسات والحوكمة نتيجة عقود من المركزية الاستبدادية، والانقسامات الاجتماعية والطائفية المتراكمة، إضافة إلى محدودية الوعي العام بالحريات وسبل ممارستها بشكل مسؤول.
غير أن تجاهل هذه التحديات أو تأجيل مواجهتها لا يؤدي إلى حلها، بل يعمّقها. فالتجربة السورية تؤكد أن تأجيل الحريات لا ينتج استقرارًا، بل يؤسس لانفجارات مستقبلية أكثر تعقيدًا.
خاتمة
أخيرًا نقول: إن الحريات في سوريا ليست ترفًا فكريًا يمكن تأجيله، بل ضرورة استراتيجية لأي مرحلة انتقالية ناجحة. فحرية التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية والحق في الوصول إلى المعلومات ليست فقط ضمانات لحقوق الإنسان، بل استثمار مباشر في استقرار الدولة والمجتمع.
لقد أثبتت التجربة السورية أن غياب الحريات يضعف المجتمع المدني، ويقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع، ويفتح الباب أمام الفوضى أو عودة الاستبداد. لذلك، يجب أن تُدرج الحريات في صلب أي مشروع دستوري مستقبلي، لا بوصفها شعارات نظرية مثالية، بل أدوات عملية لبناء دولة عادلة، ومجتمع متماسك، وثقافة سياسية ناضجة.
الحريات في سوريا ليست عبئًا على المرحلة الانتقالية، بل صمام أمان لها. ومن دونها، لن تكون هناك إمكانية لبناء الدولة واستقرارها، ولا مجتمع قادر على تجاوز الحقبة الأسدية ومنع تكرارها.
المصدر: تلفزيون سوريا






