الضفيرة.. اختزال مكثّف لأكاذيب السردية المتخيلة عن سوريا

نزار السهلي

منذ مارس/آذار 2011، تعرّضت الثورة السورية لما لم تتعرّض له أيٌّ من ثورات الربيع العربي من تشويهٍ منهجي، ومحاولات دؤوبة لسلخها عن سياقها الطبيعي كحراكٍ من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.
خمسة عقود من تراكم البروباغندا البعثية، داخلياً وخارجياً، انفجرت قيحاً كثيفاً تجاوز حدود سوريا الجغرافية، ووصل إلى دول الجوار، حيث انطلقت سهام الأكاذيب والاتهامات، من بينها أسطورة «جهاد النكاح» التي أُطلقت بلا خجل، ولا يزال مُروّجوها ماضين فيها من بيروت حتى هذه اللحظة من عام 2026.
البروباغندا البعثية: من تشويه الثورة إلى صناعة الأساطير
فرّخ حزب البعث السوري ثقافة سياسية قائمة على الكذب الممنهج، لا تزال تجد صداها في وعي شريحة من السوريين. فمن عهد الأسد الأب إلى الابن، لم يتوقّف الخطاب الرسمي عن خدعة «الصمود في وجه الإمبريالية الأميركية»، في وقتٍ اتهم فيه مصطفى طلاس نصف القيادة البعثية بالعمالة لتلك الإمبريالية نفسها، بينما اختار رئيس الأركان السابق حكمت الشهابي تقاعده في قلبها. هذا بالطبع إلى جانب أن «النظام العروبي»، أيام الحرب العراقية–الإيرانية حتى عام 1988، وقف يمدّ طهران بالدعم اللازم لقصف عاصمة عربية «بغداد»، التي كانت محكومة أيضاً من رفاق بعثيين آخرين.
فلسطين في خطاب النظام: من ورقة سياسية إلى أداة قمع
ولم تُبقِ البعثية أكاذيبها، بمعناها البروباغندي، حبيسة صفوف «الرفاق العروبيين»، أولئك الذين تفاخروا بتسمية أحد فروع التعذيب باسم «فرع فلسطين»، وطردوا ياسر عرفات من «قلب العروبة النابض» عام 1983، وشقّوا منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح»، وحاصروا بقية القيادة الفلسطينية، بمن فيهم اليسار في الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين، قبل أن يتخلّوا لاحقاً عن استلاب قضية فلسطين بشعار «كلٌّ يقلع شوكه بيده» مع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
إذ بالطبع لم يتردّد نظام الأسد الابن في الزجّ بدكاكينه الفلسطينية، كالقيادة العامة والصاعقة، في سياق قمع الفلسطيني–السوري، إن في المخيمات، كمخيم اليرموك وغيره، أو لمشاركته في معركة قمع ثورة السوريين بحجة «مواجهة الجماعات التكفيرية»، مع كامل احتقاره للعقول باعتقال وقتل آلاف الفلسطينيين في سوريا، كاستمرار لمسيرته المعهودة في لبنان مع مجزرة مخيم تل الزعتر، ومحاربة الحركة الوطنية اللبنانية واغتيال كمال جنبلاط، وكذلك فيما بعد اغتياله سعد صايل، قائد أركان قوات الثورة الفلسطينية، بعد خروجه من حصار بيروت عام 1982.
تبقى «قصة الضفيرة» اختزالاً دقيقاً لثقافة كاملة من الانتحال والكذب، وصناعة روايات مرعبة عن «الآخر». هذا الآخر يُفترض أن يكون شقيقه السوري الذي يعيش معه على ذات الأرض.
انتهازية ما بعد الثورة: يسار مُسلّح وتمثيل قسري للهويات
مؤخراً، عاد هذا القيح إلى السطح في سياق جديد، لم يبقَ محصوراً داخل الجغرافيا السورية، بل تجاوزها. ولتوضيح الصورة أكثر، يمكن تخيّل مصداقية تنظيمٍ يدّعي اليسارية، مارس على امتداد سنوات الثورة السورية انتهازية فجة، متنقلاً بين أحضان إيران ونظام الأسد وروسيا والإمبريالية الأميركية–الغربية، بكل مخابراتها المنسّقة لهم كورقة استخدام مؤقت، مستعرضاً نجمة حمراء على يافطات صفراء، ومُعزّزاً «يساريته» عملياً تحت مظلة الإمبريالية الأميركية، مستقوياً بمعدات ووجود أميركي، وغربي عموماً، على سوريين بسطاء في مناطقهم بالجزيرة السورية، ومنتحلاً قسراً صفة «تمثيل الكرد السوريين». وهنا لا بدّ من التمييز بوضوح بين الشعب الكردي، الذي عانى تاريخياً من التهميش وغياب الحقوق، وبين تنظيم انفصالي «قسد» يختزل الكرد في مشروع تقسيمي خاص به، وعابر للحدود، مستقوياً أخيراً بالاحتلال الإسرائيلي لإنقاذه من نهايات محتومة.
الضفيرة… كذبة تفككها دير شبيغل
في هذا السياق، جاءت آخر أكاذيب «قسد» على شكل قصة «الضفيرة»، التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الأوساط الحقوقية والسياسية، مذكّرةً بسرديات «آكلي الأكباد والقلوب» و«جهاد النكاح» و«استهداف مقام السيدة زينب»، ومُعيدة إنتاج صورة السوري كمجتمع همجي يتربّص بأبنائه. قصة أدّت وظيفتها العاطفية الشعبوية سريعاً في محرقة بقاء العصابة الحاكمة في دمشق، قبل أن تتهاوى.
اللافت أن من فكّك هذه الرواية لم تكن صحافة عربية، بل مجلة «دير شبيغل» الألمانية، التي سلّطت الضوء على استغلال «قوات سوريا الديمقراطية» لوسائل التواصل، بهدف حشد التعاطف العالمي، عبر الادعاء أن الضفيرة «مقصوصة من رأس رفيقة مقاتلة في صفوف قسد». المجلة كشفت أن الفيديو المثير للجدل، ومدته 17 ثانية، كان مضلِّلاً ولا يعكس الحقيقة الكاملة.
المقطع أظهر رجلاً من تل أبيض يحمل خصلة شعر قائلاً: «أحضرت شعراً لرفيقة»، وهو ما أشعل موجة اتهامات جماعية للعرب تجاوزت سوريا، حيث شهدت أوروبا هجمات على محال تجارية ومطاعم يملكها سوريون وعرب آخرون. لكن التحقيق الألماني أكد عدم وجود دليل على أن الشعر يعود لمقاتلة كردية، مرجّحاً أنه خصلة صناعية تُستخدم في صالونات الحلاقة، التقطها الرجل داخل مطعمه قبل تصويرها على سبيل المزاح. كما تبيّن أن صاحب الفيديو «رامي الدهش» ليس مقاتلاً بل موظفاً محلياً.
ورغم ذلك، تبقى «قصة الضفيرة» اختزالاً دقيقاً لثقافة كاملة من الانتحال والكذب، وصناعة روايات مرعبة عن «الآخر». هذا الآخر يُفترض أن يكون شقيقه السوري الذي يعيش معه على ذات الأرض.
الصورة، حين تُرفق بسردية تضليل، تنتج تزويراً مضاداً قائماً على التعميم بحق مكونات وطنية، مذكّراً بالرواية السخيفة التي ادعت أن مئات آلاف السوريين في حماة خرجوا متظاهرين من أجل «لفافة فلافل و500 ليرة»، في إهانة فجة لإنسان يعرف أن «أخاه الأسدي في الوطن» قد يطلق الرصاص على صدره بلا تردّد.
لا مواطنة تُبنى على التعميم ولا وطن على الأكاذيب
إلى جانب «قسد»، فإنه في الجنوب السوري، وتحديداً في السويداء، ظهرت خلال حرب الإبادة على غزة أصوات رفعت أعلام كيان متهم بجرائم حرب، وقدّمت الشكر لبنيامين نتنياهو، المطلوب للجنائية الدولية عن جرائم الحرب في غزة، وروّجت سرديات تزويرية عن سوريا وعن الدولة التي تضم ملايين الناس. بالطبع، ومن باب بعض المنطق والإنصاف، هؤلاء، كغيرهم ممن خرجوا في الاتجاه نفسه في بعض الساحل السوري، لا يمثلون السويداء ولا إرث «ساحة الكرامة»، ولا مثقفيها الذين يدركون أن تحويل الصهيونية إلى «منقذ» هو عار أخلاقي وإفلاس سياسي له تبعاته العظيمة.
فالصورة، حين تُرفق بسردية تضليل، تنتج تزويراً مضاداً قائماً على التعميم بحق مكونات وطنية، مذكّراً بالرواية السخيفة التي ادعت أن مئات آلاف السوريين في حماة خرجوا متظاهرين من أجل «لفافة فلافل و500 ليرة»، في إهانة فجة لإنسان يعرف أن «أخاه الأسدي في الوطن» قد يطلق الرصاص على صدره بلا تردّد.
هذا النوع من الكذب لا يبني مواطنة، ولا يؤسّس وطناً، بل يعمّق الانقسام والتناحر، وهو ما سعى إليه نظام الأسد عبر إعلامه، الذي حاول تقديم النظام ككيان عصري مقابل «شعب متوحّش»، لا يتورّع عن اختلاق قصص الاغتصاب والفوضى، كما فعل تلفزيون «الدنيا» منذ الأيام الأولى للثورة، من خلال القصة الشهيرة عن «المطر» وخروج الناس في منطقة الميدان الدمشقي لشكر الله عليه.
في المحصلة، إذا كانت الأكاذيب الأولى قد خلقت واقع التخندق حول «جهاد النكاح» و«استهداف المقامات»، فلا يجوز، في سياق بناء الدول، القبول بسرديات تعميمية جديدة، من وزن كذبة «الضفيرة» وغيرها، لتُستخدم في توسيع الشرخ بين أبناء الوطن الواحد.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى