سوريا في المرحلة الانتقالية.. تعافٍ اقتصادي بين قرارات جريئة وحوكمة مرتبكة

يارا إدريس

تعيش سوريا منذ أواخر عام 2024 مرحلة انتقالية غير مسبوقة، تتقاطع فيها التحولات السياسية مع محاولات إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والعزلة والعقوبات. ولا تمثل هذه المرحلة مجرد إدارة أزمة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على صياغة سياسات اقتصادية كبرى في سياق إعادة بناء مؤسساتها بعد عقود من المركزية والصراع.
في هذا السياق، برزت السياسة النقدية بوصفها إحدى أهم ساحات الاختبار، حيث تحمّل المصرف المركزي عبئًا مزدوجًا: استعادة الثقة بالعملة، وإعادة وصل الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي.
في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلن مصرف سوريا المركزي إصدار عملة وطنية جديدة وحذف صفرين من الليرة السورية، على أن يبدأ التداول مطلع عام 2026. وتهدف هذه الخطوة، بحسب الخطاب الرسمي، إلى تعزيز الاستقرار النقدي وتسهيل التعاملات اليومية بعد سنوات من التضخم وفقدان الثقة.
ورغم رمزية هذا القرار في المراحل الانتقالية، تشير التجارب المقارنة إلى أن حذف الأصفار لا يحقق أثرًا مستدامًا ما لم يُستكمل بإصلاحات أوسع في إدارة السيولة، والانضباط المالي، والتنسيق بين السياسة النقدية والمالية.
في موازاة ذلك، أعلن محافظ المصرف المركزي في تموز/يوليو 2025 أن سوريا لن تلجأ إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، مفضلًا نموذجًا اقتصاديًا مستقلًا قائمًا على الإنتاج والصادرات. ويعكس هذا التوجه رغبة في حماية السيادة الاقتصادية، لكنه يظل موضع جدل في ظل الكلفة الضخمة لإعادة الإعمار.
غياب رؤية استراتيجية واضحة لإعادة الإعمار، وتذبذب الإشارات المتعلقة بالاقتراض الخارجي، وربط العملة، ودور الدولة في الاقتصاد، يحدّ من قدرة الأسواق على تكوين توقعات مستقرة.
انفتاح مالي مشروط
سعت الحكومة أيضًا إلى إعادة ربط النظام المصرفي السوري بشبكة “سويفت” للمدفوعات الدولية، في خطوة تمثل تحولًا جوهريًا بعد سنوات من العزلة. غير أن التنفيذ واجه تأخيرات مرتبطة بتخفيف العقوبات ومتطلبات الامتثال الفني والقانوني.
كما أُعلن في منتصف عام 2025 عن قانون استثمار جديد يسمح بتملك المستثمرين الأجانب لمشاريعهم بنسبة 100%، ويمنح حوافز ضريبية واسعة لقطاعات الزراعة والصناعة والصحة. وتمثل هذه الخطوة محاولة واضحة لجذب رؤوس الأموال، إلا أن فعاليتها تبقى مرهونة بقدرة السياسات النقدية والمالية على توفير بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
خلال عام 2025، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن تخفيف تدريجي لبعض العقوبات، لا سيما تلك المرتبطة بالقطاعين المالي والطاقة. وقد شكّل ذلك فرصة لإعادة صياغة السياسات الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه أدخل صانعي القرار في حالة من التردد.
وبعد التأكيد الرسمي على عدم الاقتراض الخارجي، بدأت دمشق فتح قنوات حوار تقنية مع مؤسسات دولية، تُوّجت بزيارة بعثة من صندوق النقد الدولي أواخر عام 2025. كما طُرحت نقاشات حول ربط أكثر مرونة للعملة بهدف استقرار سعر الصرف، لكنها بقيت دون تنفيذ فعلي. ويعكس هذا المسار نمطًا من القرارات الكبيرة التي تُعلن ثم تُعدّل أو تُؤجّل، وهو نمط يربك الأسواق ويقوّض الثقة، ليس اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا.
وبحسب مراقبتي للمواد التحليلية التي نشرها د. كرم شعار (مستشار اقتصادي رئيسي في مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا) منذ مرحلة ما بعد التحرير، يمكن فهم هذه التطورات ضمن مسار تعافٍ اقتصادي أولي أقوى مما تعكسه التقديرات الدولية المتحفظة، لكنه يظل هشًا وغير مضمون الاستدامة. إذ يرى شعار أن عودة اللاجئين، وتخفيف القيود على التجارة، والانفتاح الإقليمي والدولي، أسهمت في تحفيز الطلب وتحسين التوقعات، وهو ما انعكس في تراجع نسبي للتضخم وتحسن مؤقت في الاستقرار النقدي.
غير أن هذا التحسن، وفق رؤيته، لا يستند بعد إلى إطار مؤسسي متماسك. فغياب رؤية استراتيجية واضحة لإعادة الإعمار، وتذبذب الإشارات المتعلقة بالاقتراض الخارجي، وربط العملة، ودور الدولة في الاقتصاد، يحدّ من قدرة الأسواق على تكوين توقعات مستقرة. ويحذّر شعار من أن قرارات نقدية كبرى، مثل إصدار عملة جديدة أو إعادة الاندماج المالي الدولي، قد تفقد فعاليتها إذا لم تُستكمل بإصلاحات حوكمة حقيقية وآليات شفافة لصنع القرار.
بدون رؤية واضحة، وتناسق في السياسات، ومؤسسات قادرة على إنتاج قرارات قابلة للتنبؤ، يبقى التعافي الاقتصادي عرضة للانتكاس، مهما بدت المؤشرات قصيرة الأجل مشجعة.
إلى أين يتجه المسار؟
حتى مطلع عام 2026، أظهرت السياسات المتبعة بعض النتائج الإيجابية، مثل انخفاض نسبي في التضخم وتحسن محدود في سعر الصرف، إلى جانب عودة تدريجية للنشاط الاستثماري. إلا أن هذه المؤشرات تبقى هشة ما لم تُترجم إلى نمو إنتاجي حقيقي، وإعادة بناء القطاعات الأساسية، وخلق فرص عمل مستدامة.
في المحصلة، لا يكمن التحدي الأساسي في نقص الأدوات الاقتصادية، بل في نمط الحوكمة التي تُدار بها المرحلة الانتقالية. فبدون رؤية واضحة، وتناسق في السياسات، ومؤسسات قادرة على إنتاج قرارات قابلة للتنبؤ، يبقى التعافي الاقتصادي عرضة للانتكاس، مهما بدت المؤشرات قصيرة الأجل مشجعة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى