
قبضت قوات الأمن التونسية، من دون سابق دعوة وإعلام، يوم الرابع من فبراير/ شباط الجاري، في أحد مقاهي مدينة ماطر بولاية بنزرت في أقصى الشمال، على النائب وعضو مكتب البرلمان التونسي ومساعد رئيس المجلس المكلف بالإصلاحات الكبرى، أحمد السعيداني. واقتادته للتحقيق معه الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم الإلكترونية بثكنة الحرس الوطني بالعوينة بتونس العاصمة واحتفظت به 48 ساعة. وفي السادس من الشهر نفسه، أصدرت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس، بطاقة إيداع بالسجن في حقه وإحالته على أنظار المجلس الجناحي وتعيين جلسة يوم 12 الجاري لمثوله أمام القضاء ومحاكمته بتهمة الإساءة إلى الغير عبر الشبكة العمومية. وفق ما ورد بالفصل عدد 86 من القانون عدد 1 لسنة 2001 المتعلق بإصدار مجلة الاتصالات، وفيه “يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين وبخطية من مائة إلى ألف دينار كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات”.
ينتمي أحمد السعيداني (32 سنة) إلى اليسار الماركسي، وهو عضو في كتلة الخط الوطني السيادي المكونة من عشرة نواب من حركة الشعب (قومية عربية) ونائبين يساريين (حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد) ومثلهما مستقلين، ويعتبر أن حدث 25 يوليو (2021) حركة تصحيحية – ثورية في مسار الثورة التونسية وليست انقلابا سياسيا ودستوريا على تجربة الانتقال الديمقراطي وعلى دستور 2014، كما تذهب إلى ذلك أغلب المعارضات التونسية على اختلاف مشاربها الأيديولوجية وانتماءاتها السياسية.
عُرف عن السعيداني نقده الشديد للعشرية الديمقراطية 2011-2021 وتسميتها بالعشرية السوداء وعداؤه المعارضة التقليدية، وخصوصاً الإسلامية منها إلى درجة لا تخلو من غلوّ وتطرّف، عندما صرّح في إحدى جلسات البرلمان في يوليو/ تموز 2024 “ليس إنجازا أن نضع الغنوشي في السجن، لأنه كان من المفروض إعدامه منذ عام 1981، كما أن العشرات الذين يقبعون في السجون، مكانهم الحقيقي السجون والمقابر”. ولم تنج من تصريحاته الأحزاب التي يتقاطع معها في المبادئ والرؤى السياسية، متهما إياها بالاختراق من المخابرات الأجنبية وتحويل مناضليها إلى مرتزقة بسبب دفاع بعض المحامين المنتمين إلى تلك الأحزاب على المتهمين في قضايا التآمر على الدولة. فقد كتب في مارس/ آذار 2025 مستخدما العامية “التاريخ لا يرحم، وجعتني ياسر تصاور بعض المحامين والـ “مناضلين” المتسمّين على الوطنيين الديمقراطيين وحركة الشعب موجودين باش يدافعوا على كمال اللطيّف وخيام التركي والعصابة متع التآمر على تونس وشعب تونس”، ثم أضاف “نهار بعد نهار قاعد نفهم إلي المخابرات الأجنبية نجمت تخترق جلّ الأحزاب المناضلة بل حوّلت مجموعة كبيرة من “المناضلين” تاريخيا لمرتزقة تحب تقاعد مريح..”. ونتج من هذا الموقف إيداع شكاية لدى وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس من عائلات المساجين السياسيين جوهر بن مبارك وغازي الشواشي ورضا بلحاج، ولكن تلك الشكاية لم تعرف التفعيل وطواها نسيان المحاكم، مثل أغلب القضايا التي يرفعها معارضون لسلطة الرئيس سعيّد وحكومته ووزرائه.
عُرف عن أحمد السعيداني نقده الشديد للعشرية الديمقراطية 2011-2021 وتسميتها بالعشرية السوداء وعداؤه المعارضة التقليدية، وخصوصاً الإسلامية منها إلى درجة لا تخلو من غلوّ وتطرّف
كما أن السعيداني من نواب الموالاة الشديدة لمسار 25 جويلية وللرئيس قيس سعيّد، وقد عمل ضمن تنسيقياته ودوائره الضيقة إبان انتخابات 2019 وبعد الاستيلاء على السلطة وتحويلها إلى حكم رئاسي مطلق. وقبل سنتين، صرّح في إذاعة محلية “هذا الرجل هو مكسب طيلة القرون الماضية قيس سعيّد هو عقبة بن نافع جديد أو حنبعل جديد وهكذا يجب أن يتمّ التعامل معه”. لكن الرجل لا يتردد في انتقاد الرئيس التونسي إلى درجة وصفه، في احدى الجلسات العامة للبرلمان لمناقشة موازنة رئاسة الجمهورية لسنة 2026، بأنه “منفصل عن الواقع مجاليا وجغرافيا وتاريخيا ويعيش في كوكب آخر”، و”أنّ النظام في تونس فقد رشده”، و “أنّ “الدولة تسير بلا بوصلة”.
قبل يوم ومن اعتقاله، دوّن السعيداني على صفحته بـ “فيسبوك”، معلّقا على استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير التجهيز صلاح الزواري بقصر قرطاج للتداول في وضع البنية الأساسية و”الأحياء التي أُحدثت وتمّ توفير الكهرباء والماء فيها ولكن بقيت من دون قنوات تطهير أو دون قنوات لتصريف مياه الأمطار”، وفق ما جاء في صفحة الرئاسة التونسية، قائلا “تفاجأت صباحا بما تم تنزيله خلسة في صفحة الرئاسة، يبدو أن بعد المسابح والنوافير الرئيس قرر توسيع اختصاصه رسميا إلى الطرقات والمواسير، على ما يبدو اللقب الجديد سيكون القائد الأعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار”. وللحدّ من الآثار السلبية والخطورة التي تشكّلها تدوينته على شخصه، بسبب وصفه سعيّد “القائد الأعلى للصرف الصحي”، أضاف السعيداني “طبعا هذا ليس سخرية من سيادته ولا تهكما على رجل وطني يعمل رئيس بلدية وعمدة وموظفا بديوان التطهير في آن واحد. فقط نحن نتابع بذهول هذه الإنجازات العظيمة لكل حفرة ومصباح ومواسير تدار تحت إشرافه المباشر، ولا أستبعد أنه أحيانا ينسى أنه رئيس الجمهورية فيقضي اليوم كله في التفكير بين الأنابيب والفوانيس”.
وستكون هذه التدوينة السبب المباشر في التحريض عليه من أنصار سعيد في مواقع التواصل الاجتماعي، والدعوة إلى اعتقاله ومحاكمته، فقد مسّ من ذات رئيس الجمهورية وهيبة الدولة التونسية، ليزج السعيداني بالسجن جنبا إلى جنب قادة أحزاب وإعلاميين ومدونين كان النائب اليساري إلى وقت قريب يصفهم بالخيانة والعمالة والتآمر ولا يستحقون الحياة، حسب ما صرّح به في مناسبات عدّة.
تخلّى عن السعيداني رفاق المسار معتبرين مواقفه تطاولاً على رئيس الجمهورية ورمز وحدتها، وتجاهله البرلمان الذي ينتمي إليه
اعتقد السعيداني أن دستور 25 يوليو (2022) يوفّر له الحماية والحصانة الكافية، من خلال الفصل عدد 64، وفيه “لا يمكن تتبّع النائب أو إيقافه أو محاكمته بسبب آراء يبديها أو اقتراحات يتقدّم بها أو أعمال تدخل في إطار مهامّ نيابته داخل المجلس”، والفصل عدد 65 “لا يمكن تتبّع أحد النوّاب أو إيقافه طيلة مدّة نيابته بسبب تتبّعات جزائيّة ما لم يرفع عنه مجلس نوّاب الشعب الحصانة. أمّا في حالة التلبّس بالجريمة، فإنّه يمكن إيقافه ويتمّ إعلام المجلس حالا ويستمرّ الإيقاف إذا رفع المجلس الحصانة”. فقد كان النائب مقتنعا بأن ما يدلي به من تصريحات وما يكتبه من تدوينات ونصوص وآراء لا يصنّف ضمن جرائم تضعه تحت طائلة القوانين التونسية، فهو لم يستول على المال العام ولم يسرق أو يغتصب أو يقتل بدون وجه حق. كما أنه، وفق رؤيته السياسية، غير مشمول بما ورد في الفصل 66 من الدستور “لا يتمتّع النائب بالحصانة البرلمانيّة بالنسبة إلى جرائم القذف والثلب وتبادل العنف المرتكبة داخل المجلس أو خارجه، ولا يتمتّع بها أيضا في صورة تعطيله للسير العاديّ لأعمال المجلس”، لأنه لم يمارس العنف داخل المجلس أو خارجه ولم يعطّل سيره العادي، ولا ترتقي أقواله إلى مستوى القذف والثلب، ناهيك أن تكون تلك المصطلحات الدستورية غير معرّفة بالدقّة والوضوح الكافيين في القانون التونسي. وأن وصف رئيس الجمهورية بـ “القائد الأعلى للصرف الصحي” فيه نهل واقتباس من المعجم السعيدي نفسه، وهو معجم حافل بسجل واسع من المصطلحات والأوصاف والنعوت التي ينعت بها الرئيس سعيّد المعارضة والمعارضين، من قبيل الخونة والعملاء والشياطين والمخمورين ومصّاصي الدماء والأورام والفيروسات والمكروبات والنفايات، بل هو أقلّ حدّة وعنفا مما يستخدمه الرئيس من مصطلحات.
تخلّى عن السعيداني رفاق المسار معتبرين مواقفه تطاولا على رئيس الجمهورية ورمز وحدتها، وتجاهله البرلمان الذي ينتمي إليه على ما في الأمر من احتقار لناخبيه، وسكت عن محنته المجلس الوطني للجهات والأقاليم (الغرفة الثانية)، ولم تسنده المعارضات التقليدية للعداء الذي يكنّه لها. ومع ذلك، فإن اعتقاله وإيداعه السجن على خلفية تدوينة نشرها في “فيسبوك” لا يعدّ حدثا عارضا في تونس، فهو يمثّل درسا لكل من أيّد إيداع المعارضين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، السجون، وتلذذ بمآسيهم، لنصوص كتبوها أو تدوينات نشروها أو مواقف صدحوا بها ولم ترق للسلطة الحاكمة أو تعجبها وكان مصيرهم المحاكمات الصورية والأحكام الثقيلة والجائرة.
المصدر: العربي الجديد






