
لم تعد حالة الانسداد السياسي في العراق حالة طارئة أو غريبة على بنية هذا النظام السياسي والعملية التي هندسها المحتلّ الأميركي عقب غزو البلاد عام 2003، فبمرور الوقت تحوّلت إلى “متلازمة” عضوية، تبرز بوضوح فجأة كلّما جرت عملية انتخابية. هذا الانسداد الذي يتكرّر كل أربعة أعوام ليس مجرّد خلاف على الحصص، بل هو تعبير فعلي وواقعي عن شكل العملية السياسية التي فصّلت بدقة في مقاس قوى وكيانات وأحزاب لم تكن يوماً سوى وجه عراقي لمنظومة الغزو، ولم تمتلك يوماً مشروعاً وطنياً يتجاوز المصالح الضيّقة. واليوم، يبدو أن العراق سيبقى يدفع ثمن هذه الهيكلية المشوّهة لأجيال وأجيال، في ظلّ نظام صُمّم لكيلا يُنتج استقراراً، بل لكي يُديم الأزمات.
لم يعد من الممكن، أخلاقياً ولا سياسياً، الإبقاء على نظام حوّل بلاد الرافدين إلى “حديقة خلفية” لإيران، واستنزف ثروات دولة نفطية عملاقة ليحوّلها إلى أفقر دول المنطقة
مضت اليوم نحو ثلاثة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية، وهي مدة يُفترض في الأعراف الديمقراطية المستقرّة أنها كافية وكفيلة بأن تُفرز حكومة جديدة قادرة على إدارة شؤون البلاد، لا سيّما وفق التوقيتات الدستورية التي سطّرها هؤلاء السياسيون أنفسهم عام 2005. وعلى الرغم من انقضاء المدى الزمني المُفترَض، ما انفكّت نتائج الانتخابات وتفاهمات أقطابها عاجزة عن تحقيق أي اختراقٍ يُفضي إلى ولادة الحكومة، وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ كانت القوى السنّية، التي طالما وُصمت بـ”التعطيل”، الطرف الأكثر حرصاً على التوقيتات الدستورية بتقديم مرشَّحها لرئاسة البرلمان، بينما غرقت الأطراف الأخرى في دوامة صراعاتها البينية. وبذلك، يظلّ المشهد رهيناً لتوافقات القوى الكردية والشيعية على مرشَّحَي رئاستَي الجمهورية والوزراء، تكريساً لـ”عرف المحاصصة” الذي فتّت الهُويّة الوطنية لصالح الهُويّات الطائفية والفرعية، مُجهزاً على مفهوم المواطنة الجامعة.
تعود جذور هذا التيه إلى عام 2010، حينما فازت القائمة العراقية بزعامة إياد علّاوي، وما تبع ذلك من “هندسة قضائية” من المحكمة الاتحادية التي أصدرت تفسيراً مجحفاً لمصطلح “الكتلة الأكبر”. ذلك التفسير الذي قرّر أن الكتلة الأكبر هي التي تتشكّل داخل قبّة البرلمان، لا التي تفوز بصناديق الاقتراع، كان بمثابة الرصاصة التي قتلت الممارسة الديمقراطية في مهدها. منذ ذلك الحين، والسياسة في العراق تخرج من تيهٍ إلى تيه، ومن انسدادٍ إلى آخر، حتى وصلت اليوم إلى طريق مسدود تماماً، ولولا “اتفاق الأضداد” والمصالح المتقاطعة بين واشنطن وطهران، لكانت هذه العملية السياسية الآن في عداد الموتى سريرياً، خاصّة في أعقاب ثورة تشرين (2019)، تلك الثورة التي كان بإمكانها الإطاحة بالنظام برمته، لولا أن تداركته “الرحمة” المصلحية لأميركا وإيران، اللّتَين أفسحتا المجال للقوى المتنفّذة لارتكاب مجزرة مروّعة بحقّ الشباب العُزّل، راح ضحيتها نحو 800 شهيد وأكثر من 28 ألف جريح، في محاولة يائسة لحماية نظام يخدم مصالح الخارج قبل الداخل.
اليوم، ورغم أن المتغيّرات الدولية والإقليمية تتسارع بشكل مذهل، فإن القوى السياسية العراقية تبدو وكأنّها تعيش في “عالم موازٍ”. إنهم يمارسون السياسة بعقلية 2005 في واقع 2026. “الإطار التنسيقي” يصرّ على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وهو الشخصية الأكثر إثارة للجدل والانقسام في تاريخ العراق المعاصر، وصاحب الحقبة التي شهدت سقوط ثلث العراق بيد الإرهاب، ناهيك طبعاً عن طائفيته التي أفرزت حرباً أهلية ما زالت ندوبها بادية على وجه المجتمع حتى اليوم، يُضاف إلى ذلك اختفاء مليارات الدولارات من الموازنة العامة.
يأتي هذا الإصرار في وقت يبدو فيه الرفض الأميركي قاطعاً، وهو ما عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب بوضوح في تغريداته أخيراً التي لم تترك مجالاً للتأويل. وفي الجانب الآخر، ما زال الحزبان الكرديان (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني) عاجزَين عن مغادرة المربّع الأول في التوافق على مرشَّح رئاسة الجمهورية، متناسين أن الدستور الذي كتبوه يجعل من اختيار رئيس الجمهورية المدخل الإلزامي لتكليف رئيس الوزراء. وإذا عدنا بالذاكرة إلى عام 2021، نجد أن عملية التشكيل استغرقت عاماً كاملاً، ووصلت البلاد فيها إلى حافّة الحرب الأهلية الشاملة. حينها، حاول التيار الصدري بكتلته الوازنة (73 مقعداً) كسر قاعدة “المحاصصة الشيعية”، والتحالف مع قوى سنّية وكردية (التحالف الثلاثي)، ما أدّى إلى تعطيل دستوري انتهى باشتباكات مسلّحة دموية داخل المنطقة الخضراء، وأفضى في النهاية إلى انسحاب الصدر التام.
ويبدو أن سيناريو انتخابات 2025 يسير في الخطى المتعثّرة ذاتها، ولكن مع فارق جوهري في البيئة المحيطة؛ فالمنطقة اليوم تغلي وتمور، والطبول تُقرع لحرب إقليمية تبدو أقرب من أي وقت مضى. فالولايات المتحدة حشدت قواتها وإمكاناتها في المنطقة لكسب معركة سريعة وحاسمة ضدّ النظام الإيراني ونفوذه، في حين تتحفّز إسرائيل لضرب أي اتفاق قد يخرج من “الغرف الخلفية” لمفاوضات مسقط.
يظل المشهد العراقي رهين توافقات القوى الكردية والشيعية على مرشَّحَي رئاستَي الجمهورية والوزراء تكريساً لـ”المحاصصة”
وبين مطرقة واشنطن وسندان طهران، يجد العراق نفسه ساحة مفترضة لتصفية الحسابات، والقوى السياسية الحاكمة في بغداد تدرك، ربّما أكثر من غيرها، أن الحرب مقبلة، وأنها قد تستهدف العمق الإيراني. وهذا الشعور بالخطر الوجودي هو المحرّك الحقيقي لحالة التسويف والمماطلة الراهنة؛ إنهم ينتظرون ليروا لمن ستكون الغلبة، وهل سيبقى النظام الإيراني “رئتهم” وسندهم في قيد الحياة للمرحلة المقبلة. إنهم يدركون أن شرر هذه الحرب لن يكتفي بالمرور في سماء العراق، بل ستتحوّل مدنهم وقواعدهم إلى أهداف مباشرة، وسيكون العراق “صندوقَ بريدٍ” دمويّاً بين القوى المتصارعة.
لقد وصل هذا النظام الذي أفرزته عملية 2003 إلى نهاياته المنطقية. لم يعد من الممكن، أخلاقياً ولا سياسياً، الإبقاء على نظام حوّل بلاد الرافدين إلى “حديقة خلفية” لإيران، واستنزف ثروات دولة نفطية عملاقة ليحوّلها إلى أفقر دول المنطقة.
فطيلة عقدَين، كان العراق يعمل “رئة اقتصادية وعسكرية” للنظام الإيراني، وسدّاً يحميه من العقوبات الدولية، ذلك كلّه على حساب المواطن العراقي ومستقبل أجياله.
الانسداد الحالي ليس مجرّد “أزمة تشكيل”، بل هو “سكرات موت” لنظام لم يعد يمتلك أسباب البقاء، وفي انتظار اللحظة التي سيقرّر فيها الشعب أو القدر الإقليمي وضع نقطة النهاية لهذا التيه الطويل.
المصدر: العربي الجديد






