
ثمة فرقٌ بين فكرة الأكثرية، والشعور بالانتماء إلى الأكثرية. الأكثرية صفةٌ يكفي أن يسندها رقمٌ إحصائي أو نسبةٌ مئوية، بينما يمتلك الشعور بالانتماء إلى الأكثرية مؤشِّرَين: الأول هو الشعور بالاطمئنان الناتج من الكثرة، والقوة، والثقة؛ والثاني هو القدرة على احتضان المشروع الوطني. وبطبيعة الحال، ينحسر هذان المؤشِّران، أو يختفيان كليًا مع تغوُّل أسلوب تفكير العصبية على وعي الأكثرية؛ فتتحول الأكثرية بذلك إلى أقليةٍ من الأقليات، ليس بالعدد، بل بمنطق تفكيرها، وأفقها الذهني الناظم لفهمها لذاتها ومحيطها، ونوعية سلوكها. وهكذا يتحوَّل كلُّ صراعٍ في البلد إلى صراعِ أقليات، الكل فيه ينتصر على الكل، ويخسر الإنسان.
مثلًا، كانت ظاهرة عبد الرحمن الشهبندر ورفاقه أنموذجًا لهذا الشعور بالاطمئنان، ومن ثم للرغبة في احتضان مشروعٍ وطني، والتسامي فوق الهُوية الضيقة. وكان هذا التسامي نتيجة رحابة الوعي الوطني في حينه، واتساع الأفق السياسي الذي ضمن مقاربة الذات الجماعية في السياسة بوصفها أكبر من أن تكون مجرد “أكثرية” مُعرَّفة بدلالة وجود “أقليات”. وأدَّى هذا الأفق في حينها إلى تعاونٍ مدهشٍ مع سلطان الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى عام 1925، واحتضان مشروعٍ وطني قادر على تدبير مشكلة “الأقلية” و”الأكثرية” في زمنٍ كانت فرنسا تستثمر في هذه الثنائية بكل طاقاتها، بل كانت تسعى إلى انفصال ما كانت تسميه “دولة جبل الدروز”.
إنَّ الإصرار على فكرة الأكثرية هو بالضرورة إصرارٌ على نمط التفكير الأقلوي؛ فليس للأكثرية أي معنى إلا بدلالة مفهوم “الأقليات”، ولولا وجود “أقليات” لما كان لكلمة “الأكثرية” معنى، فهي “أكثرية” لأنَّهم “أقليات“.
المنطق الذي يقبع خلف هذا الكلام كلّه، له علاقة مباشرة بمفهوم النصر الذي بين أيدينا اليوم؛ فواحدة من أكبر “الفخاخ” التي ينصبها لنا العقل الجمعي بعد الانتصارات المفاجئة، هو أن نقارب هذا النصر بوصفه ملكًا للأكثرية؛ فالنصر على منظومة الأسد ليس نصرًا للسنة إلا بقدر ما هو نصرٌ لسورية كلها، بل إن الأكثرية السنية، لا يمكن أن تنتصر إلا باحتضان مشروعٍ وطني، ليس لأنها ستخفق إن لم تحتضنه؛ بل لأنَّها، من دون هذا الاحتضان، لن تظل تعمل ضمن مفهوم الأكثرية بقدر ما ستكون جماعةً تتصرف كما لو أنها أقلية. بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن تُحمَّل الأكثرية مسؤولية حل مشكلات الأقليات السورية الكثيرة، والمتشعبة، والمُستفزة في أحيانٍ كثيرة، بل يعني أن الحالة الوطنية ينبغي أن تكون أفقًا لتدبير المشكلتين معًا: مشكلة الأقليات، ومشكلة الأكثرية التي تتصرف كما لو أنها أقلية. يرتبط هذا السياق بسؤالٍ مهم: كيف ننظر إلى ذواتنا الجمعية؟ يعني هل نقارب هذه الذات بدلالة الآخر، أم بدلالة ذاتها؟ واحدةٌ من مشكلات ثورات
العالم كلها، أنَّها عندما ننتصر تتركنا مع مقاربةٍ من النوع الثاني: أي اعتياد على مقاربةِ الذات بدلالة آخرٍ من نوعٍ ما؛ فالذات الثورية مصطلحٌ ليس له أي معنى من دون وجود ما نثور ضدّه، ولأنها ثورة فهي لا تعرف ذاتها بطبيعة الحال إلا بدلالة وجود ما تثور ضده. والمشكلة الآن تكمن باستمرار عمل هذه الطريقة في تعريف الذات بعد انتصار الثورة.
في كل الأحوال، ما يمكن أن نقوله استنادًا إلى هذا السياق، إنَّ الإصرار على فكرة الأكثرية هو بالضرورة إصرارٌ على نمط التفكير الأقلوي؛ فليس للأكثرية أي معنى إلا بدلالة مفهوم “الأقليات”، ولولا وجود “أقليات” لما كان لكلمة “الأكثرية” معنى، فهي “أكثرية” لأنَّهم “أقليات”، وهم “أقليات” لأنَّها “أكثرية”؛ ومن ثم فإن مصطلح “الأكثرية السنية” عندما يعمل في السياسة، يشير إلى إخفاق هذه الجماعة سياسيًا، لأنّها لم تجد طريقة تُعرِّفُ فيها ذاتها بذاتها، أي أخفق أبناؤها في الشعور بالانتماء إلى الأكثرية، ذلك الشعور الذي يقوم على الاطمئنان للذات، واحتضان المشروع الوطني. بمعنى آخر يمكن أن نقول إن مفهوم “الأكثرية السنية” حقيقة إحصائية، أمّا الانتماء إليها فهو حقيقةٌ وطنية تحيل على السياسة، والفعل السياسي الذي لا يعرِّف ذاته إلّا بدلالة قوته على احتضان المشروع الوطني.
لم تنهر الثورة السورية رغم الهزائم الكثيرة المتتالية التي تكبدتها على مدار السنوات الماضية، والفكرة المهمة الآن هي ألّا نسمح بأن يُهزَم أبناءُ الثورة لأنَّها انتصرت. وأبناء الثورة هم أبناء التنسيق، والعمل معًا، والتعاون، والتضامن، وبناء الروح المدنية، وليسوا أبناء التقوقع على العصبيات، بل إنهم هادمو سياجات الفصل الطائفي، والمناطقي، والديني، والطبقي، التي بناها البعث خلال نصف قرن. وثمة سؤالٌ مهمٌ لا بدَّ أن يبقَ في أفق تفكيرنا السوري هذه الأيام: لماذا تفشل الثورات بعد أن تنجح؟ بصيغةٍ أُخرى: لماذا معظم الثورات التي نجحت في التحرر فشلت في الحرية؟ الجواب الأوضح الذي بين أيدينا الآن، يحيل على فكرة قد نسميها “الصدمة الناتجة من النصر”، وهي التي تظهر عندما يتم استهلاك الزخم الثوري، ورأس المال الاجتماعي الوطني الذي راكمه البشر في أثناء ثورتهم، قبل أن يتم تحويله إلى مؤسسات، أو قبل الاستثمار به في مأسسة السياسة الوطنية، وفي بناء مبدأ جديد، هو مبدأ الفعل بالسياسة، والتمرين على إتقانه بوصفه بديلًا للفعل بالعصيان، أو الفعل بالبندقية، اللذين رافقا الثورة. هذا السبب بالتحديد هو الذي أدَّى إلى انزلاق الثورة الفرنسية للإرهاب، في حين نجحت الثورة الأميركية بالدستور.
العنف بعد الثورة يبدأ حين يفشل العمل السياسي، ويؤشِّر إلى مشكلة تتعلق بأزمة هوية عند الفاعلين، وإذا استمر ذلك قد يعني أن هدف الثورة تحقق، ولكن معناها ضاع.
ثمة فراغٌ هُووي (من هويَّة) يرافق انتصار الثورات التي تشبه الثورة السورية بكل مساراتها وعذاباتها وإصرار أبنائها، الفراغ يأتي من العجز عن الإجابة السياسية عن أسئلةٍ تحضر بقوة بعد النصر، من قبيل: من نحن الآن؟ ماذا سنفعل؟ إلى اين ننتمي؟ وتبدأ المشكلة إذا استعجلنا في الإجابة عن هذه الأسئلة المُدهشة من دون تفكيرٍ، ومن دون مأسسة التفكير أيضًا. هذا التفكير هو القدرة على ممارسة الحرية بوصفها فعلًا سياسيًا دائمًا داخل الفضاء العمومي، وانتقالٌ من نشوة التحرير إلى سعادة الحرية. أمّا ممارسة الحرية داخل الحيز الخاص؛ فهذا ليس من الحرية بشيء، أيًا يكن هذا الحيز، طائفة، أو دين، أو قبيلة، أو إثنية، أو أي شيء آخر يحيل على جماعة المتشابهين المتجانسين الذي لم يتدربوا على تمرين الاختلاف وتدبيره سلميًا بوصفه مفتاح السياسة والسعادة والسلام الدائم. وأي عنفٍ قد يظهر بعد النصر، لا يمكن فهمه إلا بوصفه إشارة حمراء، تدل على وجودٍ خللٍ في الانتقال من فكرة التحرير إلى فكرة الحرية؛ فالعنف بعد الثورة يبدأ حين يفشل العمل السياسي، ويؤشِّر إلى مشكلة تتعلق بأزمة هوية عند الفاعلين، وإذا استمر ذلك قد يعني أن هدف الثورة تحقق، ولكن معناها ضاع.
المصدر: تلفزيون سوريا


