
صدق من لاحظ أنّ دونالد ترامب صرف المحلّلين السياسيين إلى مقاعد البطالة المبكّرة، وسرق من مراكز الأبحاث والتقدير مسمّاها الوظيفي بوقاحته التي يسمونها زوراً صراحةً، حين يجاهر بنيته ارتكاب جرم هنا وسرقة هناك واحتلال شمالاً وسطو شرقاً وآخر جنوباً ثم غرباً. والصحافي الاستقصائي أيضاً من ضحايا استقواء صاحب الفم الكبير. المحلّلون والباحثون كانوا حين يكتشفون، بالدراسة والتفتيش في المراجع وجلسات التأمّل الطويل والنقاش الصاخب، أن رئيساً لدولة كبرى قد يتجرّأ على طرح مشروع طويل الأمد لتغيير تفصيل في النظام الدولي، يقيمون احتفالاتٍ للتباهي بقدراتهم الذهنية والاستشرافية. والصحافي حين يكتشف سراً سياسياً لرئيس أو مسؤول صف أول، كان يطبعه في كتاب يكسّر الأرقام القياسية في المبيعات ويتحوّل الكاتب تلقائياً إلى ضيف دائم للمنتديات وأستاذ زائر في كليات الصحافة والعلوم السياسية الغربية، باعتباره أقدم على فتْحٍ في المهنة وفي الشأن العام. موقع ويكيليكس، عندما نشر غسيلاً وسخاً، شغل الكوكب سنوات وأثار حسداً مديداً عند صحافيين يحبّون مهنتهم بما هي مهنة يجب أن تكون مؤثّرة ومفيدة، كذلك فعل إدوارد سنودن، قبل أن نكتشف حجم إعجابه بحكّام روسيا التي يحمل جنسيتها منذ عام 2022. كان هذا وذاك يحصلان إلى أن جاء دونالد ترامب. يُتهم بأنّه يفكّر بالاستيلاء على بلد ما، فتنهال على المتّهِم شتائم الرئيس الأميركي، لأن الصحافي لم يقل سوى نصف الحقيقة، فالاستيلاء سيكون على بلدان بالجملة، لا على بلد واحد مثلما ادّعى ابن الكذا والكذا بمصطلحات الرئيس الذي لا يحترم سوى الأقوياء مثلما صارحنا مراراً، والأقوياء، بالمصادفة، غالباً ما يجد فيهم شيئاً يشبهه، يضحك لهم ويضحكون له.
مع ترامب لم تعد هناك فضيحة، انتهت الإثارة، ويصعب أن تجد بعد اليوم كشْفاً يستحقّ اسمه، وهذه جريمة تضاف إلى الجرائم الكثيرة التي كان الرجل سيُحاكم عليها في رواية أخرى، ويسجن ربما مدى الحياة. فضيحة فساده المالي ومحاكمته بسببها، هو رجل الأعمال الفاشل والمفلس والملياردير بالقروض حصراً، فرشت له سجادة حمراء نحو ولاية ثانية. قلة أخلاقه وانعدام تهذيبه وذكوريته أكملت مهمّة جمع الأصوات الضرورية لانتخابه ذات 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. ترامب يحرمنا من عنصر المفاجأة، فمن الذي سيستغرب حقاً إن قرّر غداً أنّ على فرنسا أن تدفع رغماً عن أنفها للولايات المتحدة 10 تريليونات دولار تعويضاً عن استعمارها ولاية لويزيانا بين عامي 1682 و1762؟ أو لأنها آوت أشهر أسماء الأميركيين في الأدب والموسيقى، من أرنست همنغواي إلى نينا سيمون وهنري ميلر، أو لأن عباقرة آخرين، مثل مايلز دايفيس، كان يرون في فرنسا جنّةً للحرية والعدالة والمساواة نقيضة للعنصرية في بلدهم. وترامب الأمّي سياسياً، المعروف بأنه لا يقوى ذهنياً على قراءة تقارير استخباراته ووزاراته وحتى أكثرها حساسية وأهمية، يهوى، من وقت إلى آخر، الاستماع إلى نخبة الفاشيين المحيطين به، ومن بين هؤلاء محترفو تزوير التاريخ. لا بد من أن يهمس أحدهم قريباً في أذن رئيسه أن الجنرال الفرنسي لا فاييت، بمساعدته جورج واشنطن في الحرب الأميركية الكبرى، يتحمّل مسؤولية بمفعول رجعي عن ضمّ ولايات إلى الاتحاد تصوّت منذ الأزل للديمقراطيين، وهل من مؤامرة فرنسية أكبر من هذه ضد جعل أميركا عظيمةً مجدداً؟ ولأنّه لا مجال للنكتة مع ترامب، فإنّ هذه الدعابة وغيرها من غرائب الخيال العلمي قد تصبح حقيقة غداً أو بعد غدٍ أو في أيٍّ من الأيام الـ 1,095 المتبقية من كابوس رئاسته.
لا يجدر أن تكون مشكلتنا مع دونالد ترامب سياسيةً بقدر ما يجب أن تكون إنسانية، فنية، أخلاقية، ومشكلة ذوق عام. وكيف يمكن احترام رجل في سنّه يندر أن يأكل وجبة لا يكون اسمها “بيغ ماك” من مكدونالدز، أو تشيكن ماك ناغتس، بوصفها “طعاماً أميركياً رائعاً”؟ حتّى البرغر جعلنا ترامب نكرهه. وهل من جريمة أكبر من هذه؟
المصدر: العربي الجديد






