ازدواجية معايير بروكسل ما بين إيران وإسرائيل

علي أنوزلا

لم يحتج وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سوى إلى جلسة واحدة خاطفة ليُصادقوا، بالإجماع، على حزمة عقوبات ثقيلة على إيران. لم تسجل الجلسة الكثير من النقاش أو التردد، ولا حاجة إلى لجان تقصٍّ أو تقارير مركبة، وفي جمل عارية أُدين النظام الإيراني الذي استحق أقسى العقوبات لأنه نظام يقمع شعبه ويقتل المحتجين. هكذا، بجرّة قلم، صُنّف “الحرس الثوري” الإيراني، وهو جيش نظامي تابع لدولة ذات سيادة، تنظيماً إرهابياً. سابقة لم يعرفها التاريخ الحديث، ولم تُطبّق على جيوش أنظمة عسكرية ارتكبت، ولا تزال، مجازر موثقة ضد شعوبها، كما هو الحال في بورما، إذ قتل الجيش الحاكم، منذ انقلابه على السلطة المدنية عام 2021، الآلاف وهجّر الملايين، من دون أن يخطر ببال بروكسل تصنيف الجيش هناك “إرهابياً”. وغير بعيد عن الاتحاد الأوروبي، في السودان الذي ارتكبت فيه مليشيا شبه عسكرية جرائم بشعة ضد الشعب السوداني، اكتفى الاتحاد الأوروبي، في الأسبوع نفسه، بإصدار عقوباتٍ مخفّفة تتعلق بتجميد الحسابات والمنع من السفر، على بعض أفراد تلك المليشيا لا يتعدّى عددهم أفراد اليد الواحدة!
كل الاتهامات التي بُنيت عليها العقوبات ضد إيران استندت، في جزء معتبر منها، إلى تقارير استخبارية غربية وإسرائيلية
أما العقوبات الأوروبية على إيران، فلم تقتصر فقط على وصف جيشها بالإرهابي، بل شملت وزراء، ومدّعين عامين، وقيادات أمنية، وكيانات، ومنظّمات اتُّهمت بمراقبة الإنترنت وقطع الاتصال، إضافة إلى عقوبات مرتبطة بدعم طهران روسيا في حرب أوكرانيا. وفي بيان مجلس الاتحاد، جاء التبرير جاهزاً، “تورّط في القمع العنيف للاحتجاجات السلمية والاعتقال التعسّفي”. أما رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، فلم تُخفِ حماستها، معتبرة أن “مصطلح إرهابي هو الوصف الصحيح لنظام يقمع مظاهرات شعبه بالدم”.
يبدو ذلك كله، من حيث المبدأ، منسجماً مع القيم المعلنة للاتحاد الأوروبي، ومع خطابه الحقوقي، ومع شعاراته حول حماية المدنيين، وكرامة الإنسان، وسيادة القانون، غير أن السؤال ليس هنا، بل في تلك الازدواجية الصريحة في المعايير التي لم تعد تخفى على أحد، بل حتى الاتحاد الأوروبي لم يعد يبالي بتبريرها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بغزّة، وبمعاناة الفلسطينيين عموماً، الذين يعيشون تحت احتلال دولة ترتبط بشراكة استراتيجية مع الاتحاد ودوله. فعندما تعلق الأمر بغزّة، التي تشهد منذ عامين ونصف عام حرب إبادة، وبالرغم من القتل الجماعي، واستهداف الخدّج والرضّع والأطفال والنساء والمدنيين وحتى الحيوانات الأليفة، والقصف العشوائي للمستشفيات والمدارس وآبار المياه، والتدمير الواسع للبنى السكنية المدنية، ومنع الدواء والغذاء والمساعدات، وموت الأطفال جوعاً وبرداً، وقتل الصحافيين والمسعفين ورجال الإغاثة، ومنع الناس من السفر، وترك أكثر من مليوني شخص يعيشون في العراء تحت خيام مهترئة، أو ما تبقى من بنايات آيلة إلى السقوط، ومنع الصحافة من الدخول إلى غزّة… كل هذه الفظائع لم تستوجب من الاتحاد الأوروبي، الحريص على حقوق الإنسان، عقد جلسة طارئة، أو اجتماع خاطف، بل ثمة جمود يكاد يصل إلى حدّ الشلل السياسي. ولم تصدُر عنه عقوباتٌ على المعتدي أو تصنيفات لجيشه الإجرامي وقادته وساسته المجرمين، بل عكس ذلك، فما شهدناه طوال السنتين الماضيتين، التردّد، والتباطؤ، والتغاضي، بل والتبرير المقزّز عندما تعجز بروكسل عن اتخاذ أي إجراء “ذي معنى” تجاه شريكتها إسرائيل. المفارقة أن الاتحاد الأوروبي نفسه خلص، عبر تحقيق رسمي، إلى أن إسرائيل انتهكت بند حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد. ومع ذلك، لم يُعلّق الاتفاق، ولم تُفرض عقوبات، ولم تُستخدم أوراق الضغط التي يشهرها الاتحاد بوجه دول أفريقية وأنظمة قمعية في أميركا اللاتينية وآسيا.
ازدواجية المعايير لا تسيء فقط إلى الفلسطينيين، بل تُضعف أيضاً مصداقية الاتحاد الأوروبي في دفاعه عن الإيرانيين
هذا التناقض الفاضح في المواقف الذي يجعل الاتحاد الأوروبي صارماً وسريعاً مع إيران، ومتساهلاً ومتردّداً مع إسرائيل، يصبح صارخاً عندما نعلم أن كل الاتهامات التي بُنيت عليها العقوبات ضد إيران استندت، في جزء معتبر منها، إلى تقارير استخبارية غربية وإسرائيلية، ومواد إعلامية مسرّبة، وفيديوهات يصعب التحقق من سياقها الزمني والمكاني، ومصادر معارضة تقيم في الخارج، وقد كُشف زيف بعض هذه المواد حين تبيّن أن صورة نُشرت لامرأة قُدّمت بكونها ضحية قمع في إيران تعود، في الواقع، لمواطنة إسرائيلية ظهرت لاحقاً في فيديو من فلسطين المحتلة، تؤكّد أنها لم تزُر إيران يوماً. أما أعداد الضحايا، التي رُفعت إلى عشرات الآلاف، فلم تُدعَّم بتقارير موثقة مستقلة، باستثناء أعداد اعترفت بها السلطات الإيرانية نفسها، تجاوزت ثلاثة آلاف قتيل، وهو رقم مفزع بلا شك، لكنه يختلف جذرياً عن الأرقام المتداولة إعلامياً وتدّعي مقتل أكثر من ثلاثين ألف شخص! ولا داعي للمقارنة بما حدث وما زال يحدث في غزّة حيث القصف والقتل الجماعي يوميّاً تحت أنظار العالم على الهواء مباشرة، وقد تجاوز عدد ضحاياهما أكثر من 170 ألف شخص ما بين شهيد ومفقود وجريح، أغلبهم من الأطفال والنساء والمدنيين العزّل الأبرياء.
ومع ذلك، حتى لو سلّمنا بكل تلك الاتهامات الموجهة إلى إيران، يبقى السؤال المقلق: لماذا تُطبّق المعايير نفسها بصرامة على إيران، وتُعلّق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟ لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن القمع في إيران، ولا عن الإعدامات، ولا عن انتهاكات حقوق الإنسان هناك، لكن الدفاع عن الضحايا لا يكون انتقائياً، ولا يخضع للجغرافيا السياسية ولطبيعة العلاقة السياسية بين الاتحاد ودوله والأنظمة المستهدفة بعقوباته. فحقوق الإنسان، إذا تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي، تفقد طابعها الكوني وعمقها القيمي والأخلاقي.
ازدواجية المعايير هذه لا تسيء فقط إلى الفلسطينيين، بل تُضعف أيضاً مصداقية الاتحاد الأوروبي في دفاعه عن الإيرانيين أنفسهم، إذ كيف تُقنع بروكسل العالم بخطابها الأخلاقي والقيمي، وهي تعجز، أو تتردّد عن مجرّد إشهارها في وجه أقرب حلفائها؟ المشكلة ليست في تشدّد عقوبات بروكسل وسرعة صدورها على إيران، بل في تساهلها وتغاضيها عن جرائم إسرائيل، وهي أفظع بكثير مما ارتُكب في إيران. لا يضرّ هذا التناقض فقط بصورة الاتحاد الأوروبي، بل يفرغ إدانته إرهاب الأنظمة القمعية، مثل النظام الإيراني، من مضمونها الأخلاقي والسياسي، ويقوّض الثقة في التزامه بالقيم التي يعلن الدفاع عنها، بما في ذلك الدعم المشروع الذي يستحقّه الشعب الإيراني، كما الشعب الفلسطيني وكل الشعوب التوّاقة إلى تقرير مصيرها بنفسها، بما في ذلك الشعوب الأوروبية التي اختطفت بيروقراطية بروكسل سيادتها وقراراتها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى