هل اختار الأوروبيون المغربَ شريكاً استراتيجياً؟

عبد الحميد اجماهيري

للمرّة الأولى في تاريخه، ثم في تاريخ العلاقة مع المغرب، حسم الاتحاد الأوروبي (بعدّه كتلةً جيوسياسيةً ذات سياسة خارجية موحّدة) الموقف الجماعي من ملفّ الصحراء المغربية. وكان هذا الحسم الواضح، الوارد في بيان رسمي مشترك مع الدبلوماسية المغربية، لفائدة دعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما وافق عليه مجلس الأمن.
يمكن أن نقرأ في هذا تجاوباً مع موجة دعم دولية عميقة، اقتنعت بواقعية (ومصداقية) المقترح المغربي، والذي صار أممياً منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بفعل قرار مجلس الأمن 2797. لكن ذلك لا يُلغي أن الاتحاد الأوروبي أنضج موقفه في ضوء العلاقات مع المغرب نفسه، وبـ”مساعدة” منه. ففي البدء كانت عواصم الدول تعلن مواقفها الواحدة تلو الأخرى، وقد حدثت تحوّلات جوهرية بإعلان كلٍّ من مدريد وباريس وبرلين وبروكسل، وقرابة 23 عاصمة أوروبية دعم مخطط المغرب، ثم انتقلت المساندة إلى المواقف الإقليمية المعبَّر عنها بمجموعات الدول، كما هو حال مجموعة فيشغراد (4) التي توجد بولندا في قلبها، أو دول البلطيق، ثم الدول الاسكندنافية التي توالت مجموعةً لشمال أوروبا، وكانت السويد آخر دولة التحقت بالركب. وظلّت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تتراوح بين شراكات استراتيجية معلَنة، وتوتّرات تُرخي بظلالها على هذه العلاقات وتعطلّها في أحيانٍ كثيرة.
مواقف واشنطن الإيجابية من مغربية الصحراء وجدت صداها في خطابات النخبة المغربية وخطاب رأس الدولة فيها
وبالموقف المعبّر عنه على هامش الدورة الـ15 لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، الخميس الماضي في بروكسل، اعتمدت الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي موقفاً أوروبياً مشتركاً جديداً يعتبر أن “حكماً ذاتياً حقيقياً قد يمثّل أحد أكثر الحلول قابليةً للتطبيق” من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي. وهناك ثلاثة مستويات في القرار الأوروبي؛ تأطيره بالقرار 2797؛ الدعوة إلى جميع الأطراف “للمشاركة في المحادثات من دون شروط مسبقة وعلى أساس مخطّط الحكم الذاتي”؛ الترحيب بإرادة المغرب توضيح كيفية تنزيل الحكم الذاتي.
ويمكن القول إن المغرب “ساعد” أوروبا الاتحادية في بلورة الموقف الجديد مرَّتَين على الأقلّ، وبخطاب رسمي. إذ ليس سرّاً أن الاتحاد الأوروبي كان المعني الأول بخطاب العاهل المغربي محمّد السادس في خطاب يوم 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 بمناسبة الذكرى الـ46 للمسيرة الخضراء، وقال فيه: “نقول لأصحاب المواقف الغامضة أو المزدوجة، إن المغرب لن يقوم معهم بأيّ خطوة اقتصادية أو تجارية لا تشمل الصحراء المغربية”، في الوقت نفسه أشاد بوجود “شركاء دوليين صادقين، يستثمرون إلى جانب القطاع الخاص الوطني، في إطار من الوضوح والشفافية”.
وكان الملك قبل ذلك قد انتقد النخبة الأوروبية في “لعبتها” المزدوجة في المغرب الكبير، كما تبيّن من خطابه بمناسبة الذكرى الـ68 لـ”ثورة الملك والشعب” يوم 20 أغسطس/ آب 2021، وفي ذلك توقّف عند انتقادات جوهرية؛ فالدول الأوروبية، التي تُعدّ (للأسف) من “الشركاء التقليديين”، تخاف على مصالحها الاقتصادية، وعلى أسواقها ومراكز نفوذها بالمنطقة المغاربية. كما أن بعض القيادات الأوروبية لم تستوعب “أن المشكل ليس في أنظمة بلدان المغرب الكبير، وإنما في أنظمتها، التي تعيش على الماضي، ولا تستطيع أن تساير التطوّرات”. وقد كانت لهذا الوضوح الصارم تفرّعات أخرى، تعلّقت أساساً بما نُسب إلى ألمانيا أنها قدّمت تقارير اعتبر العاهل المغربي أنها “تجاوزت الحدود كلّها. فبدل أن تدعو إلى دعم جهود المغرب، في توازن بين دول المنطقة، قدّمت توصيات بعرقلة مسيرته التنموية، بدعوى أنها تخلق اختلالاً بين البلدان المغاربية”.
وتلت هذه الفترة (من التوتّر الأعلى درجة في تاريخ العلاقة بين المغرب من جهة، وبين الاتحاد الأوروبي بوصفه تكتلاً ودوله من جهة ثانية) عملية توضيح كبرى أدّت إلى تغيّر موازين القوة لفائدة الرباط. وكان ما سبق ذكره من توالي مواقف الدعم لملفّ المغرب من هذه العواصم (لما لها من وزن في تحديد السياسة الدولية بخصوص القضية المقدَّسة للمغاربة). ويعتبر محلّلون كثيرون وأصحاب القرار في المغرب أنه نجح في إيجاد “توأمة استراتيجية” مع الدول التي انتقدها بحدّة.
لا يمكن أن يغيب عنّا، في أيّ عملية تحليل، “الطيف” الأميركي وحضوره في التحرّكات السياسية المزعجة وقتها للمغرب، حتى إن التطوّرات الإيجابية التي فتحتها مواقف واشنطن من مغربية الصحراء وما ترتّب منها وجدت صداها في خطابات النخبة المغربية وخطاب رأس الدولة فيها، الملك محمّد السادس، الذي طرح الموضوع بوضوح عندما قال: إن الأوروبيين يعتبرون أن “المغرب يتعرّض لهذه الهجمات، بسبب تغيير توجّهه السياسي والاستراتيجي، وطريقة تعامله مع بعض القضايا الدبلوماسية، في الوقت نفسه”، شارحاً حقيقة الوضع بالتأكيد أن “هذا غير صحيح. المغرب تغيّر فعلاً، ولكن ليس كما يريدون؛ لأنه لا يقبل أن يمسّ بمصالحه العليا. وفي الوقت نفسه، يحرص على إقامة علاقات قوية، بنّاءة ومتوازنة، خاصّةً مع دول الجوار”.
أنضج الاتحاد الأوروبي موقفه في ضوء العلاقات مع المغرب نفسه، وبـ”مساعدة” من هذا الأخير
هذه التطوّرات الجوهرية تُوّجت بالموقف الأوروبي الموحّد. ولا بدّ من الإشارة إلى أمرَين أساسيَّين، ساعدا المغرب أخيراً في تصويب البوصلة الشمالية. أولهما القرار الأوروبي بتوقيع اتفاق تجاري فلّاحي وبحري يتضمّن دخول الثروات المغربية ذات المنشأ الجنوبي. وهو ما شكّل ردّاً سياسياً على التحرّكات المناوئة له في القضاء الأوروبي، فحدث أن صوّت البرلمان الأوروبي بـ359 صوتاً، ما أظهر “التزام المؤسّسة الأوروبية بالصيغة المعتمدة من مفوضية الاتحاد الأوروبي، التي تُدرِج جهتَي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب ضمن العلامات الرسمية المعترف بها داخل المبادلات التجارية”.
وثانيهما: احتضان المغرب “خلوة” جيوسياسية حول آفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي. وكان الهدف المعبَّر عنه من المغرب “تجاوز العلاقة السابقة (تعاون – مساعدة) إلى علاقة أرقى تقوم على التحالف الاستراتيجي”. وهو الموضوع الذي كان حاضراً بقوة في أشغال اللجنة العليا التي شكّلت الإطار السياسي لإعلان الموقف الجديد من القضية الترابية للمغرب. ويدخل المنطق الجديد للتحالف المغربي – الأوروبي ضمن ميثاق “الرفاهية المشتركة” الذي يكرّس المغرب فاعلاً مغاربياً وقارياً بالنسبة إلى أوروبا، التي تجتهد في إنجاح انتقالها الجيوسياسي في المنطقة الأورومتوسطية، مع دخول لاعبين كثر في المنطقة عبر بوابة ليبيا وتونس، ثم الساحل والصحراء. ومن الأهداف المعنية من الأوروبيين “الارتقاء بالعلاقات إلى ما هو أعلى”، كما عبّرت عن ذلك مفوضة الاتحاد الأوروبي المكلَّفة بشؤون المتوسط، دوبرافكا سويكا، بقولها: “شراكتنا مع المغرب أقوى من أيّ وقت مضى”، وهي “فريدة من نوعها، وقائمة على طموحات ومصالح مشتركة، وثقة متبادلة”.
في الضفة الجنوبية للمتوسط، ما زالت غيوم التوتر تطبع العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وكلٍّ من الجزائر وتونس وليبيا، كما تدلّ على ذلك المواجهات متعدّدة الأبعاد: الحقوقي منها، والتجاري، والأمني، والسياسي. وهو موضوع آخر يستوجب التدقيق فيه أكثر.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى