
لم تكن الرقة يوماً مدينة عادية في مسار الثورة السورية ولا في تاريخ البلاد الحديث، فهي أول مدينة سورية خرجت بالكامل عن سيطرة نظام الأسد في آذار 2013، لتتحول سريعاً إلى رمز مبكر لكسر حاجز الخوف، ثم إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال الانكسار اللاحق.
خلال أقل من عقد، مرت الرقة بثلاث حقب قاسية: من حكم نظام الأسد إلى إعلان تنظيم “داعش” خلافته عليها، ثم سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، وفي كل مرة كانت المدينة تدفع الثمن الأكبر، في حين يعاد تشكيل مصيرها من فوق رؤوس أهلها.
بعد تحريرها من سيطرة نظام الأسد في آذار 2013، عاشت مدينة الرقة لأشهر قليلة تجربة مدنية استثنائية قياساً بسياق الحرب السورية آنذاك، فقد شهدت حراكاً مجتمعياً واسعاً، تمثل بتشكيل مجالس محلية منتخبة، ونشاط مكثف للجان الإغاثة، وظهور منابر إعلامية محلية، إلى جانب مبادرات ثقافية وتعليمية حاولت إعادة تنظيم الحياة اليومية للسكان بعيداً عن سلطة القمع والأجهزة الأمنية.
في تلك الفترة، بدت الرقة، رغم هشاشة الظروف، كمساحة اختبار حقيقية لإمكانية إدارة مدينة محررة بإرادة أهلها، وبمنطق مدني يقوم على المشاركة والتطوع وتنظيم الشأن العام من القاعدة إلى الأعلى.
تشير دراسات وشهادات موثقة عن تلك المرحلة إلى أن التجربة المدنية في الرقة اصطدمت بعوامل عدة حالت دون استمراريتها، في مقدمتها غياب الدعم المؤسسي، وضعف الموارد، وتنامي الصراع العسكري في محيط المدينة، ما جعلها عرضة لاختراق الجماعات المتطرفة.
مع دخول الرقة المرحلة السوداء مع سيطرة تنظيم “داعش”، أواخر عام 2013، الذي حولها إلى “عاصمة” لمشروعه الدموي، جرى القضاء بشكل منهجي على هذه الحالة المدنية الناشئة، وجردها من حياتها المدنية والاجتماعية، وفرض عليها نموذجاً قائماً على العنف والترهيب، حيث أغلقت المجالس المحلية وقمعت المبادرات الأهلية، واغتيل أو اعتُقل ناشطون مدنيون وإعلاميون، لتحل مكانها سلطة شمولية ألغت المجال العام بالكامل.
ورغم قصر تلك التجربة، ما تزال حاضرة في ذاكرة أهالي الرقة بوصفها دليلاً على أن المدينة امتلكت، في لحظة ما، قدرة فعلية على إنتاج نموذج مدني مختلف، قبل أن يتم إجهاضه بالقوة.
بعد طرد “داعش” منها، سيطرت “قسد” على المدينة مطلقة وعوداً بالاستقرار وإعادة الإعمار، لكنها سرعان ما تحولت إلى مرحلة جديدة من التهميش والإقصاء، إذ أديرت المدينة بعقلية أمنية ومركزية، وأُقصي أبناؤها عن مواقع القرار، واختُزلت المحافظة بوظيفتها الاقتصادية، لا كمدينة مليئة بالكفاءات والكوادر المؤهلة.
طوال هذه السنوات، لم تكن الرقة طرفاً فاعلاً في تقرير شؤونها المحلية ومستقبلها الإداري، بل كانت دائماً موضوعاً لقرارات تُتخذ خارجها، وسلطة تُفرض عليها باسم “محاربة الإرهاب” مرة، وباسم “الاستقرار” مرة أخرى، في حين تتراكم في ذاكرة أهلها طبقات كثيفة من الخذلان والخسارة والغضب الصامت.
يؤكد كثيرون، في الجزيرة السورية عموماً وفي الرقة خصوصاً، أن التحرير وحده لا يصنع دولة، وأن الاستقرار الذي لا يقوم على المحاسبة والشرعية الشعبية ليس سوى هدنة مؤقتة قبل انفجار جديد، ما يجعل المنطقة أمام مفترق طرق حاسم: إما فرصة لبناء شرعية جديدة، وعدالة حقيقية، أو أن تُختطف مرة أخرى باسم الاستقرار، وإعادة إنتاج الكارثة نفسها بوجوه وخطابات مختلفة.
في هذا التقرير، نحاول الاقتراب من الرقة، لا كملف سياسي أو أمني، بل كمدينة تتكلم بلسان أهلها، لتقول ماذا تريد في هذه المرحلة، وما الذي تخاف منه، وأي دولة تتطلع إليها بعد كل ما مر عليها.
“دولة تحاسب لا تُبيّض”
تُجمع أصوات من تحدثنا إليهم من أهالي الرقة وأبنائها على أن خروج المدينة من سيطرة “قسد” وعودتها إلى كنف الدولة السورية شكل لحظة فارقة، لكنها لحظة محملة بالاختبار أكثر مما هي مضمونة النتائج.
فبعد سنوات من حكم الأمر الواقع وتعدد السلطات، يرى كثيرون أن ما سيحدد مآلات المرحلة المقبلة ليس تبدل السيطرة، بل كيفية التعامل مع ملفات العدالة والمحاسبة، ومنع إعادة إنتاج منظومات القمع نفسها بأسماء مختلفة.
يقول الناشط والمهندس عبد الكريم الهويدي إن عودة الرقة كانت “أشبه بعودة الروح إلى الجسد”، لكنها تظل منقوصة ما لم تترجم إلى عدالة فعلية، محذراً من أن “غياب العدالة الانتقالية الحقيقية، وإعادة تدوير الفاسدين بأشكال جديدة، وعدم الركون إلى الوعود دون أثر ملموس”، يهدد الثقة بالدولة من أساسها.
ويشدد الهويدي على أن الاستقرار من دون محاسبة “قد يكون مؤقتاً، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة”.
من جانبه، يرى محمد الهديبان، وهو من ناشطي الثورة الأوائل في مدينة الرقة، أن رفض إعادة تدوير وجوه من النظام المخلوع أو “قسد” ليس موقفاً انتقامياً، بل “موقف نابع من الذاكرة والمعاناة”، محذراً من أن إعادة تقديم هذه الشخصيات تعني “طي صفحة الانتهاكات من دون محاسبة، وتوجيه رسالة قاسية للضحايا بأن ما جرى يمكن نسيانه”.
ويضيف الهديبان أن مطالب أهل الرقة هي “دولة تحاسب لا تُبيّض، دولة لا تبرر الجرائم باسم الاستقرار”.
من جهته، يربط خليل العبد الله، وهو من الناشطين الأوائل في المدينة أيضاً، بين تمييع العدالة وخطر الانفجار الاجتماعي، معتبرا أن تبرير تأجيل المحاسبة بحجج مثل السلم الأهلي أو تسيير شؤون الدوائر “محض سفسطة يراد منها تمييع استحقاق المساءلة”، محذرا من أن اليأس من العدالة قد يدفع الناس إلى “أخذ حقوقها بيدها”.
في مقابل ذلك، يؤكد هاشم الطحري، وهو من أبناء مدينة تل أبيض والمتحدث الناطق باسم “مجلس التعاون والتنسيق في الجزيرة السورية”، أن المجتمع العشائري في الرقة لا يحتمل تجاهل العدالة، قائلا إن “لا استقرار على المدى المنظور إن لم يحاسب المجرمون”، محذراً من أن غياب المحاسبة قد يفتح الباب أمام “العدالة الانتقامية”.
ويشدد فيصل النويران، وهو من الناشطين في المجتمع المدني في مدينة الرقة، بدوره على أن المحاسبة يجب أن تكون “مقننة وغير انتقائية”، مؤكداً أن “استقلال القضاء وتحديد الأفعال التي يحاسب عليها بقانون” هو الضامن الوحيد للسلم الأهلي.
ليست خياراً قابلاً للتأجيل
في مقابل ذلك، يقدم السياسي السوري قاسم الخطيب مقاربة نقدية مختلفة لمسألة المحاسبة، محذراً من الاكتفاء بتغيير الواجهات دون المساس بجوهر السلطة، معتبراً أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة تدوير أشخاص، بل في إعادة إنتاج نمط الحكم نفسه.
ويرى الخطيب أن “تغير الحكم لكن لم يتغير الاستبداد”، في إشارة إلى إمكانية الانتقال من سلطة قمعية إلى أخرى بمرجعيات مختلفة لكن بالأدوات ذاتها، ما يفقد أي حديث عن مرحلة جديدة مضمونه الفعلي.
ويشدد الخطيب على أن المحاسبة “ليست خياراً قابلاً للتأجيل”، بل “شرطاً وجودياً” لاستقرار المجتمع، خصوصاً في بيئة عشائرية كالرقة، حيث يؤدي غياب القانون إلى انتقال العقاب من يد الدولة إلى يد العشيرة.
ويقول الخطيب إنه “حين ينجو من ارتكب الخطأ من محاسبة القانون، ستضطر العشيرة لمحاسبته بطريقتها”، ما يورث عداءات طويلة الأمد ويقوض أي إمكانية لبناء استقرار مجتمعي.
ويشدد السياسي السوري على أن الدولة الجديدة، إن لم تبادر إلى محاسبة من أساء وظلم ونهب، فإنها تفتح الباب أمام فوضى لا يمكن ضبطها لاحقاً، مؤكداً أن العدالة وحدها قادرة على قطع الطريق على الانتقام الأهلي وإعادة إنتاج العنف.
“لسنا برميل نفط ولا شوال حنطة”
تتكرر على ألسنة أهالي الرقة عبارة تختصر عقوداً من التهميش: “لسنا برميل نفط ولا شوال حنطة”، وهذه عبارة لا تعبر فقط عن رفض اختزال المحافظة بثرواتها، بل عن اعتراض عميق على طريقة نظر الدولة المركزية المتعاقبة إلى الجزيرة السورية بوصفها خزاناً للموارد لا مجتمعاً حياً له تاريخ وكرامة وكفاءات.
يقول عبد الكريم الهويدي إن من يسيطر على الرقة ويبني مشروعاً “دون أن يفهم تركيبتها وطبيعتها ورغباتها سيفشل”، مشيراً إلى أن “داعش” و”قسد” مثالان واضحان على مشاريع “بُنيت رغما عن أهل الرقة، فاعتبرها المجتمع مشاريع دخيلة، وكان أسعد الناس بالخلاص منها”.
وفي إشارة إلى طريقة تعامل “الإدارة الذاتية” و”قسد” مع محافظة الرقة، يرى الهويدي أن “من اعتبر الرقة كيس خرجية خسر الرقة وتلاشى مشروعه”.
ويرى محمد الهديبان أن اختزال الجزيرة السورية في ثرواتها يختصر “عقوداً من التعامل مع المنطقة على أنها مجرد مورد اقتصادي”، مؤكداً أن الرقة “مدينة مليئة بالبشر والتاريخ والكرامة”، وأن اختزالها بثرواتها حولها إلى “ساحة استنزاف لا مساحة تنمية”.
فيصل النويران من جانبه، يعتبر أن هذا الاختزال انعكس ظلما بنيوياً، موضحاً أنه “ليس من العدل أن تنتج مدن الجزيرة بترول سوريا وقطنها، في حين تبقى عطشى ومدنها غارقة في العشوائيات والإهمال”، مستحضراً مثالاً إنسانياً عن عائلات من الجزيرة عاشت في خيم على أطراف دمشق، في دلالة على عمق المأساة الاجتماعية.
من جهته، يرى هاشم الطحري أن هذه الصورة النمطية “زرعها النظام المخلوع وأصبحت ثقافة في المجتمع السوري”، معرباً عن أمله بأن تكسر بعد الثورة، وأن يُنظر إلى أهل الجزيرة “كشعب أصيل وعريق، لا كنفط وقطن وسد الفرات فقط”.
سياسات متعمدة وليست بريئة
أما السياسي قاسم الخطيب، فيذهب أبعد من توصيف الاختزال الاقتصادي، معتبراً أن ما تعرضت له الرقة طوال عقود لم يكن مجرد تهميش، بل تحويل ممنهج للمنطقة إلى ما يشبه “البقرة الحلوب”، على حد تعبيره.
وقال الخطيب إن النظام المخلوع تعامل مع الرقة على مدى خمسين عاماً على أنها مصدر للثروات المنهوبة، لا منطقة جغرافية لها تاريخ ضارب في العمق وجذور تمتد آلاف السنين”.
ويرى الخطيب أن هذا الاختزال لم يكن بريئاً، بل سياسة متعمدة قامت على نهب الموارد من دون الاعتراف بالإنسان، مؤكداً أن الرقة “صدّرت كفاءات وخبرات إلى كل أنحاء العالم، لكن لم يتم الاعتراف بذلك عملياً ولا مرة”.
ويربط الخطيب بين هذا المنطق الاقتصادي القائم على الاستنزاف وبين النتائج الاجتماعية الكارثية التي عاشتها المحافظة، معتبراً أن التعامل مع الرقة كمخزون ثروة لا كمجتمع حي أنتج شعوراً عميقاً بالإقصاء والمهانة، وأسهم في تفكك البنية الاجتماعية ودفع أجيالاً كاملة إلى الهجرة أو العنف.
ويشدد السياسي السوري على أن أي حديث عن مرحلة جديدة يفقد معناه إن لم يُكسر هذا النموذج جذرياً، مؤكداً أن العدالة لا تقتصر على المحاسبة السياسية فقط، بل تبدأ من الاعتراف بالرقة كمدينة لها كرامة وحق في التنمية المتوازنة، لا كخزان موارد يُستنزف ثم يُترك لمصيره.
“صبر مشروط بالأمل”
من جانب آخر، ورغم فرحة التحرير، يدرك أهالي الرقة أن حياتهم اليومية ما تزال مثقلة بتحديات خدمية واجتماعية تراكمت عبر سنوات الحرب والإهمال، ويجمع من تحدثنا معهم على أن صبر السكان الحالي لا يعكس رضاً، بل أملاً مشوباً بالحذر، وأن أي تأخير في تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات قد يبدد هذا الرصيد بسرعة.
يقول خليل العبد الله إنه “رغم سوء الخدمات والمعاناة، لا يوجد من يتذمر من السكان بعد أسبوع من التحرير”، معتبراً أن هذا الصبر مرتبط بالأمل، لكنه يحذر من أن استمرار تمييع الملفات الأساسية، وعلى رأسها العدالة والخدمات، ما قد يدفع الناس إلى فقدان الثقة.
ويربط محمد الهديبان بين غياب الخدمات وتفكك النسيج الاجتماعي، مشيراً إلى أن تدمير البنية التحتية وغياب فرص العمل “أنتج جيلاً كاملاً خارج التعليم”، في بيئة انتشرت فيها المخدرات بشكل ممنهج، وتفشت فيها السرقات والعنف.
ويؤكد الناشط السوري أن ما جرى في مدينة الرقة “لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسات إهمال وفساد واضحة”.
ويصف فيصل النويران أثر هذا الواقع على الشباب في المنطقة، موضحاً أن الفقر وغياب الفرص دفع شريحة من الشباب للتطوع مع “قسد” لتلبية احتياجات أسرهم، فيما اضطر آخرون إلى الهجرة أو النزوح، مؤكداً أن هذه النتائج شملت العرب والكرد على حد سواء، وكانت جزءاً من سياسات ممنهجة.
أما قاسم الخطيب فيتحدث عن جيل “نشأ في ظل داعش فاقد للخبرة وغير متعلم ولا يجيد إلا لغة العنف، قبل أن تأتي قسد لتزيد الطين بلة، عبر تحويل بعض هذه الفئة إلى فاسدين وتجار جريمة، ما دفع بفئة كبيرة من الشباب الباحثين عن الحياة إلى موجة هجرة جديدة نحو أوروبا”.
ما الأولويات الخدمية؟
وعند الحديث عن الأولويات الخدمية، يضع عبد الكريم الهويدي مكافحة المخدرات والجريمة في المقدمة، إلى جانب الكهرباء والمياه، ثم الصحة والتعليم “فبناء الإنسان قبل الحجر”، وفق تأكيده.
ويوافق هاشم الطحري على ذلك، إذ يرى أن الرقة تحتاج بشكل إسعافي وعاجل إلى الأمن والصحة والتعليم وخدمات الماء والكهرباء.
ويركز عمار الحميدي على الواقع الصحي المتردي، موضحاً أن القطاع الصحي في وضع سيئ جداً ويحتاج إلى معالجة عاجلة، إضافة إلى سوء الكهرباء والمحروقات.
أما فيصل النويران فيشدد على أهمية إعادة بناء الجسور التي دُمّرت، واصفا إياها بأنها “الحبل السري للمدينة”.
وفي ملف الإعمار، يرفض محمد الهديبان المشاريع الاستعراضية، مؤكداً أن المطلوب “خطط واقعية وشفافة”، وأن الإعمار الحقيقي ليس فقط إعادة بناء ما تهدم من حجارة، بل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
هل يوجد في الرقة كفاءات مؤهلة؟
إلى جانب الملفات الخدمية، تبرز مطالب إدارية وسياسية بوصفها جوهر اختبار المرحلة الجديدة في الرقة، ويجمع من تحدثنا معهم على أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الكفاءات، بل في إقصائها لصالح الولاءات والمحسوبيات، وأن أي إدارة مقبلة لن تنجح ما لم تُبن على معايير واضحة من النزاهة والمساءلة.
يؤكد عبد الكريم الهويدي وجود “كوادر بكافة الاختصاصات لكنها مهمشة”، معتبراً أن من واجب الدولة “البحث عنها وتقديمها، والابتعاد عن المحسوبيات والولاء”.
ويشاركه فيصل النويران الرأي، مؤكداً أن محافظة الرقة تمتلك “وفرة من الكوادر المؤهلة”، لكنه يعترف بوجود ترهل إداري ونقص يتطلب “فتح باب التعيين أمام الشباب الخريجين”.
ويرى محمد الهديبان أن الرقة قادرة على إدارة نفسها بكفاءاتها، لكن بشرط أن يكون المعيار “الكفاءة والنزاهة والسجل النظيف، لا مجرد الانتماء المناطقي”، مضيفاً أن القيادة المقبولة هي “قيادة مستقلة عن السلاح، خاضعة للمحاسبة، ولا تعتبر نفسها فوق القانون”.
أما هاشم الطحري فيتبنى طرحاً متوازناً، معتبراً أن الاستعانة بكفاءات من خارج المحافظة في المرحلة الراهنة “أمر ممكن”، نظراً لتعقيدات الواقع العشائري وغياب التجربة السياسية السابقة، شريطة ألا يتحول ذلك إلى إقصاء دائم لأبناء الرقة.
“أهل مكة أدرى بشعابها”
السياسي السوري قاسم الخطيب يقدم قراءة نقدية حادة لبنية الإدارة المحلية في الرقة، معتبراً أن المشكلة لا تكمن فقط في الأشخاص، بل في النموذج الذي حكم المدينة لعقود.
ويوضح الخطيب أن نظام “البعث” قام على منطق الولاء السياسي أكثر من الكفاءة، ما أدى إلى تهميش الخبرات الحقيقية، في حين اعتمدت “قسد” على شبكات مصلحية وانتهازية في إدارة المنطقة، فأنتج ذلك نماذج قيادية فاقدة للثقة والشرعية المجتمعية.
ووفق الخطيب، فإن ذلك أدى إلى إفراغ المجال العام من الكفاءات الحقيقية، مشدداً على أن أي إدارة جديدة لا يمكن أن تنجح إذا أعادت إنتاج هذا النموذج.
ويؤكد الخطيب أن العمل العام يجب أن يُبنى على “كفاءات ومهارات وتراكم معرفي” قادرة على إنتاج شخصيات سوية ومؤهلة لإدارة الشأن العام، لا مجرد واجهات قابلة للتدوير مع كل سلطة.
وفي حديثه عن معايير القيادة المحلية، يربط الخطيب بين الإدارة والاستقرار المجتمعي، خصوصاً في بيئة عشائرية كالرقة، حيث يرى أن غياب الدولة القوية يفتح المجال لهيمنة العرف على القانون.
ويؤكد الخطيب أن بعض المفاصل الإدارية الحساسة “لا يجب أن تدار إلا من قبل أبناء الرقة”، وفي مقدمتها رئاسة مجلس المدينة، باعتبار أن “أهل مكة أدرى بشعابها”، شريطة أن تتصف القيادة بالكفاءة والحزم والجرأة والقدرة على إنفاذ القانون، وألا تكون “أسدية” ولا “قسدية”.
ويحذر السياسي السوري من أن استمرار النعرات العشائرية والخطاب التخويني يدفع الإدارة الحالية إلى إقصاء الكفاءات بدل تمكينها، ما يهدد بإفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها وتحويلها إلى هياكل شكلية عاجزة عن كسب ثقة الناس.
مع تحريرها وعودتها إلى أهلها، تقف الرقة أمام لحظة مختلفة شكلاً ومفتوحة المآلات مضموناً؛ فيأمل أهلها بطي صفحة طويلة من الإقصاء، وبناء مدينة تُدار لأول مرة بإرادة أهلها، ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، لا بالنيابة عنهم، مؤكدين أن مطلبهم شراكة حقيقية مع الدولة، تقوم على العدالة والمساءلة واحترام إرادة السكان المحليين.
المصدر: تلفزيون سوريا


