
تزامن إعلان الإدارة الأميركية الإخوان المسلمين جماعةً إرهابيةً مع تقارب واضح بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع. ففي الأشهر القليلة الماضية، لم يتوقّف الرئيس الأميركي عن الثناء على الرئيس السوري. قد لا يبدو الأمر متناسقاً ومنسجماً؛ فالأصل ألّا يحدث ذلك مطلقاً. تبدو الكتابات التي تعرّضت لعلاقة الولايات المتحدة بالإسلام السياسي متباينةً إلى حدّ التناقض؛ مؤلّفات عديدة تراكمت خلال ما يناهز القرن، لكنّها ظلّت مزيجاً من التحاليل والتنظيرات المتعالية، ولم تخلُ أيضاً من الخيال والأدب. ولكن ثمة ثوابت في هذه العلاقة لا يختلف حولها اثنان، منها أن الطرفَين قد تقاطعا في سياقاتٍ كثيرة، سواء بشكل جرى فيه التفاوض والاتفاق على ما يشبه “الترتيبات”، أو بشكل عرضي موضوعي التقت فيه المصالح على نحوٍ ما، من قبيل دعم توجّه وإسناد قرار، أو محاربة خصم، أو التقرّب من حليف… وهي مواقف قد تدفع طرفاً منهما إلى اتخاذ مواقف مناقضة لما اعتاده سابقاً. نذكر تماماً كيف تقاربت بعض فصائل الإسلام السياسي إلى حدّ التطابق مع مواقف الولايات المتحدة من الحرب في أفغانستان في ثمانينيّات القرن الماضي، بل تفيد عديدٌ من كتب المذكّرات والشهادات التي صدرت، سواء عن صانعي القرار أو كبار المحلّلين السياسيين من هذه الجهات، بأن الولايات المتحدة قد غضّت الطرف، بل سهّلت، أحياناً، تصدّي “الجهاديين العرب” لغزو الاتحاد السوفييتي “الشيوعي الكافر” من منظور فصائل الإسلام السياسي آنذاك. وقد كانت تلك الفصائل خليطاً من “الإخوان” والجهاديين والوهابيين ومختلف الحركات التي تناسل بعضها من بعض.
اختبرت واشنطن بعد الثورات العربية قدرة الإسلاميين على الحكم
ولكن هذه الفصائل بالذات، مع تعديلات حصلت على أفكارها، تحوّلت بعد ما يناهز عقداً عدوّاً لدوداً للولايات المتحدة، بل غدا تنظيم القاعدة كابوساً مرعباً، ألحق بها خسائر فادحة، بل أهان الولايات المتحدة حين أصابها في مقتل في هجوم 11 سبتمبر (2001). وظلّ لهذه المواقف ما يناظرها في العقود الماضية، ولكن ضمن سياقات مختلفة؛ فحين هاجمت الولايات المتحدة العراق في حربَي الخليج الأولى والثانية، سارعت بعض فصائل الإسلام السياسي إلى الوقوف مع الرئيس العراقي صدّام حسين، رغم أنه سبق أن نكّل ببعضها، أو على الأقلّ ضايقها، بقطع النظر عن انتمائها الطائفي أو المذهبي.
امتدّ هذا الاشتباك الدامي بين الولايات المتحدة وفصائل من الإسلام السياسي في المكان والزمان؛ توسّعت جغرافية القتال بين الطرفَين لتشمل القارات الخمس. ضرب تنظيم القاعدة الولايات المتحدة في أماكن مختلفة وعديدة؛ سدّد أولى ضرباته في أفريقيا (كينيا والصومال)، ثم آسيا (السعودية)، حتى وصلت لاحقاً إلى أميركا وأوروبا، إلخ. وحين اندلعت ثورات الربيع العربي، صفّق الرئيس الأميركي باراك أوباما لبعض حركات الإسلام السياسي، وتحديداً لحركة النهضة التونسية التي قدحت أولى شرارات اللهيب المستعر، وبدا أنها شجّعت بانتفاضتها تلك بعضاً من “أخواتها” في ليبيا أو مصر، إلخ. سيكون من الغباء لو صدّقنا بعض أطروحات مغاليةٍ يذهب يسار منها إلى القول إن الثورات العربية “اختراع أميركي” بدأت بكبسة زرّ بعد اتفاقات مضنية من أجل التمكين لهم حتى يوجّهوا اليسار. ومع ذلك، لا يمكن أن ننفي تماماً قناعة أميركا في تلك الفترة التي انتهت إلى قناعة مفادها بأن الأنظمة العربية التي حكمت قبل ثورات الربيع العربي قد انتهت صلاحيتها؛ فلم يعد الاستبداد العربي قادراً على الاستمرار في ظلّ انغماسه في معارك التوريث الرثّ.
اختبرت الولايات المتحدة، بعد الثورات العربية، قدرة الإسلام السياسي على الحكم، إذ وجدت فرصةً مواتيةً من أجل اختبار كفاءة هؤلاء وجدارتهم في إدارة الدولة. ويذهب بعضهم إلى أن خبث الولايات المتحدة قد ذهب إلى منح هؤلاء الإسلاميين فرصةً للحكم حتى تثبت للجميع فشلهم ويتخلّص الجميع من شرّهم. لا تبدو هذه الفرضية مستبعدةً؛ فقد ثارت الشعوب (الشعوب ذاتها) على الإسلاميين بعد أن صفّقت طويلاً لهم وصعّدتهم إلى الحكم. وناصبتهم النُّخب خلال تلك التجارب القصيرة العداء، وتصدّت لهم “الإدارة العميقة”. على هذا النحو تخلّصت منهم بشكل ناعم وذكي وبأقلّ تكلفة، ومع ذلك فإن المشهد حقيقة أكثر تعقيداً.
يرتهن العقل السياسي الأميركي لما تمليه اللوبيات، التي قد تُشترى فيها المواقف وتُباع، خصوصاً في ظلّ تبرّم بعض البلدان العربية من “إسلاميّيها
وحين انتصر الإسلام السياسي في سورية، ها هو ترامب لا يفوّت فرصةً من دون الثناء على الرئيس أحمد الشرع، الذي ناصبها العداء، وهو من أبناء تنظيم جهادي خرج من “القاعدة”. ومع التطوّرات الفكرية والسياسية التي حدثت في “عقل” الشرع، فإن خصومه أو مريديه لم يعثروا بعد على مراجعات فكرية وسياسية عميقة أعاد فيها الشرع صياغة مواقفه من الولايات المتحدة. لكن الممارسات السياسية للرجل (تصريحاته ولقاءاته الرئيس ترامب) يبدو أنها لطّفت من حدّة العداء الذي كان يكنّه للولايات المتحدة. وفي الحالات كلّها فإنه لم يعد يرى فيها “كفراً وجب قتاله”. وقد صرّح قبل أيام مدير شؤون أميركا في وزارة الخارجية السورية قتيبة إدلبي، بأن البلدَين بصدد الانتقال إلى شراكة استراتيجية. قد يستند بعضهم لفهم هذه التناقضات كلّها إلى “البراغماتية” التي تطبّع المواقف، ولكن يبدو أن هذه “البراغماتية” ليست مجرّد مرونة في العقل السياسي المجرّد للأفراد، بل أيضاً قدرة على التكيّف ضمن ديناميات السياق السياسي الضاغط. لكن علينا ألّا نستبعد جملةً من الفرضيات الأخرى لفهم هذه التباينات البارزة التي قد لا تخلو من انسجام؛ فالعقل السياسي الأميركي يرتهن أيضاً لما تمليه اللوبيات، التي قد تُشترى فيها المواقف وتُباع، خصوصاً في ظلّ تبرّم بعض البلدان العربية من “إسلاميّيها”، حتى إن لم يؤذوا الولايات المتحدة في شيء.
المصدر: العربي الجديد






