إيران: حرب شاملة أم قائمة أهداف؟

يوليا يوزيك

يحبس العالم أنفاسه في ترقب حرب في الشرق الأوسط. فقد أعلن ترامب عن الاستعدادات لشن ضربة عسكرية شديدة ضد إيران.
يقدر الخبراء العسكريون أن القوة العسكرية التي حشدتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة الآن، تتجاوز تلك التي تم حشدها في المنطقة عشية غزو العراق في العام 2003 وعاصفة الصحراء في الكويت في العام 1991.
ومع ذلك، لم تنشب الحرب حتى الآن، على الرغم من حملة العلاقات العامة المذهلة في وسائل الإعلام العالمية، وعلى الرغم من وصول حاملة الطائرات أبراهام لينكولن أخيرًا إلى المنطقة. مع العلم أنه كان من المتوقع أن تبدأ في أي يوم من أيام الأسابيع الماضية.

الكل يتساءل: لماذا لم تبدأ الحرب بعد؟ وهل من الممكن إيقافها؟ وإذا أشعل ترامب الحرب، فما حجم الكارثة المتوقعة؟
بالنظر إلى حجم المعدات العسكرية والقوات المحشدة في المنطقة، يبدو أن مجزرة واسعة النطاق تلوح في الأفق. وستنجرّ دول الجوار الإيراني إلى هذه المجزرة، ولن يقتصر الأمر على العراق ولبنان عبر حزب الله والفصائل العراقية التابعة لإيران، بل سيشمل أيضاً أذربيجان، حيث زارها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مؤخراً. كما تصل إلى هناك في الوقت عينه طائرات النقل العسكرية الأميركية وعلى متنها شحنات ثقيلة. يعتقد خبراء عسكريون أن بعض هجمات حزيران/ يونيو على إيران انطلقت من الأراضي الأذرية.
ومع ذلك، ووسط قرقعة طبول الحرب، أرى دلائل غير مباشرة تشير إلى أن ترامب، على الرغم من عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، هو براغماتي كبير ولن يرغب في الانجرار إلى مذبحة كبرى ينتظرها بفارغ الصبر شريكه في الشرق الأوسط بنيامين نتنياهو.
لكن لا بد من الإشارة إلى أنه لدى ترامب أيضًا مشاكل مع نتنياهو، وهي مشاكل لا يتم الإعلان عنها في سياق “خطة السلام في غزة”، التي يروج لها صهر الرئيس كوشنر، والتي تثير مخاوف الحكومة الإسرائيلية.

في المحصلة ماذا لدينا حتى اليوم؟ لقد وصلت حاملة الطائرات أبراهام لينكولن إلى الشرق الأوسط يوم الأحد، وهي تنشط بالقرب من إيران. وكان من المتوقع وصول بطارية من منظومة الدفاع الجوي المتطورة “ثاد” (THAAD) إلى إسرائيل يوم الاثنين، لحمايتها من أي هجمات إيرانية انتقامية. وفي صباح الثلاثاء، وصلت إلى المنطقة طائرات استطلاع استراتيجية إضافية من قواعد جوية بريطانية وأميركية، إضافةً إلى الطائرات التي تقوم بدوريات في الأجواء القريبة من إيران.
لكن في المقابل، أدلى المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف بتصريح مفاجئ مفاده أنه لا يزال يفضل الحل الدبلوماسي للمشكلة. وأرسل أمس الإثنين في 26 الجاري رسالة عبر الميسنجر إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وفي مساء اليوم عينه، صرح ترامب لمراسلي وسائل الإعلام بأنه يتلقى مكالمات من الحكومة الإيرانية، “إنهم يريدون التفاوض، أجل، ثمة هناك من يريد التفاوض”.

تشير مصادر إعلامية إلى أن أقرب مستشاري ترامب، ويتكوف وكوشنير، يعارضان الحل العسكري. لكن ترامب يتعرض لضغوط من الصقور ومن إسرائيل. وهم يلعبون على وتر ثقته بنفسه، حيث يقولون له “لقد وعدت بمساعدة المتظاهرين ومعاقبة خامنئي، وإذا لم تفِ بوعودك، فستبدو ضعيفاً”. لذلك، يحتاج ترامب إلى إيجاد الحل الأفضل، السير بين نقاط المطر والخروج غير مبلل.
ليس الجميع يصدق تأكيدات ترامب العلنية بأن إيران مستعدة للحوار، بل يرون أنه يغطي بهذه التصريحات على التحضير لضربة. ومع ذلك، ظهرت إشارة غير مباشرة على صدقية تصريحاته ومن إيران يوم الاثنين في 26 الجاري، حيث أعلن مكتب المرشد أن إجراءات الخلافة في حالة وفاة خامنئي قد تم إقرارها قانونياً.

نشرت يوم الثلاثاء قناة التلفزة الإيرانية المعارضة Iran International نصاً أشارت فيه إلى أن القيادة العسكرية الأميركية تناقش إمكانية تنفيذ عمليات اغتيال في إيران، تشمل بالطبع علي خامنئي نفسه وقادة الأجهزة الأمنية المسؤولين والمتورطين علناً في القمع الدموي للاحتجاجات. وتشمل الأسماء الواردة في النص كلاً من رئيس مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني (المكروه من الصقور)، والقائد العام للحرس الثوري الإيراني محمد باكبور الذي تم تعيينه بعد اغتيال الرئيس السابق للحرس الثوري الإيراني الجنرال سلامي، في حزيران/ يونيو، وقائد الشرطة رادان، ووزير الإعلام، أي الاستخبارات والأمن، اسماعيل خطيب، والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي علي شمخاني، الذي نجا من هجوم بطائرة مسيرة على منزله في حزيران/يونيو، وقائد فيلق القدس قاآني، وقادة الجيش وقوات الباسيج، وعدد قليل من المسؤولين الأمنيين الآخرين.

وما يثير الدهشة أن يعلن الأميركيون  قائمة بالأهداف العسكرية مسبقاً، ولكن في هذا العصر الذي يشهد بثاً تلفزيونياً مباشراً وفوضى وهوليوود، قد تكون هذه القائمة مجرد تضليل، أو قد تكون النتيجة الحقيقية لمفاوضات تجري خلف الكواليس بين الولايات المتحدة والإستبلشمانت الإيراني المستعد للحرب بالتأكيد، ولكنه، وعلى غرار ترامب، يرغب في تجنب إراقة الدماء قدر الإمكان. وتصفية الشخصيات الرمزية والبارزة من مجموعة خامنئي الحاكمة ستتيح لترامب بأن يبرز هيبته. فهو وعد الإيرانيين والعالم بمعاقبة المسؤولين عن المذبحة، وها هو يوفي بوعده. ويذكّر هذا بالسيناريو الفنزويلي كلياً، حين لا يتم حل المشكلة بالوسائل العسكرية، من خلال عملية عسكرية بكلفة مليارات الدولارات والعديد من الجثث، ولكن بطريقة محددة الأهداف مرفقة بأقصى  الضجيج الإعلامي.
لن يسمح الإيرانيون لأحد أبدًا باختطاف قائدهم من أرضهم. لكن السماح له بالموت على الطريقة الشيعية البطولية كشهيد، ليصبح أسطورةً ولوحةً إعلانيةً ضخمةً في شارع ولي العصر، مع تجنب سيناريو مماثل لما حدث في الكويت أو العراق، أمرٌ مقبولٌ كلياً. وستتمكن إيران من تجاوز حربٍ إثني عشر يوماً أخرى بتبادل ضرباتٍ قويةٍ ومذهلة، تذكرنا بما تحدثه أفلام هوليود بالمشاهد.

شاهدتُ مؤخرًا مقطع فيديو لدونالد ترامب الشاب ينتقد فيه تساهل الرئيس كارتر خلال أزمة الرهائن عام 1979 في السفارة الأميركية بطهران. قال ترامب في ختامه: “ما كنتُ لأسمح أبدًا بأن تُهان أميركا هكذا على يد الإسلاميين!”
– “ماذا كنت ستفعل؟ هل كنت سترسل قوات إلى إيران، وتشعل حربًا؟
– “مستحيل! لا ينبغي أن يموت الجنود الأميركيون على أرض أجنبية. لكن صدقوني، كنتُ سأجد حلًا لهذه الأزمة.”
ويبدو أن ترامب ما زال وفيًا لنفسه، ويبحث الآن عن حلٍّ كهذا. فحين ألقت القوات الخاصة الأميركية القبض على مادورو، واقتادته إلى نيويورك، أكد ترامب على هذه النقطة بالذات في تصريح للصحافيين، حين قال: “لاحظوا أننا نفذنا هذه العملية الخاصة العظيمة، التي لا مثيل لها في التاريخ، من دون مقتل جندي أميركي واحد”.

من الواضح أن هذه لحظة نفسية حاسمة بالنسبة له. وهي تمنحه الأمل بأنه لن يسمح للمتشددين بجره إلى المذبحة الكبرى، التي ستحدث حتماً إذا تفككت إيران واشتعلت النيران بالمنطقة بأكملها. يحتاج ترامب إلى نصر جميل وسريع، لا إلى بحر من الدماء وتوابيت الجنود الأميركيين. فهو في النهاية يعتبر نفسه رئيساً صانعاً للسلام ويحلم بجائزة نوبل للسلام.
في الحالة الإيرانية الراهنة، من غير المرجح تجنب الضربة العسكرية تمامًا. فالمنطقة تعج برموز القوة العسكرية الأميركية والضجة الإعلامية. مع أنه من المحتمل أن يكون ترامب قد رفع رهاناته إلى الأقصى في المساومة مع إيران، في نوع من لعبة “من ترف عينه أولًا”.
لكن الضربات الخاطفة والمذهلة ضد رموز النظام هي ما يستطيع ترامب تقديمه للعالم كغنيمة حرب. وسيحافظ الإيرانيون على بلادهم بتسليمهم عشرات الشخصيات.
هل هذا صحيح، أم أن ترامب المتقلب سيقرر شن حرب شاملة وتغيير النظام؟
مع هذه التوقعات، ندخل الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني/ يناير.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى