نوري المالكي… تجربةُ المُجرَّب

إياد الدليمي

في خطوةٍ سياسيةٍ حملت من المفاجأة قدر ما حملت من احتمالات الانفجار في المشهد العراقي المأزوم، اختار “الإطار التنسيقي”، بالأغلبية لا بالإجماع، نوري المالكي مرشّحاً لمنصب رئيس الحكومة المقبلة. إعلانٌ لم يكن مجرّد إجراءٍ بروتوكولي ضمن سياقات تشكيل الحكومات المتعثّرة في بغداد، بل هو استدعاءٌ صريحٌ لواحدٍ من أكثر الفصول قتامة وإثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث؛ وهو حقبة الولايتَين (2006 – 2014) التي يصفها خصومه وكثيرون من ضحاياه بأنها “الأكثر دموية” في الذاكرة الجمعية للعراقيين، إذ شهدت ذروة الاحتراب الطائفي، وسقوط ثلث مساحة البلاد بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فضلاً عن ملفّات الفساد المليارية، وتسييس القضاء والمؤسّسة الأمنية لتحويلهما إلى أدواتٍ للبطش السياسي.
وعلى الرغم من محاولات إظهار التماسك الداخلي لـ”التنسيقي”، فإن ترشيح المالكي لم يكن ثمرة تفاهماتٍ وطنية، أو حتى “شيعية” عميقة، فالمعلومات الواردة من كواليس الاجتماعات المُغلقة تؤكّد وجود رفضٍ مكتومٍ ومُعلَنٍ من داخل بنية الإطار نفسه. برز هذا الرفض بوضوحٍ لدى قيس الخزعلي وعمّار الحكيم، اللذَين يدركان أن عودة المالكي تعني بالضرورة عودة سياسة “المركزية القاتلة” التي تبتلع نفوذ بقية الشركاء. وحتى هادي العامري، الذي بدا رافضاً ومنكفئاً في بداية الأمر، لم يلن موقفه إلا بعد سلسلة تفاهماتٍ عسيرة وضغوطٍ جرت في الأمتار الأخيرة.
ترى إيران في نوري المالكي حصناً منيعاً ضد الضغوط الأميركية الرامية لعزل العراق
لا يتوقف هذا الانقسام عند حدود البيت الشيعي، بل يمتدّ ليضرب وحدة الموقف السنّي؛ فبينما أعلن “المجلس السياسي الوطني” رفضه القاطع لعودة الشخصيات الجدلية التي كانت سبباً في كوارث المحافظات السنّية، غرّدت قوى أخرى خارج السرب، مثل تحالفَي عزم وحسم، معلنة تأييدها المالكي، في مفارقة سياسية تعكس تشرذم المواقف الوطنية أمام إغراءات السلطة أو الخوف من “سطوة” المرشّح القادم بروح الانتقام.
يبقى الموقف الأكثر غموضاً وحرجاً في هذه المعادلة موقف مقتدى الصدر؛ فالعداوة بين الرجلَين ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل هي “ثأر” تاريخي وجرح لم يندمل منذ عام 2008، حين أطلق المالكي عملية “صولة الفرسان” لإطاحة جيش المهدي، تلك الحرب التي خلّفت آلاف القتلى والمعتقلين من التيار الصدري الذين لا يزال بعضهم خلف القضبان بتهمٍ “إرهابية” كفلها قانون المالكي حينذاك.
ورغم هذا التاريخ المثقل بالدماء والعداء الشخصي الصرف، تشير معلومات إلى احتمالية وجود تفاهماتٍ “تحت الطاولة” جرت في الخفاء لضمان “صمت” الصدر مقابل امتيازاتٍ سياسية ومناصب سيادية وتعهداتٍ مالية ضخمة. هذا الصمت (إن حدث) سيكون مكلفاً للغاية لقاعدة الصدر الشعبية، التي رُبّيت على مدار عقدَين على أن المالكي هو خصمها اللدود الذي استباح دماء أبنائها في شوارع البصرة ومدينة الصدر في بغداد.
إلى ذلك، كان موقف المرجعية الشيعية المتمثّلة بعلي السيستاني واضحاً في تصريحات سابقة، عندما طالب بعدم تجريب المُجرَّب، ما قد يشكل حائط صدٍّ أخيراً أمام طموحات المالكي، غير أن صمت المرجعية المعتاد عن التدخّل المباشر في العملية السياسية قد يُفسَّر على أنه “عدم ممانعة”.
وعلى صعيد التفاعل الشعبي في العراق، شكّل خبر ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، صدمة مدوّية لشرائح واسعة من العراقيين؛ فالعراقيون لم ينسوا بعد كيف قاد هذا الرجل خطاب “جبهة الحسين أمام جبهة يزيد” في استدعاءٍ للتاريخ ساهم في واحدة من أسوأ الحقب في تاريخ العراق الحديث، وأدّى إلى تفجّر حرب طائفية أكلت من جسد العراق، ناهيك عن سياساته الإقصائية ضد العرب السنّة، وما تبع ذلك من ظهور التطرّف الداعشي الذي احتلّ محافظات عراقية.
تشمل الصدمة اليوم الشيعة قبل السنّة؛ فالمواطن في الوسط والجنوب يخشى عودة “الديكتاتورية الحزبية”، وتغلغل “دولة القانون” في مفاصل الحياة الاقتصادية والأمنية، وانهيار ما تبقّى من هيكل الدولة الهشّ أمام نزعة التفرد.
دولياً، يبدو أن المالكي قد أعدّ العدّة لهذه اللحظة؛ فلقاءاته بالقائم بالأعمال الأميركي والسفير السعودي وسفراء الاتحاد الأوروبي، ودعم السفير الأميركي الأسبق، زلماي خليل زاده، العلني له، دلائل تشير إلى وجود “حدث ما” خلف الكواليس. واشنطن، التي وضعت في وقتٍ سابق “فيتو” على تمثيل المليشيات وتريد تفكيك بنية “الحشد الشعبي”، قد تجد في المالكي “الرجل القوي” القادر على كبح جماح الفصائل المسلّحة، تماماً كما فعل مع جيش المهدي عام 2008 حين كان ذلك شرطاً أميركياً أساسياً لدعمه وتثبيته في السلطة.
وفي المقابل، ترى إيران في المالكي حصناً منيعاً ضد الضغوط الأميركية الرامية لعزل العراق عن محوره، خصوصاً في ظلّ احتمالات نشوب حربٍ إقليمية شاملة؛ فهي بحاجة ماسّة إلى شخصية “مقرّبة” تضبط الإيقاع العراقي، وتجعله عازلاً يحمي أمن طهران القومي في اللحظات الحرجة.
تجربة المُجرَّب حالة عراقية خالصة في بلدٍ ما عاد يتسع لمزيدٍ من التجارب الفاشلة
السؤال الجوهري الآن ليس عمّا إذا كان المالكي يمتلك الأغلبية البرلمانية، بل عمّا إذا كان يمتلك “التفويض العابر للحدود”. فعودته في هذا التوقيت ليست مجرّد رغبة حزبية ضيّقة، بل هي مقامرة سياسية كبرى تتوقّف جدارتها واستمراريتها على ما قدّمه من تنازلاتٍ خلف الكواليس. فإذا كان قد طرح نفسه مجدّداً على أنه “المقاول السياسي” القادر على ترويض الفصائل وتفكيك عقدة المليشيات التي باتت تؤرّق المجتمع الدولي، مقابل ثمنٍ واحدٍ هو استمرار وبقاء “الحكم الشيعي” بصيغته الحالية تحت المظلة الأميركية، فإن ترشيحه سيمضي بسهولة تامة، وسيكون الفيتو الأميركي قد رُفع عنه مسبقاً في كواليس واشنطن، أما إذا كانت هذه الخطوة مجرّد محاولة انفرادية للهروب إلى الأمام من دون ضماناتٍ دولية وإقليمية حقيقية، فإن المالكي سيجد نفسه في مواجهة عاصفة من الأزمات لن تنتهي عند حدود الرفض الشعبي العارم، بل قد تمتدّ لتجعل من ولايته الثالثة “انتحاراً” سياسياً ينهي مستقبله ومستقبل كتلته نهائياً.
فعلها المالكي عام 2006 حين قدّم رأس “جيش المهدي” قرباناً على مذبح السلطة، واليوم يبدو المشهد مهيأً لتكرار السيناريو ذاته، ولكن بظروفٍ دولية مختلفة وخصومٍ داخليّين وتعهّداتٍ أمنية أكثر تعقيداً وخطورة ممّا كانت عليه سابقاً، لتبقى تجربة المُجرَّب حالة عراقية خالصة في بلدٍ ما عاد يتسع لمزيدٍ من التجارب الفاشلة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى