
توفي في 21 يناير/ كانون الثاني الجاري في دبي رفعت الأسد (88 عاماً)، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، والقائد الأبرز للقوات التي دمّرت مدينة حماة عام 1982. وبالنسبة إليّ، ابن تلك المدينة، يُقرأ هذا الموت بوصفه ثِقَلاً يتجاوز الواقعة إلى معنى الفقد المتجدّد، فهو يُغلق أملاً رافق الناجين أكثر من أربعة عقود في أن يروا مهندس دمار مدينتهم مُهاناً خلف القضبان، وأن يُواجَه علناً بما اقترفه من قتلٍ واغتصابٍ وتهجيرٍ قسري ونهبٍ منهجي. … يترك موت هذا الرجل، الذي حوّل حماة مسرحاً لفظائع جماعية، جروحاً محفورة في الذاكرة الجمعية لأهلها. ولا يكمن الألم الأشدّ المحيط بوفاة رفعت الأسد في حقيقة موته، بل في توقيته. فقد مات من دون أن يواجه ضحاياه، ومن دون اعتراف، ومن دون محاكمة كان من شأنها أن تُعيد قدراً من الكرامة إلى الذكرى، وأن تمنح العدالة إطارها العلني المُستحَقّ. ويُجسّد هذا الغياب المفارقة الأخلاقية التي تُلازم الناجين: فالموت، الذي يُفترض أن يكون متساوياً بين الجميع، يتحوّل في هذا السياق أداةً للهروب، تُتيح لمرتكب جرائم ضد الإنسانية الإفلات من المساءلة العامة التي تستحقّها أفعاله.
لا تزال المجزرة في حماة التي نُفِّذت تحت قيادته المباشرة، ضمن حملة عسكرية امتدت أسابيع، واحدةً من أكبر الفظائع الجماعية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وتشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مقتل ما بين 30 و40 ألف مدني، إضافة إلى قرابة 17 ألف شخص أُخفوا قسراً، وما زال مصيرهم مجهولاً. وتتجاوز الجرائم الموثّقة القتلَ الجماعي لتشمل التعذيب المنهجي، والعنف الجنسي أداةً للإرهاب، والاختفاء القسري واسع النطاق، والتدمير الواسع للأحياء والبنى المدنية. ولم تكن هذه النتائج عوارضَ عرضيةً للقتال، بل هي سمات ملازمة لحملةٍ مُخطّط لها، استهدفت إخضاع مدينةٍ بكاملها عبر الرعب والعقاب الجماعي.
هناك مسارات قضائية لم تكتمل، إذ واجه رفعت الأسد مسارات متعدّدة للمساءلة في أكثر من ولاية قضائية، إلّا أن وفاته حالت دون اكتمال ما كان يمكن أن يكون إحدى أبرز المحاكمات المرتبطة بحقبة الحكم الأسدي. ففي سويسرا، أحالت النيابة العامة الفيدرالية ملفّه إلى المحكمة الجنائية الفيدرالية بتهم تتعلّق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مرتبطة بما نُسب إليه من إصدار أوامر بالقتل والتعذيب والمعاملة القاسية والاحتجاز غير المشروع في سياق أحداث حماة في فبراير/ شباط 1982. وفي فرنسا، انتهت إجراءات قضائية إلى إدانته بجرائم مالية مرتبطة بغسل أموال واختلاس أموال عامة، وأُكّد الحكم بصورة نهائية من محكمة النقض في 7 سبتمبر/ أيلول 2022، مع مصادرة أصوله العقارية. أما في إسبانيا، فقد حُقّق في شبكة ممتلكات واسعة نُسبت إليه وإلى أفراد من عائلته، مع رصد مئات العقارات وتقدير قيمتها الإجمالية بمئات ملايين اليوروهات.
يمكن للجان العدالة الانتقالية في سورية أن تُوثّق حقيقة حماة وتُقرّها في ذاكرة الدولة لا في ذاكرة الضحايا وحدهم
ورغم أن هذه المسارات لم تبلغ ذروة المساءلة الجنائية على الجرائم الأشدّ، فإنها تُرسّخ سجّلاً قضائياً لا يمحوه موت رفعت الأسد، بل يُثبّته بوصفه وثائق رسمية تتجاوز حدود الرواية إلى حقل الإثبات والإجراءات.
ما الذي يبقى ممكناً بعد موت الجاني؟… لا تتوقّف بعض أشكال المساءلة بوفاة الجاني، سيّما ما يتعلّق بالأصول المنهوبة واستردادها؛ فآليات المصادرة واسترداد الموجودات قد تستمرّ في عدد من النظم القانونية حتى عندما تتعذّر الملاحقة الجنائية بسبب الوفاة أو الغياب، بما في ذلك صور المصادرة التي لا تشترط إدانةً جنائيةً نهائيةً في بعض الحالات. وفي هذا السياق، أخبرتني وزارة الخارجية الفرنسية عن توجّهٍ فرنسي إلى تحويل جزء من الأصول المصادرة إلى السلطات السورية، بوصفه خطوةً أولى ضمن مسار أطول لاسترداد الأموال.
كذلك، تبقى الشبكات التي سهّلت إخفاء الثروة أو إدارتها أو الانتفاع منها عرضةً للتحقيق، وفي مقدّمتهم زوجاته وأبناؤه وبناته، وذلك متى توافرت عناصر العلم والمشاركة والانتفاع غير المشروع وفق القواعد الوطنية ذات الصلة. ومن هنا، لا يتصل النقاش بالمسؤولية الأخلاقية وحدها، بل بمسؤولية قانونية محتملة حين تتقاطع صلات القرابة مع أفعال الإخفاء أو التمويه أو غسل العائدات.
موت الطغاة من دون أن يتمكّن شعبهم من محاسبتهم يُعدّ رحمةً غير مُستحقَّة
موت الطغاة من دون أن يتمكّن شعبهم من محاسبتهم يُعدّ رحمةً غير مُستحقَّة، لأنه يكثّف الغضب الأخلاقي ويكشف، في الوقت نفسه، عجز البنى المؤسّسية عن إنفاذ العدالة في وقتها. مات رفعت الأسد بعد أن أنجب أكثر من 16 ابناً وبنتاً، وربما عشرات الأحفاد، وبعد أن تنقّل في العالم في رغدٍ واسع، مستنداً هو وعائلته إلى ثروةٍ نُهبت من السوريين، في زمنٍ يعيش فيه أكثر من 80% من السوريين تحت خطّ الفقر، بمن فيهم ملايين النازحين في الخيام. لقد أفلت من الإذلال العلني للمحاكمة، ومن النطق القضائي الذي يضع الجريمة في اسمها القانوني، ومن العقوبة السالبة للحرية التي يقتضيها العدل.
ومع ذلك، فإنّ العدالة الناقصة لا تعني انعدام العدالة. فالسجل التاريخي قابل للتثبيت الرسمي، ومسارات استرداد الموجودات يمكن أن تتقدّم، والتحقيقات المرتبطة بالشبكات المالية قد تستمرّ، ولجان العدالة الانتقالية في سورية يمكن أن تُوثّق حقيقة حماة وتُقرّها في ذاكرة الدولة لا في ذاكرة الضحايا وحدهم. وبالنسبة إليّ، ابن حماة، يبقى هذا هو العزاء المرير المتاح بعد أن تلاشت إمكانية رؤية الجاني خلف القضبان: أن تُلاحق آثاره، وأن تُستعاد الأموال المنهوبة، وأن يُقدَّم من شارك أو انتفع أو برّر إلى المساءلة حيثما كان ذلك ممكناً.
وسيبقى الخزي والعار يلاحقانه، ويلاحقان من دافع عنه أو انتفع بجرائمه؛ فقد سجّل التاريخ اسمه بوصفه واحداً من أبشع مجرمي العصر، ولا ينبغي أن يُذكر إلّا مقروناً بصفته التي تختصر فعله: “جزّار حماة”. وسأعمل ما حييت على تكريس هذا المعنى، بوصفه شكلاً من العزاء الشخصي، وواجباً أخلاقياً وطنياً تجاه مدينةٍ لم تُنصفها العدالة بعد.
المصدر: العربي الجديد


