تشوهات الحداثة القانونية المعاقة عربيًا

نبيل عبد الفتاح

في الدولة العربية الهشة ما بعد الاستقلال، كانت المرجعيات القانونية للفكر القانوني وجماعته –الفقه والقضاة والمحامين-، هي المستعارة من متون وأجهزة الدولة الاستعمارية المحتلة لاسيما في مجال القانون الخاص –المدني والتجاري والمرافعات، والعقوبات والإجراءات الجنائية، وقوانين المرافعات..الخ- وأيضا في القانون العام الدستوري، والإداري، مع تعديلات في الأنظمة الدستورية بما يتلائم مع الشعبويات السلطوية، أو الاستبدادية والعائلية.
شكلت المرجعيات القانونية الوضعية الحداثية، العقل القانوني العربي، من حيث النزعة النصوصية، والشكلانية، في المعرفة والإدراك والوعي القانوني، إلا أن ذلك تماس كثيرا، ثم تماهي مع الدرس الدستوري الفرنسي حول الدولة، والسلطة دونما، درس سوسيو- سياسي ، ونظري، وتطبيقي للدولة العربية الناشئة وواقعها الاجتماعي ومكوناته الأساسية ، ودراسة فلسفية للدولة، والسلطة ومفاهيم الحرية، والعدالة، والمساواة، وحقوق المواطنين، في عمق نظري، وتحليلي، وتطبيقي في النظم المقارنة وتطوراتها التاريخية والسياسية، من منظور نقدي، وربطها بأوضاع الليبراليات الرأسمالية الغربية، والفردانية، والفرد، وأثر عديد المتغيرات عليها مثل ثقافة السوق، والاستهلاك، ودور الشركات الرأسمالية الكبرى، والمتعددة القوميات والجنسيات على الدولة والسلطة والقانون والفرد والأحزاب السياسية في المجتمعات الغربية.
من هنا كانت الكتابات في مجال القانون الدستوري وعلم السياسة في غالبها ، ذات طبيعة وصفية مستمدة من عروض لبعض المؤلفات الأوروبية، والأمريكية الكلاسيكية ، دون أصولها الفلسفية والنظرية في الدرس الأكاديمي الفلسفي ، ولاسيما في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وبعض أساتذة العلوم السياسية في فرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، وألمانيا.
من هنا غاب نسبيا الخطاب الأكاديمي النقدي عن الدراسات القانونية، والسياسية جزئيا، في دراسة مفاهيم الدولة والسلطة، والحرية، والمساواة، والعدالة، عن الحياة السياسية المعتقلة في ظل النظم الشعبوية السلطوية، والاستبدادية التي سادت عالمنا العربي ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي.
لا شك أن الذهنية القانونية النصوصية، والشكلانية لعلماء القانون الوضعي تم توظيفها سياسيا -والاستثناءات محدودة- في إطار الأنظمة السياسية السلطوية الشعبوية والملكية والأميرية والمشيخية، ووضعية دمج السلطات بين بعضها بعضا، عند قمة مواقع القوة الأساسية في النظام، ومن ثم هيمنت السلطة التنفيذية على بقية السلطات، في وضع مشروعات القوانين، وتمريرها من البرلمانات الشكلية، – التي يتم تشكيلها من قبل السلطة السياسية، وأجهزة الدولة المعنية – ، وإصدارها.
ثمة أيضا إدراك سلطوي شاع عربيا أن تنظيم المجتمع، ومواجهة مشاكله الموروثة، والمتراكمة، والمتفاقمة، لا يتم من خلال السياسة، والحريات والحوار بين مكونات المجتمع الانقسامي، ودراسة المشكلات في عمق وموضوعية، حتى يمكن إيجاد الحلول الملائمة لها.
وسيطر إدراك لا سياسي، في وعي السلطات الحاكمة أن معالجة هذه المشكلات يتم من خلال القوانين، وإدماج النزعة الجنائية والعقابية داخلها، لخلق حالة من الردع العام، والخاص وإشاعة الخوف من انتهاك القوانين. هذه النزعة اللا سياسية الخارجة من موت السياسة الممتد، والشعبوية السلطوية، والإدراك النصوصي للقانون، تزايدت مع ألأنفجار المتتالي والمتسارع للمشكلات والأزمات ، وهيمنة القمع السياسي، والأمني عربيا، ومن ثم تفاقمت معها الانفجارات السكانية، والاختلالات في السياسات الاقتصادية، وتزايد المديونيات الخارجية، في ظل نظم الرأسماليات الوطنية مابعد الاستقلال، ثم في التحول إلى سياسات الباب المفتوح اقتصاديا، مع استمرارية إغلاق المجال العام السياسي وتبني الخصخصة والنيوليبرالية . مرجع أزمات السياسات التشريعية في دول العسر العربية، وانفجاراتها السكانية، ناتج عن غياب تصورات سلطوية لنماذج التنمية الملائمة مع وضعية المجتمعات العربية الإنقسامية داخليا، ومشكلات بناء الدولة ذاتها، التى اختلطت بالسلطة الحاكمة حول مواقع القمة والقوة داخلها!
من ناحية أخرى غياب دراسات حول القانون والتنمية ، والعدالة والمواطنة في مجتمعات متخلفة تاريخيا، وكيف لم يساهم القانون بفعالية في أداء وظائفه في الضبط الاجتماعي، وفي ترشيد السلوك بين المخاطبين بأحكامه، ودعم سياسات التنمية في عديد المجالات والأهم ترسيخ وتأسيس الدولة والتمايز بينها رمزيا عن السلطات الثلاث ، وهي إدراكات كانت خارج تفكير السلطات الحاكمة في هذه الدول ، وايضاً غابت عن كثيرين من داخل الجماعات القانونية العربية ، والاستثناءات محدودة بينهم .
ارتبطت القوانين ما بعد الاستقلال بالنظرات الأمنية لوظائفه، في الإدراك السلطوي المسيطر .، ومن ثم إمكانية تحقيق ذلك في بعض البلدان العربية – سوريا والعراق وليبيا في عهد الكولونيل القذافي – لاسيما الدمج في المرحلة الناصرية بين الأمن بالسياسات الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، في العمل والمعاشات، والصحة، والتعليم المجاني، وهو ما ساهم في بعض الاستقرار الاجتماعي، والأمني العام النسبي، مع سياسات أمنية رادعة في المجال السياسي تجاه الأحزاب السرية الماركسية المحجوب عنها الشرعية، أو أشكال المعارضة أيا كانت ليبرالية، أو قومية عربية.
النظرات الأمنية، وهيمنة بعضها على السلطات الحاكمة، ركزت على أولويات النظام وصلاحياتها، وتمدد سلطاتها الرقابية، في الضبط، والإحضار، والتحقيقات الأولية، وفي توسع سلطات الضبطية القضائية، التي تزايدت مع الانفجارات السكانية، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، إلى أجهزة الدولة المختلة ، والجهاز البيروقراطي وموظفيه العموميين، وباتت الضبطية القضائية لهم تتمدد مع انفجار المشكلات الاجتماعية.
مثل هذه المفاهيم والإدراكات التي شاعت وأثرت على سياسات التشريع في دول العسر العربية ساهمت، في تراجع هيبة القانون مع تفشي ظواهر الفوضى، وقوانين المكانة والسلطة والنفوذ، التي أدت إلى إفقاد القانون هيبته، وردعه، لانتشار الفساد الوظيفي والإداري والاعتداء على المال العام، وأيضا بين بعض شرائح المجتمع المختلفة.
مع نزعة كل فئة وظيفية بارزة في دول ما بعد الاستقلال، تم انتهاك مفهوم المال العام من خلال المزايا الاجتماعية للوظائف والمهن العامة ذات المكانة والهيبة، كجزء من عملية إرضاء السلطات لها، والمساهمة في تماسك أجهزة الدولة، ووظائفها، وفق قوة هذه الفئة الوظيفية او تلك داخلها.
في الدول ذات المجتمعات الانقسامية –القبلية والعشائرية، والعائلية، وذات الأغلبيات الدينية المذهبية والطائفية-، كانت القوانين، بعضها يميل إلى الأغلبية الدينية، أو المذهبية على حساب الأقليات الأخرى، وحتى في ظل مبدأ سيادة القانون على جميع المواطنين، أو المخاطبين بأحكامه، ومن ثم كان ولا يزال يتعطل في تطبيقه او ينحرف عن مساره بحسب مكانة القبيلة أو العشيرة، أو الانتماء الديني والمذهبي، وهو ما أثر على فاعلية القانون واحترامه بين المواطنين كافة وشاع إدراك شبه جمعي، أن المكون القبلي، والعشائري في تشكيل المجتمع المتعدد، هو الأساس في تنظيم وضبط السلوك الاجتماعي لا قانون الدولة، كما حدث ولا يزال في العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، والسودان وقبائل الوسط النيلي الكبرى.
في حالة النظام اللبناني الطائفي، والدولة الهشة، ظلت البيوتات الطائفية قبل الحرب الأهلية وما بعدها، هي القوة السياسية الطائفية فوق القانون، معتمدين على نفوذهم الطائفي، وأيضا مليشياتهم، ثم احزابهم الطائفية ما بعد الحرب، في ظل هيمنة الفساد السياسي والإداري، وأيضا مؤثرات القوى الخارجية، ودعمها لغالبية الطوائف..الخ.
ساهمت الصراعات بين أجهزة الدولة والسلطة في العالم العربي، في الصراع على القانون، وبه في صراعاتها البينية علي القوة، وذلك على الرغم من أن صراعات الأجهزة الدولتية في النظم الديموقراطية جزءًا من ظواهرها، وآليات عملها الرقابية، وتوزيعات القوة والاختصاصات فيما بينها في ظل قواعد وآليات النظم الديمقراطية التمثيلية واستقلال وفصل السلطات ، إلا أن صراعات أجهزة السلطة في الدول العربية، دلالة على عدم الانتظام الدستوري والقانوني لعمل هذه الأجهزة، وإنها لا تعدو سوي جزء من آليات السيطرة والرقابات المتبادلة لصالح مواقع القوة العليا في الدول العربية الهشة ما بعد الاستقلال، وأيضا في تنشيط الصراعات بين قيادات هذه الأجهزة بعضها بعضا، من أجل السعي لرضاء قمة نظام القوة في الدولة ، وقدرته علي التمسك بمفاتيحها من خلال ولاء قادتها له .
لا شك أن هذا النمط من الصراعات بين الأجهزة لا يرتكز نسبيا على قواعد القانون والاختصاصات الوظيفية، ومن ثم يجعل ذلك من أجهزة الدولة، في نظر “المواطنين” لا تأبه، ولا ترتدع بالقانون، وتنتهك أحكامه، على نحو ما ساد في سوريا آل الأسد، والعراق في عهد البعث، وما بعد الاجتياح الأمريكي، ونظام بريمر، وما بعده.
من ثم الدولة العربية الهشة وسلطاتها الحاكمة ما بعد الاستقلال وإلى الآن، هي جزء من أزمات فاعلية القانون، ومن ثم اللانظام في مواجهة قانون الدولة.
القوة القبلية والعشائرية والمذهبية الدينية، متغلغة في تشكيل مؤسسات إنفاذ القانون، بل وفي وضعه أساسا من خلال تمثيلها البرلماني –عراق ما بعد صدام-، ومن ثم تأثرت القوانين بتوجهاتها، وإدراكها لهوياتها، في وضع القوانين، وحماية مصالحها، ومكانتها في التركيبة السلطوية المذهبية الدينية، والعرقية..الخ. وهو ما يجعل المكونات العرقية والقومية، والقبلية، والمناطقية الأولوية، تنظر للقوانين من منظورات مختلفة، وإنها لا تعبر عن مصالحها، ومن ثم يفقد القانون تعبيره عن المصالح الوطنية العابرة للمكونات الأساسية في المجتمع، ومفهوم الصالح العام، وهو ما أثر ولا يزال على هيبة القانون، الذي فقد أيضا بعضًا من مكوناته الحداثية، وبات تعبيرًا سلطويا عن قانون القوة والمكانة الذي تجاوزته الدولة/ الأمة وحداثتها القانونية، والسياسية في المجتمعات والدول الأكثر تطورًا في عالمنا.

المصدر: الأهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى