التعددية الوطنية والاعتراف بالحقوق الكردية: نحو مواطنة مدنية وهوية جامعة

فضل عبد الغني

يُعدّ سؤال كيفية استيعاب الدول الحديثة للتنوع العرقي واللغوي، مع الحفاظ على التماسك الوطني، من أبرز التحديات المستمرة في النظرية السياسية والتصميم الدستوري؛ ويتمثل جوهر هذا السؤال في توتر مفاهيمي بين نموذجين متنافسين للهوية الوطنية: نموذج يقوم على التجانس العرقي أو اللغوي، وآخر يقوم على تعددية شاملة تُقرّ بأنَّ التنوع عنصرٌ تأسيسي في بناء الأمة. ويكتسب هذا التوتر أهمية خاصة في مجتمعات ما بعد النزاعات، الساعية إلى إعادة بناء المجتمع السياسي بعد فترات من الإقصاء الممنهج.
من القومية الإقصائية إلى المواطنة المدنية التعددية
يمثل الإطار الأيديولوجي للإقصاء القومي العربي، الذي يصوّر الهويات غير العربية بوصفها تهديدًا للتماسك الوطني، ما يُشار إليه في الأدبيات بوصفه نموذجًا لأيديولوجية الدولة التي تُؤسّس الانتماء الوطني على التطابق العرقي واللغوي. وفي ظل هذه النماذج، تُهمَّش الأقليات وتُحصر في خانة “الآخر” الداخلي؛ فيُتسامح مع وجودها في أحسن الأحوال، في حين تُنكر هويتها المتميزة إنكارًا بنيويًا. ويُنتج هذا التصور تناقضًا عميقًا داخل الأطر الدستورية التي قد تُعلن المساواة الشكلية في الوقت نفسه الذي تُعرّف فيه الأمة بمصطلحات إقصائية.
ويقوم البديل المفاهيمي للقومية الإقصائية على نظريات القومية المدنية التي تُرسّخ الهوية الوطنية في المواطنة المشتركة والانتماء السياسي، لا في التجانس العرقي أو اللغوي. ويتجلى هذا التحول في إعادة صياغة الهوية الوطنية بوصفها “موحّدة ومتنوعة”، بما يفيد أنَّ الوحدة لا تتحقق عبر محو الفوارق، بل عبر الاعتراف بالاختلاف ودمجه ضمن إطار سياسي جامع. ووفق هذا المنظور، لا تُعامل هوية الأقليات باعتبارها هامشًا يُسمح به، بل تُفهم بوصفها مكوّنًا أصيلًا من مكوّنات الأمة ذاتها.
ويمثل هذا التحول ما يمكن فهمه بوصفه عقدًا اجتماعيًا جديدًا. فبدلًا من اشتراط الامتثال لهوية عرقية مهيمنة بوصفه شرطًا ضمنيًا للمواطنة، يرتكز التعدد المدني على المساواة في الوضع القانوني والسياسي بغض النظر عن الأصل العرقي. وتكمن أهميته النظرية في إعادة تعريف أسس المجتمع السياسي نفسه، إذ يُعاد تصور القوة الوطنية بوصفها ثمرةً للتنوع، لا نتيجةً للتوحيد القسري.
يقدّم الإطار النظري للعدالة الانتقالية أدوات مفاهيمية لفهم كيفية معالجة المجتمعات للمظالم التاريخية التي لحقت بالأقليات. وتُعدّ استعادة الجنسية للفئات التي كانت مُستبعدة سابقًا صورةً مركزية من صور جبر الضرر ضمن هذا الإطار.
ويوفّر القانون الدولي لحقوق الإنسان أساسًا معياريًا متينًا لفهم التزامات الدول تجاه الأقليات. وينص حظر الحرمان التعسفي من الجنسية، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنَّ لكل فرد الحق في جنسية، وأنَّه لا يجوز حرمان أي شخص منها تعسفًا. ولا يقتصر أثر هذا المبدأ على الضمانات الإجرائية، بل يمتد ليشكّل قيدًا جوهريًا على سلطة الدولة التقديرية في تنظيم الجنسية وتحديد آثارها.
ويُرسّخ إطار حقوق لغات الأقليات في التعليم، كما صاغته اليونسكو وتدعم ملامحه صكوك متعددة من منظومة حقوق الإنسان، أنَّ تحقيق تعليم فعّال للأقليات اللغوية يستلزم اعتماد اللغة الأم، ولا سيما في السنوات التأسيسية. وتُظهر الأبحاث المقارنة أنَّ الأطفال الذين يتعلمون بلغة مألوفة يحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يتلقون تعليمهم بلغات غير مألوفة. وتُبرز هذه الأدلة أنَّ حقوق اللغة لا تتعلق بصون التراث الثقافي فحسب، بل تُسهم كذلك في ترسيخ العدالة التعليمية بوصفها حقًا أساسيًا ومقومًا من مقومات تكافؤ الفرص.
ويُقرّ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، أو إثنية، أو دينية، أو لغوية بأنَّ على الدول التزامات إيجابية تتجاوز مجرد الامتناع عن التدخل. فهو يُلزم الدول باتخاذ تدابير تهيئ ظروفًا مواتية تمكّن الأقليات من التعبير عن خصائصها وتطوير ثقافتها، ولغتها، وتقاليدها، وعاداتها. ويُميّز هذا الإطار بين واجبات سلبية تتمثل في عدم التمييز، وواجبات إيجابية تتطلب دعمًا فعّالاً من الدولة لضمان إمكانات التنمية الثقافية واللغوية للأقليات ضمن المجال العام.
ويُنشئ تصنيف لغة الأقلية بوصفها لغة “وطنية” مستوىً من الاعتراف يمنحها شرعية عامة، مع تمييزها في الوقت نفسه عن اللغة الإدارية الرسمية. ويتيح هذا التمييز اعترافًا عمليًا بالتعددية اللغوية دون الإخلال بوحدة الإدارة العامة، محولًا حقوق اللغة من استخدام خاص مسموح به إلى حق مُعترف به رسميًا ضمن منظومة الحقوق العامة.
العدالة الانتقالية واستعادة المواطنة الفعلية
يقدّم الإطار النظري للعدالة الانتقالية أدوات مفاهيمية لفهم كيفية معالجة المجتمعات للمظالم التاريخية التي لحقت بالأقليات. وتُعدّ استعادة الجنسية للفئات التي كانت مُستبعدة سابقًا صورةً مركزية من صور جبر الضرر ضمن هذا الإطار. ومع ذلك، تُؤكد المقاربات النظرية أنَّ استعادة الوضع القانوني الرسمي لا تكفي وحدها ما لم تُستكمل بتدابير تعويضية متعددة الأبعاد. فالتعويض المادي يعالج الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرمان من الملكية والعمل والفرص التعليمية. أما التعويض المعنوي، عبر الاعتراف الرسمي وإعادة الاعتبار، فيسهم في ترميم الكرامة الاجتماعية والقانونية لمن عانوا من التهميش الممنهج. وتعمل برامج إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي على تمكين المواطنين المُعترف بهم حديثًا من ممارسة حقوقهم عمليًا، لا بوصفها حقوقًا نظرية فحسب.
ويكتسب مفهوم ضمانات عدم التكرار أهمية نظرية خاصة، إذ يتصل بالبعد الاستشرافي للعدالة الانتقالية. فالغرض لا يقتصر على معالجة الانتهاك الماضي، بل يتعداه إلى منع تكراره عبر ضمانات دستورية وتشريعية تحظر الحرمان التعسفي من الجنسية مستقبلًا، بما يستلزم مواءمة المعايير الدولية وإدماجها في البنى القانونية الوطنية على نحوٍ واضح وقابل للإنفاذ.
ويتناول الإصلاح المؤسسي الآليات التي استمرت من خلالها أنماط التمييز تاريخيًا. كما يتطلب تفكيك السرديات الرسمية التي حصرت الهوية الوطنية في تعريفات إقصائية، والانتقال إلى خطاب شامل يعكس التعددية بوصفها مكوّنًا تأسيسيًا للمجتمع. ويستند هذا المطلب إلى إدراك أنَّ المساواة القانونية الشكلية قد تتعايش مع تهميش فعلي ما لم يُنجز تحول ثقافي ومؤسسي عميق يطال سياسات الدولة وخطابها وممارساتها.
يسهم الإطار النظري لفهم الحقوق الكردية ضمن التعددية الوطنية السورية في إضاءة تساؤلات أوسع تتعلق بالعلاقة بين التنوع والوحدة في التصميم الدستوري.
الضمانات الدستورية لحماية التعددية واستدامة الحقوق
تعتمد استدامة حماية حقوق الأقليات بصورة حاسمة على تكريسها في الدستور. فالمراسيم التنفيذية أو التشريعات العادية، رغم أثرها الفوري، تبقى قابلة للتعديل أو الإلغاء بفعل تغير موازين القوى السياسية أو تبدل الإدارات. وتوفر الحماية الدستورية ضمانات أقوى، لا سيما عند اقترانها بقيود إجرائية مشددة على التعديل، مثل اشتراط أغلبية معززة أو معايير خاصة لحماية الحقوق الأساسية.
وتوجّه عدة مبادئ نظرية تصميم الدساتير في المجتمعات التعددية. ويشكل الاعتراف الواضح بالتنوع القومي في النصوص الدستورية التأسيسية المرجعية الفكرية التي تنطلق منها ضمانات الحقوق اللاحقة. وينبغي أن تُقرّ الديباجة والمواد التأسيسية بالتكوين متعدد الأعراق واللغات بوصفه سمة وطنية مميزة، لا بوصفه إشكالًا ينبغي احتواؤه أو تحديًا يتطلب إدارة أمنية أو سياسية.
ويُعدّ التمييز بين الأحكام الدستورية القابلة للتقاضي والأحكام الدستورية الطموحة ذا أهمية بالغة. فحقوق الأقليات حين تُصاغ بوصفها حقوقًا أساسية قابلة للإنفاذ القضائي تمنح حماية أمتن بكثير من البيانات الإنشائية التي تفتقر إلى آليات إنصاف فعّالة. ويمكن للمؤسسات المستقلة المعنية بحماية حقوق الأقليات، المصممة على غرار مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية، أن تؤدي دورًا داعمًا عبر المراقبة والتحقيق في الشكاوى وتقديم توصيات ملزمة أو مؤثرة، بما يعزز المساءلة ويمنع الانزلاق إلى صيغ اعتراف شكلية.
ويمثل التوتر بين المركزية واللامركزية تحديًا خاصًا في المجتمعات التعددية. وقد تتيح اللامركزية الإدارية المحدودة للمجتمعات المحلية إدارة التعليم والشؤون الثقافية والخدمات العامة المحلية، مع الحفاظ على التماسك الوطني في مجالات السيادة مثل الدفاع والشؤون الخارجية والسياسة الاقتصادية الكلية. ويسهم التحديد الدستوري لاختصاصات المركز والوحدات المحلية، إلى جانب آليات فعّالة لحل النزاعات، في تجنب تآكل الوحدة الوطنية من جهة، وتجنب إفراغ الحكم المحلي من محتواه من جهة أخرى. ويُطرح رفض الحكم الذاتي الإقليمي لصالح المواطنة ضمن أطر موحدة بوصفه أحد حلول هذا التوتر، مع بقاء السؤال حول مدى كفاية هذه الصيغة لتلبية تطلعات الأقليات إلى حكم ذاتي فعّال موضوعًا مستمرًا للنقاش.
خاتمة
يسهم الإطار النظري لفهم الحقوق الكردية ضمن التعددية الوطنية السورية في إضاءة تساؤلات أوسع تتعلق بالعلاقة بين التنوع والوحدة في التصميم الدستوري. ويمثل الانتقال من القومية الإقصائية القائمة على التجانس العرقي إلى التعددية المدنية القائمة على المواطنة، بغض النظر عن الأصل، إعادة صياغة جوهرية لمفهوم المجتمع السياسي وحدود الانتماء فيه.
وتقدّم المعايير الدولية لحقوق الإنسان توجيهات معيارية تُرسّخ واجبات سلبية تتمثل في عدم التمييز، إلى جانب التزامات إيجابية تتطلب دعمًا فعّالاً من الدولة للتنمية الثقافية واللغوية للأقليات ضمن المجال العام. وتوفّر أطر العدالة الانتقالية أدوات لاستعادة الحقوق ومعالجة المظالم التاريخية، مع التأكيد على أنَّ المساواة القانونية الرسمية تحتاج إلى استكمالها بتعويضات شاملة وإصلاح مؤسسي وتحول ثقافي يبدد أنماط التهميش المتراكمة.
ويُوفر التكريس الدستوري لحماية الأقليات ديمومةً لا تستطيع التشريعات العادية توفيرها، على أنَّ عملية الصياغة الدستورية ذاتها تؤثر تأثيرًا بالغًا في شرعية هذه الحماية وفاعليتها. وفي المحصلة، يكمن التحدي في تجاوز الثنائيات الزائفة بين الوحدة والتنوع، وبناء هوية وطنية جامعة تتسع للاعتراف بجميع المكونات على قدم المساواة وبأصالة انتمائها، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك اللازم للحكم الفعّال. وتستند هذه المقاربة إلى مبدأ مفاده أنَّ القوة الوطنية لا تنبع من محو الاختلاف، بل من دمجه على نحوٍ منصف داخل مجتمع سياسي مشترك.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى