لماذا فشلت “قسد” في حلب؟ وما التالي؟

إياد الجعفري

خلال بحثي عن قراءات تتحرى درجة كبيرة من الحيادية، للصراع الدائر الآن بين “قوات سورية الديمقراطية – قسد”، وبين الحكومة السورية بدمشق، لفتني تحليل نشره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بعنوان “اشتباكات حلب تهدد اندماج قسد ضمن الجيش السوري”، للدكتورة، رابحة سيف علام.
وقد يكون أكثر ما لفتني في هذا التحليل، خلفيته “المصرية”، البعيدة إلى حدٍ كبير عن تشنجات واستقطابات “هلالنا الخصيب”، الذي يتشارك معظم سكانه تعقيدات متشابهة خاصة بالانتماءات القومية والدينية والمذهبية. إلى جانب ذلك، كان المزاج المصري العام، إلى وقت قريب، سلبياً حيال الحكومة الجديدة في دمشق. الأمر الذي جعل متابعة التحليل الذي قدّمه مركز الأهرام، العريق بسمعته الأكاديمية، مثيراً للفضول بالنسبة لي.
وقد فاجأتني القراءة التي قدّمتها الباحثة المصرية، والتي تمتعت بسوية مرتفعة من الموضوعية. وإن كنت لا أتفق مع بعض النقاط التي وردت فيها. خاصة لجهة الخلاصة التي ذهب إليها التحليل، والمتعلقة بالأثر السلبي لأزمة حلب الأخيرة، على إمكانات “الاندماج” بين “قسد” والحكومة بدمشق. إلا أنني أتفق مع معظم مقومات هذا التحليل. منها، توصيف الباحثة لتحرشات “قسد” الأمنية بالحكومة السورية في حلب، في الفترة السابقة، بالابتزاز. إذ كلما تعثرت المفاوضات بين الطرفين، لجأت “قسد” إلى إطلاق القذائف أو القنص، بغية تعكير صفو الاستقرار الأمني في ثاني كبريات المدن السورية. وإحراج الحكومة المركزية، بدمشق. وهو الابتزاز الذي وصل خاتمته مع أحداث حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، قبل أسبوعين. إذ بدا أن الحكومة عازمة هذه المرة على إنهاء الوجود العسكري لـ “قسد” في حلب. وهو ما لم تكن قوات “قسد”، متحسبة له.
وقد ركزت الباحثة المصرية على التعامل الدقيق للحكومة السورية مع تطور الأحداث بحلب، والذي وصفته بـ “اللافت”. إذ اتسم أداء القوات الحكومية بقدر من الاحترافية والسرعة واستخدام تكتيكات أمنية تحيّد المدنيين وتركز على الأهداف العسكرية، مع فتح ممرات إنسانية ومُهل، لتشجيع المدنيين على مغادرة حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وأشارت إلى حرص القيادات العسكرية على ضبط الأوضاع الأمنية ومنع وقوع انتهاكات. إلى جانب الخطاب الرسمي الذي أكد على نفي أي تمييز ضد الأكراد أو أي نيّة لتحقيق تغيير ديمغرافي.
وفي حين كانت القوات الحكومية، وفق الباحثة المصرية، منضبطة، وتتمتع باحترافية نسبية، كانت “قسد” تتصرف بعشوائية وتردد، مصحوبين بتصعيد استعراضي. وهو ما يكشف عن تفاوت إدراك الطرفين لمعايير المرحلة الجديدة في سوريا. إذ تعتقد الدكتورة، رابحة سيف علام، أن الفصائل المندمجة في الحكومة السورية الجديدة، تعلمت من أخطائها وعدّلت سلوكها. في إشارة إلى الأخطاء الكارثية التي تورطت فيها خلال أحداث الساحل والسويداء، في العام 2025. في المقابل، لم تغيّر “قسد” من تعاطيها مع التطورات السياسية الداخلية والخارجية، إذ بقيت تماطل للاحتفاظ بمكاسبها وسيطرتها على الموارد في الشمال الشرقي.
وهو ما سينعكس على صعيد العلاقة مع الحليف الأميركي لكلا الطرفين. إذ تعتقد الباحثة المصرية أن واشنطن قد تتوانى عن تقديم المزيد من الدعم لـ “قسد”، في ظل انتفاء دورها الوظيفي بعد القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية – داعش” –إلى حدٍ كبير-، وبعد عقد شراكة مع حكومة دمشق، لمواصلة جهود دحر ما تبقى من عناصر التنظيم. لذا، فواشنطن، قد لا تدعم “قسد” في مواجهة محتملة مع الحكومة بدمشق، بقدر ما ستشجعها على الشراكة معها، ولو بحصيلة مكاسب أقل مما حازته في السنوات العشر السابقة.
ووفق الأكاديمية المصرية، قد يكون السؤال الأبرز في الأيام القادمة: كيف ستتكيف “قسد” مع المرحلة الراهنة في سوريا؟ إذ إن حالة “قسد” تعبّر عن استجابة لمرحلة ماضية، انقضت. ولا تعبّر عن المرحلة الحالية التي تعكس حرصاً دولياً وإقليمياً على وحدة سوريا، وإنهاء الحرب فيها. في حين اشتقت “قسد” مساراً موازياً للمسار الذي أطلقته الحكومة بدمشق، عبر فتح قنوات مع فلول نظام الأسد، ودعم مسار السيطرة الأمنية الموازية التي بدأت في السويداء منذ تموز 2025.
ووفق قراءة الباحثة المصرية، فإن التخوف من انتهاك حقوق الأقليات ضمن سوريا الجديدة، محق. وهو يحتاج لضمانات دستورية ومؤسسية راسخة. لكن التعامل مع هذه المخاوف بالدفع إلى سيناريوهات التقسيم واستدامة الحرب، لا يفيد فعلياً في ضمان حقوق الأقليات، بل على العكس، هو يهدد سلامتهم، ويعمق من الشرخ الوطني السوري.
وتلفت الباحثة المصرية إلى أن الحكومة السورية الجديدة حازت على شرعية إقليمية ودولية، على أساس توحيد سوريا، وتمتع كل مكوناتها الاجتماعية والدينية بالحقوق والحريات. لذا، ستكون الحكومة السورية تحت اختبار إقليمي ودولي، يتعلق بمدى قدرتها على ضم كل الكفاءات السورية بصرف النظر عن انتماءاتهم، ومدى قدرتها على إنتاج خطاب وأداء جامع لكل السوريين، من دون تمييز.
وترجّح الباحثة المصرية أن يكون القادم باتجاه توسع الحسم العسكري نحو الريف الشرقي لحلب، ومن ثم الرقة ودير الزور، وصولاً إلى الحسكة، حيث المعقل الأساسي لـ “قسد”، والاختبار الحاسم لمدى تماسكها وقدراتها. من جانبنا، نذهب إلى تحليل آخر، يرجّح أن كل تقدم عسكري للقوات السورية، في المرحلة القادمة، سيرفع من احتمالات عودة “قسد” إلى طاولة المفاوضات، بسقف مطالب أكثر واقعية، مدعومة برعاية أميركية، لن تتخلى عنها، بالمطلق، ولن تدعمها، في الوقت نفسه، إلا ضمن تصوّرٍ يجعلها، جزءاً من تركيبة الدولة السورية الموحدة.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى