
عُرف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى باندفاعه وصراحته الفجّة. غير أن ولايته الثانية كشفت وجهاً آخر له، وملامح في شخصيته لم تكن ظاهرة. أبرزها المراوغة والتضليل والنزوع إلى العنف المادي.
كان ترامب من 2017 إلى 2021 يميل إلى استخدام الأدوات الاقتصادية لمعاقبة الدول المناوئة لمصالح واشنطن أو سياساتها، فتركّز تعامله مع إيران، مثلاً، بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، بعكس ما جرى في يونيو/ حزيران من العام الماضي، بالتنسيق مع إسرائيل، في مواجهة الـ12 يوماً، ثم قصف المنشآت النووية الإيرانية بطائرات وصواريخ أميركية.
وبعد أن كانت الصراحة المُحرِجة لغيره من قادة الدول مأخذاً رئيساً على خطابات ترامب وتصريحاته، إذا به يتبنّى في رئاسته الحالية نهجاً مُخاتلاً، ويباشر خطاباً مراوغاً وكاذباً أحياناً. فقد أخذ يكرّر أنه يريد علاقات جيدة مع إيران، ومنحها أكثر من مهلة كي تعود إلى مفاوضات النووي. وفوجئ العالم بالهجوم الإسرائيلي عليها، ثم بانضمام واشنطن إليه، في عملية عسكرية مُنسّقة ومخطّط لها. ثم كرّر النمط نفسه مع فنزويلا؛ فأجرى مكالمة هاتفية مع رئيسها مادورو، وأعلن مطالب محدّدة ينتظر تلبيتها، وفجأة اختطفتْ قواته الرجل في عملية استخباراتية عسكرية يتطلّب التحضير لها صفقاتٍ واختراقاتٍ متعدّدة المستويات، وتجنيد عملاء في دوائر رفيعة. ولذلك، عندما أعلن ترامب أن مكالمةً هاتفيةً جمعته مع رئيس كولومبيا غوستافو بيترو، وقد يستقبله في البيت الأبيض، خرجت أصواتٌ تحذّر الأخير من أنه لو ذهب إلى واشنطن فلن يخرج منها (!).
ومن شأن هذا الخداع الذي يمارسه ترامب على المستوى العالمي أن يُفقده الثقة، ويدفع كثيراً من الدول والقادة إلى التشكيك في أيّ مواقف تعلنها واشنطن، وخصوصاً إذا كانت صادرةً عنه شخصياً. فأنّى له الصدقية بعد أن صار يكذب سرّاً وعلانية؟ وإذا كانت بعض الدول قد بدأت تراجع تحالفاتها مع واشنطن وتفتح قنوات تواصل وانفتاح على قوى كبرى أخرى، على خلفية خذلان واشنطن لها في مواقف مهمة، فإن تلك الغطرسة الترامبية ستمنح زخماً إضافياً للتوجّهات الابتعادية لدول طالما راهنت على تحالف وثيق، واعتمادية شبه كاملة على المظلّة الأميركية.
وإلى جانب المخاتلة والخداع، بدأ ترامب يكشف عملياً عدم اعترافه بأيّ قوانين أو أعراف دولية أو أطر منظِّمة لعلاقات بلاده مع العالم. وليس ذلك فقط على مستوى العلاقات الثنائية مع الدول الأخرى، بل أيضاً في نطاق التكتلات والمنظمات الدولية. صحيح أنه بدأ الانسلاخ عن تلك الأطر والمنظمات في ولايته الرئاسية الأولى بالانسحاب من عضوية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، إلا أنه بعد عام من دخوله البيت الأبيض للمرّة الثانية، اندفع إلى الانسحاب من نحو 66 منظمة ومؤسّسة دولية، ليتخلّص من أيّ التزامات أو واجبات أميركية تجاه المجتمع الدولي، بمختلف مكوّناته من دول ومنظمات.
ولا يقتصر معنى الانسحاب الأميركي من المنظمات الدولية على التنصّل من الالتزامات وواجبات العضوية، بل الأخطر عدم اعتراف ترامب بالقواعد الحاكمة لتلك المنظمات وأسس عملها، وهو ما يفتح الباب أمام أطراف أخرى للاقتداء بواشنطن وتجاهل قواعد التنظيم الدولي. وغنيّ عن البيان أن تقليد السلوك الأميركي لن يقتصر على الدول الكبرى المناوئة لها مثل الصين أو روسيا، بل ستسير في النهج نفسه دول أخرى غير مقيّدة بحسابات القوى العظمى. وبعد أن كانت الازدواجية وتعدّد المعايير اتهاماً يُوجَّه حصرياً إلى واشنطن، سيصير سقوط المعايير وتجاهل الضوابط واقعاً عالمياً يُقرّه ترامب ويتباهى به، ولا غرو إن فتحت تلك النزعات الترامبية طريقاً سالكاً إلى نهاية العالم.
المصدر: العربي الجديد






