ترامب وإمبريالية القرن الـ21

حسن مدن

ونحن نتحدث عن سمات الإمبريالية عموماً، لا إمبريالية الحاضر فقط، يتعيّن الوقوف عند الكتاب الشهير للينين: “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”. الكتاب قديم (صدر في عام 1916)، واعتنى بتحليل سمات التحوّل الرأسمالي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأنّ التحولات اللاحقة تجاوزت أحكاماً واردة فيه، وهذا منطقي تماماً، لكن هذا لا ينفي محورية الكتاب في تحليله البنيوي للرأسمالية في مرحلةٍ متقدّمة من تطوّرها. فرأى لينين في الإمبريالية تحوّلاً موضوعياً ضرورياً للرأسمالية، مع تركّز الإنتاج وظهور الاحتكارات واندماج رأس المال الصناعي والمصرفي، ليصبح اللجوء إلى العنف، على المستوى العالمي، سمةً من سمات الرأسمالية، في سعيها لتحقيق سيطرتها على ثروات البلدان المختلفة، بشنّ الحروب وتدبير الانقلابات وسحق السيادات الوطنية للدول، ما ينسف أوهام السوق الحر، والتنافس العادل، مقابل تغليب منطق التوسع الخارجي للغاية ذاتها: الهيمنة على الثروات والأسواق.
صحيح أنّ لينين لم يدرك الزمن الذي ظهرت فيه صور جديدة للهيمنة، عبر ما يعرف بـ”الإمبريالية الرقمية”، وسيطرة المنصات والشركات العابرة للقوميات دون الحاجة بالضرورة للجيوش، فضلاً عن استخدام وسيلة العقوبات والحصار على الدول الخارجة على اجماع المركز الرأسمالي الغربي، بصرف النظر عن الأسباب والغايات، وهي أدوات حملت كثيرين على الاعتقاد بأنّ الإمبريالية كما صوّرها لينين تبدّلت، لكن الأقدار ستفاجئنا بأنّ الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب أعادها إلى هذه الصورة بالذات، بما فعله ويفعله في مناطق مختلفة من العالم، لعلّ أبرز تجلٍّ لها وأكثرها وقاحةً ما فعله في فنزويلا، حين استهدفها بالعدوان وأسر رئيسها المنتخب وزوجته ورحّلهما بصورة مهينة إلى أميركا لمحاكمتهما، في خرقٍ سافرٍ للقانون الدولي الذي طالما تباهت دول الغرب بالدعوة إلى الالتزام به.
حتى لو بدت “إمبريالية القرن الحادي والعشرين” مختلفة في بعض التفاصيل عن التي كانت عليها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خصوصاً مع نشوء ميزان قوى دولي جديد، بصعود قوى دوليّة جديدة، لعلّ الصين أبرزها، فإنها (الإمبريالية الغربيّة) لم تغيّر جوهرها، كما يتجسد ذلك في سلوك ترامب وإدارته، بالسعي لتحكّمٍ أكثر شمولية، وأشدّ قسوة، والتصرّف وفق ذهنية إمبراطورية ظننا أنّ العالم تجاوزها، لنكتشف خطأ ظننا، لتحقيق الغايات نفسها: تصديرالسلع ورؤوس الأموال، البحث عن أسواق جديدة، الهيمنة السياسية والاقتصادية، ونزع الأقنعة الزائفة التي استخدمتها الرأسمالية مثل صون حقوق الإنسان والإلتزام بالقانون الدولي، فبلغ الأمر حدّ مجاهرة ترامب في حديث صحافي أخير له أنّ ما يحكم سلوكه تجاه الدول الأخرى معياره الشخصي، لا ما يُسمى القانون الدولي.
بالطبع، هناك سوابق لسلوك ترامب لدى إدارات أميركية سابقة، فلا تنسَ الأكاذيب التي تضمّنها خطاب الوزير كولن باول أمام مجلس الأمن عام 2003، وهو يعرض عيّنات زائفة لما وصفها بـ”أسلحة دمار شامل” يمتلكها العراق، لتسويغ قرار واشنطن المنفرد بغزوه واحتلاله، والهيمنة على ثرواته، فيما لم يعد ترامب مكترثاً بتقديم “أدلّة” مزعومة تبرّر عدوانه على فنزويلا، أو حتى وعود بالديمقراطية، جاعلاً من هذا العدوان مدعاةً للفخر والنشوة، مقدّماً نفسه زعيماً أوحد للعالم، ديدنه “الأفعال لا الأقوال”، وهو يسخر من أسلافه ممّن مرّوا على البيت الأبيض، مع معرفتنا أنّ ما من رئيسٍ بإمكان رجليه أن تطآ عتبة هذا البيت إلا بمباركة الدولة العميقة الحاكمة ورضاها، وترامب ليس استثناءً.
لا تتيح نرجسية ترامب وغروره له الاتعاظ من تجارب من سبقوه في رئاسة أميركا، فكونها أقوى الدول عسكرياً وتمتلك من الأسلحة أشدّها فتكاً، لم يحل دون خروجها من فيتنام مهزومة ذليلة، بعد حربٍ وحشيةٍ شنّتها هناك دامت طويلاً، ونالها شيء مشابه في أفغانستان رغم الفوارق، وليس بوسعها الزعم أنّها حققت كل أهدافها من غزوها العراق. وإذا كان ترامب يعتقد أنّه باعتقال الرئيس الفنزويلي سيخضع فنزويلا البالغ تعداد سكّانها ما يزيد على ثلاثين مليون نسمة، للهيمنة الأميركية، فهو واهم. خطوته الهوجاء هذه التي يلمّح إلى أنّه سيفعل مثلها في كوبا وغرينلاند، إضافة إلى أنها تكرارٌ لحماقات أميركية سابقة، تنمّ عن جهل بأنّ عالمنا في القرن الحالي، رغم كل التعقيدات والأزمات، ليس هو العالم الذي كان قبل قرنٍ أو أكثر.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى