اليمن إلى ليبيا: تشكيل الأمن القومي العربي

ماهر أبو المجد

تعرّض الأمن القومي العربي، في العقد المنصرم، لاختراقات عميقة ومتراكمة من إسرائيل وإيران، في وقت كانت فيه دول الثقل العربي منكفئة على نفسها وغارقة في أزماتها الداخلية بعد أحداث الربيع العربي، أو بطيئة في استجابتها للأخطار المتصاعدة التي أخذت تطوّق دول المركز العربي، وفي مقدمتها السعودية ومصر. وعلى عكس ما يذهب إليه محلّلون كثيرون، وضعت عملية 7 أكتوبر (2023)، أو ما عُرف بطوفان الأقصى، هذه الدول في مواجهة مباشرة مع أخطار واحتمالات كانت تُخطّط لفرض واقع جديد في المحاور والأطراف الاستراتيجية العربية.
وجدت مصر نفسها في مواجهة مستمرّة مع مخاطر التهجير وإعادة رسم حدود دولة الكيان، وهي حدود غير محدّدة أصلاً، في وقت ما تزال فيه جهاتها الثلاث مطوّقة بأحزمة من النار، ومهدّدة بشريانها الوجودي، نهر النيل، بفعل سد النهضة الإثيوبي، الذي يمثل إحدى أدوات المحور المناهض للأمن العربي الحيوي والجيوسياسي. وفي المقابل، تحوّلت بعض دول المعاهدة الإبراهيمية، أو ما يُعرف باتفاقيات التطبيع، إلى طوْق يلتفّ حول مراكز الثقل العربي، بما يعمّق من هشاشة البيئة الاستراتيجية الإقليمية.
الضربات التي تلقتها إيران خلال حرب الاثني عشر يوماً، وما رافقها من انهيار لمحورها المحاذي لإسرائيل في سورية ولبنان، إضافة إلى انهماكها في أزماتها الداخلية واختلال موازين القوة في الإقليم، شجّعت المحور الإسرائيلي على الكشف عن أوراقه كاملة، من السودان إلى ليبيا، مروراً بالقرن الأفريقي، وصولاً إلى اليمن. وقد استدعى هذا التطور ردّة فعل من الدول المستهدفة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، والتي تعمل اليوم ضمن إطار تنسيقٍ واحد، وفي مقدّمتها مصر والسعودية وتركيا.
وجدت مصر نفسها في مواجهة مستمرّة مع مخاطر التهجير وإعادة رسم حدود دولة الكيان
وفي الساحة الليبية، أظهرت القاهرة انزعاجاً متزايداً من استمرار التجاوزات التي يقوم بها الجنرال خليفة حفتر، ومن مدّ مليشيات الدعم السريع في السودان بخط دعم لوجستي عبر مطار الجفرة. وقد برز هذا الانزعاج في أكثر من محطّة، أهمها اللقاء العاصف والمتوتر، بحسب مصادر مطلعة، الذي جمع حفتر ونجليه بالرئاسة المصرية في القاهرة، إضافة إلى رسو الفرقاطة العسكرية المصرية “بور سعيد” في ميناء بنغازي، في رسالة واضحة على القدرة على الحضور وممارسة الضغط.
ولكن الرسالة الأهم في زيارة نائب رئيس المخابرات المصرية إلى حكومة الغرب الليبية، في مؤشر على أن القاهرة باتت منفتحة على مختلف الأطراف والمحاور في المعادلة الليبية. وقد تزامنت هذه الرسائل مع رسالة أخرى غير مباشرة بعثت بها الرياض عبر رئيس أركان الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، منتصف ديسمبر الماضي. وبحسب مصادر مطلعة، حملت الرسالة طلباً بوقف دعم وإمداد مليشيا الدعم السريع في السودان. ويفسّر هذا التطور مستوى التنسيق المصري السعودي في مواجهة التحدّيات التي تهدّد الأمن الجيوسياسي للدولتين، والأمن القومي العربي عموماً.
في الساحة اليمنية، أظهرت السعودية قدرة عالية على المواجهة والدفاع عن خطوطها الحمراء، إذ نجحت في أيام قليلة في تغيير المعادلة العسكرية في المحافظات اليمنية المحاذية لها، ولا سيما حضرموت والمهرة، وأنهت اندفاعة المجلس الانتقالي وسعيه المرتبط بترتيبات إقليمية لفرض واقع انفصالي، وإيجاد صراع مركب يهدف إلى إغراق الرياض أكثر في المعترك اليمني، وتصفية مكتسباتها الإقليمية عبر تقويض الثقة بها حليفاً إقليميّاً.
أظهرت السعودية قدرة عالية على المواجهة والدفاع عن خطوطها الحمراء
إلى جانب ذلك، لم تكن التطورات على مسرح الصراع اليمني منفصلة عن نيات عقابية تجاه السعودية، على خلفية تمسّكها بمبادرتها المعلنة عام 2002 لحل القضية الفلسطينية، والمعروفة بالمبادرة العربية، والتي تنصّ على الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود ما قبل نكسة يونيو 1967 مقابل الاعتراف بدولة إسرائيلية. تمسك الرياض بهذا الموقف خلال حرب الطوفان، وفي أثناء زيارة ولي العهد، محمد بن سلمان، الولايات المتحدة أواخر عام 2025، أطاح الرهانات الإسرائيلية على تطويع الموقف السعودي، وهو ما انعكس بتسريع تنفيذ مخطط تل أبيب لتطويق القوى العربية الإقليمية واستنزافها عبر أزمات وحروب حدودية.
تجلى هذا المخطط في خطوات متزامنة، تمثلت في التحرّكات العسكرية للمجلس الانتقالي في اليمن، واعتراف الكيان بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة عن جغرافيا الدولة الصومالية الفدرالية، إضافة إلى تطورات متسارعة في الساحتين السودانية والليبية. وقد ساهمت هذه الاندفاعة الإسرائيلية، القائمة على اللعب المكشوف، إلى حد كبير في تبلور حلف مضاد وتنسيق استراتيجي بين عدة فاعلين إقليميين، في مقدمتهم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، مع انضمام إيران إلى بعض المحاور والملفات وفق حسابات المصلحة والضغوط التي يواجهها نظام الحكم في طهران.
كانت الأيام الأخيرة حافلة بمواقف وتحرّكات تعكس ملامح هذا الاصطفاف، من خلال زياراتٍ متبادلةٍ إلى أنقرة والقاهرة والرياض، وإعلانات دعم وتأييد متقابلة بين أطراف هذا المحور، جديدها أخيراً إعلان الرئاسة المصرية تطابق الموقفين، المصري والسعودي، بشأن أمن الصومال والسودان واليمن ووحدتهم وسيادتهم. وقد أتبعت إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال بزيارة وزير خارجيتها هرجيسا، وهو ما استهجنه الحكومة الصومالية في مقديشو .
وفي ضوء هذه المعطيات، يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة حالة من الاصطفاف الحاد، وربما ترتيبات وتدخّلات عملياتية وميدانية، بما يجعل العام الحالي مفصلياً في عدة من ساحات الصراع الإقليمي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى