
شكلت التحولات العسكرية التي بدأ جنوب اليمن يشهدها أخيراً منعطفاً جديداً في مواقع الفاعلين وأدوارهم. فإلى جانب أن الحسم العسكري، بدءاً من حضرموت إلى مدينة عدن أخيراً، أفضى إلى تغيير موازين القوة بين القوى المتصارعة، بما يتضمنه ذلك من تغير مراكز الثقل التي تسندها، وشبكة الولاءات والتحالفات المحلية، فإنه كرّس معطيات جديدة فرضت نفسها، سواء على معسكر المنتصرين أو المهزومين.
بعد ما يقارب الشهر على سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات على مدينة حضرموت والمهرة في أوائل ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حسمت السعودية الصراع العسكري في جنوب اليمن لمصلحتها ومصلحة شبكة حلفائها المحليين، ترتب عنه هزيمة المجلس الانتقالي عسكرياً وانحساره قوةً حليفة للإمارات. إلا أنه، بعيداً عن تأطير الصراع في مستواه المحلي في ثنائيات متصارعة يتموضع فيها معسكر الحلفاء والوكلاء: معسكر الدفاع عن الوحدة اليمنية وتثبيت سيادة الدولة، مقابل معسكر تقسيم اليمن، فإن هذه السرديات يجري استثمارها سياسياً، وإنْ شكلت الإطار العام للتناقضات البينية في توليفة سلطة المجلس الرئاسي، فإن الدافع الأولي، سواء باعتباره محرّكاً للصراع وخروجه عن السيطرة، أو عاملَ حسم هو مفاعيل التنافس السعودي – الإماراتي في جنوب اليمن، بما يفرضه ذلك من ضرورة تثبيت معادلة النفوذ وحماية المصالح. فمن جهةٍ، شكّلت التحرّكات العسكرية للمجلس الانتقالي في شرق اليمن عامل تصدّع بنيوي في العلاقة المتجاذبة بين السعودية والإمارات، إذ إن مسارات الحرب في اليمن فرضت واقعاً مستداماً يتمثل بترسيم الجغرافية اليمنية بوصفها خريطة نفوذ موزّعة بين الحلفاء ووكلائهم، ومن ثم فإن سيطرة “الانتقالي” على مدينة حضرموت شكلت قلباً لهذه المعادلة، والأهم اختراقها لمركز النفوذ السعودي الرئيس في اليمن، لما تمثله حضرموت من خصوصية تاريخية واجتماعية في الاستراتيجية السعودية، إضافة إلى البعد الأمني لتشاركها لأكبر مساحة حدودية، وكذلك التطوّرات في القرن الأفريقي، من الحرب في السودان إلى الوضع الحالي في الصومال، بحيث شكل خيار الحسم العسكري ضد المجلس الانتقالي أولوية بالنسبة إلى السعودية، بما يتضمّنه ذلك من القضاء على وكيل خارج عن السيطرة وتأمين مجالها القومي وحماية مصالحها وعمق نفوذها التاريخي في اليمن.
بموازاة التدابير السعودية الموجّهة ضد “الانتقالي”، فإنها قد تضع وكلاء الإمارات الآخرين تحت طائلة تدابيرها المستقبلية
العلاج بالكي مثّل الخيار السعودي الوحيد ربما لتقويض القدرة العسكرية للمجلس الانتقالي بوصفها قوة تهديد متنامية ووكيلاً فاعلاً لمنافسها الإماراتي، التي تعني ضرورة حسم الساحة الجنوبية أياً كانت الكلفة، بدءاً بحضرموت والمهرة حتى عدن أخيراً، إذ شكلت السيطرة على شرق اليمن أهمية مفصلية للسعودية للمضيّ في حسم الملف اليمني، وانتصاراً عسكرياً وسياسياً حاسماً على منافسها الإماراتي، بدءاً بتجريده من مناطق نفوذه في الجزر اليمنية، أي الممرّات البحرية اليمنية، بما في ذلك باب المندب على البحر الأحمر، إلى إخراجها من المعادلة اليمنية، بما يشمله ذلك من مسار الحل السياسي مستقبلاً. ومن جهة ثانية، هزيمة قوات المجلس الانتقالي في شرق اليمن وانتزاع مدينة عدن منها أخيراً، عبر التنسيق مع القوات السلفية، ممثلة بقوات العمالقة الجنوبية، تعني عزله جغرافياً وسياسياً، وتحييد حلفائه الجنوبيين، وتقهقره إلى مدينة الضالع حالياً.
ومن جهة ثالثة، فرض السعودية لقوات درع الوطن، وهي قوة سلفية أيضاً، لحماية المعسكرات وتأمين مؤسسات الدولة من مناطق شرق اليمن إلى مدينة أبين، يعني تأمين السعودية لحدودها الجنوبية أولاً، بما يتضمنه ذلك من فرض سيطرتها على المعابر والممرّات الشرقية وإخضاعها لإشرافها، إذ إن هذه القوات، وإن طُعِّمَت بقيادات من الشرعية، فإنها لا تنضوي تحت وزارة الدفاع اليمنية، بل تحت القوات المشتركة بقيادة السعودية. سياسياً أيضاً، وفي سياق نفوذ السعودية، فإنها استطاعت بعد أكثر من 80 عاماً من مطامعها في مدينة حضرموت، فرض أمر واقع جديد يتيح لها استثمار طبيعة هذا النفوذ، وترتيب وضع خاص لحضرموت بمعزلٍ عن مسارات الحل اليمني، إلى جانب مكسب امتلاك السعودية أخيراً منفذاً على بحر العرب يعضّد مركزيها، البحري والإقليمي، بما في ذلك تأمين إمداداتها من الطاقة. كذلك فإن تحييد حضرموت من دائرة الصراع العسكري، بعد هزيمة “الانتقالي”، يعني تمكين الحكومة المعترف بها دولياً من السيطرة على موارد حضرموت، ومن ثم تخفيف الأعباء المالية على السعودية مموّلاً إقليميّاً للحكومة. ولأن السيطرة على حضرموت والمهرة ليس كما بعدها، فقد اقتضى ذلك تبنّي السعودية استراتيجية تدعم مكاسبها العسكرية، وذلك عبر التحرّك إلى عدن، وتنفيذ عمليات عسكرية جوية لمنع “الانتقالي” من جرّ المدينة إلى قتال أهلي، ما قد يترتّب عنه نزع نفوذ انتقالي من العاصمة المؤقتة، إضافة الى تجريد رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، ليس فقط من موقعه نائباً في سلطة المجلس الرئاسي، بما في ذلك وضعه تحت طائلة العقوبات، بل نزع القوة السياسية عن المجلس الانتقالي، وتحويله إلى مجرّد مكوّن يماثل المكونات الجنوبية الأخرى المتحالفة مع السعودية، بما يتضمنه ذلك من فرض السعودية نفسها راعياً رسمياً لحوار جنوبي – جنوبي لحل القضية الجنوبية. وبموازاة التدابير السعودية الموجّهة ضد “الانتقالي”، فإنها قد تضع وكلاء الإمارات الآخرين تحت طائلة تدابيرها المستقبلية، بما يتعدّى تجفيف الموارد وأشكال الدعم من الإمارات، إلى التسريع بإعادة هيكلة القوات العسكرية لقوى المجلس الرئاسي تحت قيادة قوات درع الوطن الموالي للسعودية، إلى تفكيكها عبر تغيير خريطة انتشارها في المناطق المحرّرة، وأيضاً هيكلة الأحزمة الأمنية تحت وزارة الداخلية اليمنية، إضافة إلى احتمالية تغيير التركيبة السياسية لسلطة المجلس الرئاسي أو تقييد النواب. ومع صعوبة التكهن بالتدابير السعودية، خصوصاً مع التطورات الحالية في عدن وما قد سيترتب عنها مستقبلاً، فإنها تمكّنت من تجريد وكلاء الإمارات، بما فيهم “الانتقالي” من قوتهم، وفرض نفسها طرفاً وحيداً يدير اليمن والأزمة اليمنية، بما في ذلك تأكيد حصرية التمثيل والشرعية لحليفها رئيس المجلس الرئاسي.
كشفت معادلة الردع السعودي في جنوب اليمن انتهازية شبكة تحالفات وكلاء الإمارات في اليمن
في المقابل، إذا كانت مقامرة المجلس الانتقالي في عسكرة الساحة الجنوبية قد مثلت سوء تقديرٍ وعدم حساب لكلفة العواقب، وأيضاً قصوراً في الرؤية العسكرية في تقديره قوة السعودية وخياراتها المتاحة، والواقع الإقليمي والدولي الذي يدعمها، مقابل الركون على إسناد حليفه الإماراتي، وشبكة وكلائه في اليمن، فإن هزيمته عسكرياً بدءاًُ من حضرموت وانتهاءً في عدن، أنتجته طبيعة إدارته المعركة، إذ إنه على الرغم من أن العامل الحاسم يظلّ هو الطيران السعودي لا قوة خصومه، فقد أثبت مسار العمليات، وتحديداً في حضرموت والمهرة، ليس فقط عدم امتلاك “الانتقالي” مركزاً عملياتيّاً موحّداً يدير المعارك، بما يتضمنه ذلك من تنظيم قواعد الاشتباك والانسحاب، بل إن تشكيلاته العسكرية متعدّدة الرؤوس، رغم ضخامتها وعتادها، تفتقر إلى طبيعة القوات النظامية، إلى جانب عدم امتلاك “الانتقالي” استراتيجية عسكرية تدير معارك الأرض، بحيث انحصرت إدارة المعركة على الصعيد السياسي، أي من خلال استثمار العدوان السعودي والمظلومية على الجنوب، ومن ثم فإن مقامرته في حضرموت والمهرة قد سرعت كما يبدو بنهايته العسكرية، وربما السياسية. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على تمدد الانتقالي خارج مدينة عدن، من أبين إلى شبوة، وأخيراً حضرموت والمهرة، فإنه قد جُرِّد فعلياً من السيطرة على الساحة الجنوبية، وأخيراً استُهدفَ مركزه ثقله في مدينة عدن، ومن ثم نُزع آخر موقع نفوذ له.
سياسياً أيضاً، كشفت معادلة الردع السعودي في جنوب اليمن انتهازية شبكة تحالفات وكلاء الإمارات في اليمن، سواء القوى الجنوبية منها أو الشمالية، وهو ما تمظهر في تغيير ولاءات النخب والقوى العسكرية والسياسية وانتقالها من الولاء للإمارات إلى السعودية، ومن ثم تنصّلها من التحالف مع “الانتقالي” وتبعات عملياته العسكرية في جنوب اليمن. وإذا كانت خياراته لإدارة معركته مع السعودية وحلفائها قد بدت متناقضة على صعيد الأدوات والأهداف من الإعلان الدستوري لإدارة المرحلة الانتقالية في جنوب اليمن إلى قبول دعوة السعودية إلى عقد مؤتمر حوار جنوبي، ثم تراجع رئيس “الانتقالي” عن الذهاب إلى الرياض، فإن مضي السعودية حتى النهاية في عزل هذا المجلس، وربما اجتثاثه أو تغيير تركيبته السياسية قد جعل مصيره ومستقبله أيضاً مرتبطاً، في المقام الأول، بالتدابير السعودية لإدارة اليمن، التي من ضمنها المسألة الجنوبية، ومن ثم فقد “الانتقالي” الذي صعد كغيره من الفصائل المسلحة في الحرب، مركز قوته التي كان يعوّل عليها في إدارة معركة غير متكافئة، عبر المقامرة على تحالفات واهية لم تسعفه من تجنّب مصير كارثي.
المصدر: العربي الجديد


