ما بين الاستبداد والطائفية

معقل زهور عدي

هناك علاقة جدلية ما بين الاستبداد والطائفية، وحين نقول جدلية فنحن ننفي أن تكون تلك العلاقة علاقة خطية مثل: (الطائفية تولد الاستبداد)، أو (الاستبداد يولد الطائفية)
بل أشبه ما تكون بعلاقة دائرية مغلقة تعيد إنتاج نفسها عبر رفع أحد حديها كل مرة نحو الأعلى، فتفاقم الطائفية يحرض تفاقم الاستبداد فيرفعه لمرتبة التوحش وإنكار حق الآخر في الوجود , وتفاقم الاستبداد يحرض الطائفية فيجعلها في مقدمة العلائق الاجتماعية – السياسية بل يجعلها تحتل الحيز السياسي كله في الحالات القصوى .
في دولة محددة إما أن يكون الاستبداد هو وليد تبدلات سياسية ( الحالة الأولى ) كما يحصل عقب الحروب وفي فجر تكون الدولة , أو بعد انقلاب عسكري , بالتالي يواجه الاستبداد طائفية كامنة , اجتماعية – دينية أنتجت ثقافة مجتمعية لكن تلك الثقافة سمحت بعلاقات اقتصادية وثقافية وسياسية مع التكوينات الاجتماعية المجاورة , وفي هذه الحالة ينشأ نوع من الاستقرار المتوازن بين سلطة الدولة القائمة على الخوف وبين سلطة الطائفة القائمة على نمط آخر من الخوف , فلا يرى استبداد السلطة في الطائفية خطرا بقدر ما يراه فرصة لتعزيز سلطته حين يتمكن من التمفصل مع سلطة الطائفة .
ومن الطبيعي أن تنحني سلطة الطائفة لسلطة الدولة في تلك الحالة وتتقوقع داخل المجتمع تاركة الهامش السياسي العام طالما عرفت الدولة كيف تبني علاقتها السلطوية مع سلطة الطائفة .
لكن تلك العلاقة في جدلها التاريخي معرضة للانفجار حين يزداد افتقار الاستبداد للشرعية وبالتالي يلتقط الطائفية ليعوض عن افتقار الشرعية ويحدث ذلك غالبا بسبب فشل سلطة الاستبداد سياسيا أو اقتصاديا وتفشي الفساد واختلال الأمن , هكذا يمد الاستبداد يده ليلتقط الطائفية ويدخلها في بنيته التكوينية فيقسم المجتمع ويصنع من أحد مكوناته عدوا للآخر .
وفي تلك العملية لابد من وجود طرف مقابل يقوم باستفزاز أعمق المشاعرالطائفية المختزنة , وسوف يكون الاستبداد سعيدا بتحريضه ودفعه للظهور لتتحول الطائفية لخزان يعيد الحياة للاستبداد ويمده بطاقة للاستمرار والبقاء .
تحدث لحظة الانفجار حين تطغى الطائفية على الاستبداد فيصبح الاستبداد في خدمتها بدل أن تكون في خدمته كالسابق , ليس بسبب انتهاء الاستبداد كما يمكن أن يذهب إليه الخيال ولكن بسبب تفكك الدولة دون أن تسقط , فحين تتفكك الدولة لانعود نرى المواطن بل الانسان المنتمي لطائفة أولا وقبل كل شيء .
هيمنة الطائفية توصل لانفجار المجتمع , فالعقد الاجتماعي المضمر والذي يؤسس للدولة يكون قد انهار فعليا ومقابل الطائفة الغالبة تبحث بقية الطوائف عن مصيرها .
لايحدث ذلك سوى بوجود الاستبداد , وبتفاقمه أيضا , فالاستبداد هنا شرط لارتفاع مكانة الطائفية في المجتمع , وصولا لتدمير العقد الاجتماعي المؤسس للدولة .
يمكن تمثيل ذلك السياق التاريخي كالتالي :
استبداد – خوف – طائفية – قمع أشد – طائفية أشد – انفجار
يحدث مثل ذلك السياق حين يكون الاستبداد هو البداية .
لكن يمكن أن تكون الطائفية هي البداية ( الحالة الثانية ) كما في لبنان مثلا .
أي ظاهريا هناك ديمقراطية – طائفية توزع المناصب في الدولة على أساس طائفي
لكن الحقيقة أن النظام السياسي هنا ليس ديمقراطيا بالمرة بقدر ماهو نظام استبداد طائفي بثوب ديمقراطي مخادع .
فداخل هذا النظام لايمكن تغيير زعامات الطوائف التي تحل محل الأحزاب السياسية سوى عبر ميكانيكية محددة مسبقا وفق أسس طائفية عشائرية لاعلاقة لها بالسياسة سوى من خلال تمفصل زعامات الطوائف مع بعضها وكيف تتبادل المنافع وتتقاسم الدولة مثل كعكة وليس كوطن .
هذه الزعامات التي تلغي فعليا صفة المواطن وتعيد إنتاج الفرد ضمن صفة ابن الطائفة .
بالتالي تفكك الدولة وتوزع سلطتها السيادية على زعماء الطوائف .
وهذا ببساطة ماسمح بتكون حزب الله كدولة داخل دولة . وللانصاف فحتى بدون حزب الله فسيكون لبنان مجموعا لسلطات زعماء الطوائف , وستبقى الدولة محصلة توافق أولئك الزعماء حين يحصل مثل ذلك التوافق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى