
مع كل شتاء جديد، تعود أزمة التدفئة في مخيمات شمالي سوريا بوصفها واحدة من أكثر القضايا قسوة على حياة النازحين، ليس فقط بسبب انخفاض درجات الحرارة، بل لأن البرد يتحول إلى عامل يضاعف الفقر ويكشف هشاشة العيش داخل الخيام.
في المخيم الأزرق قرب بلدة حارم، لا يتحدث عمر سليمان عن الشتاء كموسم عابر، بل كحالة دائمة من القلق، تبدأ مع أول انخفاض في الحرارة ولا تنتهي إلا بانقضاء الأشهر الباردة.
عمر (47 عامًا)، النازح من ريف إدلب الجنوبي، لم يكن يتخيل أن عاما واحدا بعد “التحرير” سيكفي ليحسم مصير عودته إلى منزله المدمر، ويثبته في خيمة بلا عزل، تنتظر الشتاء بوسائل لا تشبه التدفئة.
يقول عمر لموقع تلفزيون سوريا، إن منزله في ريف إدلب الجنوبي لم يعد صالحًا للسكن، وإن الدمار الواسع الذي لحق به جعله عاجزًا عن العودة، وأن العودة لم تكن قرارا مؤجلا فقط، بل خيارا مستحيلًا.
ومع غياب أي برنامج دعم لإعادة الإعمار أو حتى ترميم المنازل، وجد نفسه مضطرا للبقاء في المخيم، حيث تتحول الفصول إلى امتحان قاسٍ للبقاء.
داخل الخيمة، تعيش زوجته مع الأطفال، تحاول حمايتهم من البرد ببطانيات قديمة، بينما يبحث عمر عن أي وسيلة لكسر قسوة برد الليل، “التدفئة هنا ليست خيارا، بل محاولة يومية لمنع المرض”، يقولها وهو يشير إلى مدفأة معدنية صغيرة في زاوية الخيمة، لا تعمل بوقود معروف، بل بما يتوفر.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من أن تمويل الجهود الإنسانية في سوريا ما زال بعيدا عن المطلوب. فحتى الآن لم تحصل الأمم المتحدة إلا على 186 مليون دولار، وهو أقل من 10 بالمئة من احتياجات النصف الأول من العام 2025.
وأوضحت أن نقص التمويل ستكون له تبعات خطيرة، إذ يتوقع أن يخسر مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 30 بالمئة من طاقمه في سوريا، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى دعم العودة الطوعية للاجئين.
الأحذية.. وقود في المخيمات السورية
في السنوات السابقة، كانت المنظمات الإغاثية توزع كميات محدودة من الفحم أو مواد التدفئة على سكان المخيم الأزرق، لم تكن هذه المساعدات كافية، لكنها كانت تمنح العائلات هامش أمان بسيطًا في مواجهة البرد.
هذا العام، لم تصل أي دفعة، واختفت المساعدات الشتوية بالكامل، ليبقى المخيم وحيدًا في مواجهة الشتاء القاسي. يشرح عمر سليمان أن غياب دعم التدفئة غير كل شيء، فلم يعد السؤال المطروح: “أي وسيلة أفضل؟”، بل أصبح: “ماذا يمكن حرقه دون أن نموت اختناقًا وبأسعار بخسة؟”.
ومع الارتفاع الكبير في أسعار الحطب والمازوت والبيرين وقشور المكسرات، خرجت هذه المواد كليًا من حساباته، إذ لا يسمح دخله حتى بالتفكير بها.
“اضطررنا لاستخدام أكياس النايلون واطارات السيارات واحياناً نشتري أحذية مستعملة من البالة”، يقول عمر، موضحًا أن هذه المواد تُجمع من محيط المخيم، ثم تُقطع وتُحرق داخل المدفئة، اما عن احذية البالة يقول عمر انهم يشترونها من محلات مخصصة لبيع البالة فيشترون الأحذية المعابة بالوزن بأسعار رخيصة وتعتبر أقل ثمناً من أي مادة تدفئة أخرى ولكنها تسبب سعال للأطفال ورائحة كريهة تملآ المخيم.
وأحيانًا يضيف زيتًا محروقًا لزيادة الاشتعال، رغم معرفته بالمخاطر، “نستنشق رائحة خانقة، “لكن يبقى البرد أقسى”، يضيف عمر.
لا يتحدث عمر عن هذا الخيار بوصفه بديلًا، بل كحل قسري، يعرف أن الدخان سام، وأن الزيت المحروق يطلق غازات خطرة، لكنه لا يملك رفاهية الاختيار، فبين البرد والاختناق، يختار ما يظنه أقل ضررًا واقل سعراً في تلك اللحظة.
ويعمل عمر سليمان عامل بناء، وهي مهنة ترتبط بالطقس وبفرص العمل اليومية، فـ أحيانًا يعمل يومًا كاملًا، ثم يمضي يومين أو ثلاثة دون أي عمل. هذا التذبذب في الدخل يجعل التخطيط للتدفئة أمرًا شبه مستحيل، فلا يستطيع شراء الوقود دفعة واحدة، ولا حتى تأمين مبلغ ثابت أسبوعيًا.
ويقول عمر، في حديثه مع موقع تلفزيون سوريا، إن أجر يوم العمل بالكاد يكفي لتأمين الخبز والطعام الأساسي، وإن أي حديث عن التدفئة يتحول إلى عبء نفسي إضافي؛ “حين أعمل، أفكر بالطعام أولًا، ثم بالدواء، أما التدفئة فهي آخر ما أفكر به، رغم أنها الأهم”.
وفي ليالي البرد القارس، يضطر لإيقاد المدفأة لفترات قصيرة فقط، حفاظًا على ما تبقى من المواد التي جمعها. مشيراً الى أن أطفاله ينامون بثيابهم، ويتشاركون البطانيات، بينما تبقى أطراف الخيمة باردة، بلا عزل يمنع الرياح، ولا أرضية تحمي من رطوبة الشتاء.
مخيمات الشمال.. طفولة باردة
لدى عمر ثلاثة أطفال، أصغرهم لم يعرف من الشتاء سوى الخيمة والدخان، وأكثر ما يؤلمه ليس البرد ذاته، بل رؤية أطفاله يعتادون عليه وكأنه أمر طبيعي. الطفل لا يشتكي كثيرًا، لكنه يسعل ويمرض، وتبقى حرارته منخفضة طوال الليل، وهو ما يزيد عبء عمر وزوجته الذين يحاولان قدر المستطاع حماية الأطفال بوسائل محدودة.
لا مدفأة آمنة، ولا وقود نظيف، وكل ما يمكن فعله هو تنظيم ساعات إشعال النار داخل المدفأة وإبعاد الأطفال عنها قدر الإمكان خوفًا من الحروقاو من الدخان المتبعثر داخل الخيمة والمخيم.
يشير عمر إلى أن الأمراض التنفسية باتت شائعة في المخيم، خاصة بين الأطفال، ومع ذلك لا يربط أحد هذه الحالات رسميًا بوسائل التدفئة الخطرة، رغم وضوح العلاقة؛ “نعرف أن ما نفعله خطأ، لكن ما البديل؟”.
لا يتحدث عمر عن خطط بعيدة، ولا عن أحلام كبيرة، كل ما يريده هو شتاء أقل قسوة، مشيراً أن عودته إلى منزله مرتبطة بإعادة الإعمار، وهو أمر لا يبدو قريبًا، أما البقاء في المخيم، فيعني مواجهة شتاءات متكررة بنفس الوسائل البدائية.
في ختام حديثه، يطالب عمر بعودة دعم التدفئة للمخيمات ولو بالحد الأدنى؛ “لا نطلب الكثير، فقط ما يمنعنا من حرق النفايات”، يقول وهو ينظر إلى أطفاله الذين ينامون بثيابهم ويتشاركون البطانيات، في خيمة لا عزل فيها يحمي من الرياح، ولا أرضية تحمي من رطوبة الشتاء، وبالنسبة له، التدفئة ليست رفاهية، بل وسيلة لحماية أطفاله من المرض، ومن برد يجعل الأطفال يعتادون على قسوة الحياة قبل أن يعرفوا طعم الدفء.
تحذيرات مبكرة لم تمنع الأزمة
في تشرين الأول الماضي، حذّر فريق منسقي استجابة سوريا في بيان له، من تفاقم أوضاع النازحين مع دخول فصل الشتاء، مشيراً إلى أن أكثر من 1.521 مليون مدني لا يزالون يعيشون في المخيمات، رغم حركة العودة إلى المدن والقرى.
وأوضح البيان أن أكثر من 95% من العائلات غير قادرة على تأمين مواد التدفئة، فيما لم يحصل 83% من النازحين على أي إمدادات تدفئة خلال العام الماضي، ومع دخل شهري لا يتجاوز 50 دولاراً لدى 88% من العائلات، بات 71% من نازحي المخيمات مضطرين إلى تقليص غذائهم مقابل محاولة تأمين الحد الأدنى من الدفء.
المصدر: تلفزيون سوريا







عام على التحرير وسقوط نظام طاغية الشام وهروبه، وما زالت مخيمات ادلب وشمال غرب حلب موجودة تأوي النازحين ، ومع قدوم فصل الشتاء يعانون من البرد والصقيع والأوحال، الى متى ستظل المخيمات؟ هل ستفي الحكومة وعودها بأن عام 2026 سيكون عام المخيمات .