
تمثل ذكرى الاستقلال في 24 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام محطّةً جوهريةً في الوجدان الليبي، فهي ليست مجرّد استعادة لحدث بروتوكولي غابر، بل هي تذكير بلحظة تجلّت فيها الإرادة الوطنية لتصنع معجزة الميلاد في ظروف دولية وإقليمية بالغة التعقيد، وبينما تحيي ليبيا اليوم هذه الذكرى، تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية كبرى؛ فالدولة التي اتّحدت في زمن الفقر وشحّ الموارد، تكافح اليوم لمنع التشرذم وهي تمتلك من الثروات والمقدّرات ما يؤهّلها لتكون في مصافّ الدول المتقدّمة، الأمر الذي يضع العقل الجمعي الليبي أمام استحقاق المراجعة التاريخية والسياسية الحقيقية والصعبة في هذا الوقت خاصة، فبين 24 ديسمبر 1951 والواقع الراهن مسافة زمنية شاسعة، مثقلة بتساؤلات كثيرة، لعلّ أبرزها السيادة الوطنية، وبناء الدولة.
جاءت ثورة فبراير في ليبيا لاسترداد روح الاستقلال المسلوبة وتصحيح مسار الدولة التي اختُزلت في حكم الفرد
لا يستقيم الاحتفاء بهذه الذكرى اليوم من دون قراءة رصينة للمخاض الأول، ومقارنته بالانسداد الذي أعقب ثورة فبراير (2011)، وما تلاه من انقسام مؤسّساتي وجغرافي يهدّد كيان الدولة، ومن ثم، لا يمكن فهم قيمة الاستقلال من دون العودة إلى عام 1949، حين كانت ليبيا قاب قوسين أو أدنى من المحو الجغرافي والسياسي، ففي تلك الفترة، برزت اتفاقية “بيفن – سفورزا” (نسبة إلى وزيري خارجية بريطانيا وإيطاليا)، التي هدفت صراحةً إلى وضع أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة، طرابلس، فزّان) تحت وصاية دولية ثلاثية عشر سنوات، لترسيخ النفوذ، البريطاني في الشرق والإيطالي في الغرب والفرنسي في الجنوب، ما عنى فعلياً إنهاء حلم الدولة الوطنية الموحّدة آنذاك، غير أن النُّخب الوطنية والسياسية الفاعلة في ذلك الوقت كان لها رأي آخر، واستطاعت إفشال المشروع بنضال سياسي مرير خاضته في المحافل الدولية، ليتوّج ذلك بمنح ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز مطلع 1952، وليكون هذا النجاح التاريخي أولى اللبنات في بناء الدولة، أعقبه إعلان الاستقلال تحت مظلّة الدستور في 1951، الذي ما زال يُعدُّ أرقى وثيقة قانونية عرفتها البلاد، وازن بين تطلّعات الأقاليم وضرورة وجود مظلّة وطنية جامعة، بل مثّل أول عقد اجتماعي حديث حافظ على توازن الدولة، وهو ما افتقدته البلاد في الحقب التالية.
وبعد هذه العقود وعندما جاءت ثورة فبراير محاولةً لاسترداد روح الاستقلال المسلوبة وتصحيح مسار الدولة التي اختُزلت في حكم الفرد على مدار أربعة عقود من الحكم الشمولي، بدأت تظهر جملة من المعوقات البنيوية التي حالت دون استكمال بناء الدولة، فواجهت الدولة في مرحلة ما بعد الثورة معوقات بنيوية أعاقت التحوّل إلى بناء الدولة المنشودة، فقد غاب المشروع الوطني الجامع، وحلّت محلّه صراعات السلطة والنفوذ، ممّا أدى إلى تآكل هيبة الدولة المركزية وتصاعد النزعات الجهوية والقبلية، ولتكون أبرز المعضلات بعد فبراير (2011) هي تحويل “الشرعية الثورية” إلى “شرعية دستورية” حقيقية تنتشل الدولة من الدوّامات السياسية اللامتناهية، بل إنها بدلاً من أن تكون (الثورة) جسراً نحو المؤسّسات، أصبحت بوابةً لتدخّلات خارجية حوّلت الجغرافيا الليبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وليتجدّد معها الانقسام الداخلي شرقاً وغرباً، الأمر الذي أدّى إلى تغوّل القوى الموازية على حساب مؤسّسات الدولة الرسمية، وبدلاً من الاتجاه نحو تفعيل الدستور أو صياغة عقد جديد يضمن الانتقال السلمي للسلطة، دخلت البلاد في نفق الصراعات المسلّحة على الشرعية والنفوذ، ممّا جعل من “الثورة” حالةً مستمرّةً من الاضطراب بدلاً من أن تكون نقطة انطلاق لبناء الدولة المدنية.
تظلّ معضلة غياب الدستور العائق الأبرز أمام بناء الدولة في ليبيا
وإزاء ذلك كلّه، تظلّ معضلة غياب الدستور العائق الأبرز أمام بناء الدولة، فمنذ سقوط النظام السابق، فشلت الأجسام السياسية المتعاقبة في طرح دستور دائم يُنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة، وينهي قاعدة الأمر الواقع، والاتفاقات التي تدور في رحى الأزمة كيفما دارت الأزمة السياسية وليس حلّاً لها، ومن ثم سيُبقي فقدان وثيقة دستورية حاكمة الاستقلالَ مجرّد ذكرى تاريخية تفتقر إلى الممارسة الواقعية.
يجب أن يتجاوز استحضار ذكرى الاستقلال اليوم البعد الرمزي نحو ضرورة استلهام العبر من الآباء المؤسّسين الذين تغلبوا على “بيفن – سفورزا” بالوحدة الوطنية، وذلك بإنقاذ البلاد من الانقسام الراهن، والذي يتطلّب شجاعةً سياسيةً لتقديم التنازلات، والعودة إلى المسار الدستوري سبيلاً وحيداً لإنهاء التيه السياسي وتأمين استقلال حقيقي يحمي سيادة الدولة ومؤسّساتها.
المصدر: العربي الجديد


